كشفت تقارير إسرائيلية عن رفض تل أبيب حتى الآن تجديد اتفاق يتيح للأردن شراء 50 مليون متر مكعب إضافية من المياه سنويًا بأسعار مخفضة، في خطوة تعمق التوتر السياسي بين الجانبين وتثير مخاوف من توظيف ملف المياه كورقة ضغط على عمّان بسبب مواقفها من الحرب على غزة والقضية الفلسطينية.
وبحسب هيئة البث الإسرائيلية "كان 11" وصحيفة "يديعوت أحرونوت"، فإن الاتفاق الخاص بالكميات الإضافية لم يُمدد منذ تشرين الثاني/نوفمبر 2025، ولا يوجد حتى الآن موعد متوقع لتجديده، ما يعني أن الأردن لا يحصل منذ أشهر على الكمية الإضافية التي كانت تُشترى فوق الالتزامات المائية الأساسية المنصوص عليها في معاهدة السلام الموقعة عام 1994.
ولا يمس التعطيل، وفق التقارير، الكمية الأساسية التي تلتزم إسرائيل بتزويد الأردن بها بموجب ترتيبات وادي عربة، وإنما الاتفاق الإضافي الذي أُبرم عام 2021 لشراء نحو 50 مليون متر مكعب أخرى سنويًا بشروط مخفضة، قبل أن يخضع لاحقًا لتمديدات مؤقتة.
غضب أردني ورفض لتحويل المياه إلى أداة مساومة
ولم يصدر حتى الآن تعليق رسمي أردني مباشر على التقرير الأخير، غير أن مصدرًا أردنيًا وصفته "كان 11" بأنه مقرب من السلطات شدد على أن "موضوع المياه مهم جدًا بالنسبة لنا، وهو أيضًا جزء من اتفاق السلام"، في إشارة إلى حساسية الملف ورفض التعامل معه باعتباره أداة مرتبطة بتقلب العلاقات السياسية.
ويبرز الموقف الأردني بصورة أوضح في تحركات سابقة؛ إذ كشف مصدر مسؤول لقناة "المملكة" الأردنية في شباط/فبراير 2026 أن الحكومة أعدت، بتوجيه من رئيس الوزراء، خطة بديلة عن اتفاقية شراء المياه الإضافية من إسرائيل، بهدف ضمان استدامة الأمن المائي وعدم ربط الاحتياجات الأساسية للمملكة بالضغوط أو المتغيرات الخارجية. وقال المصدر إن المصلحة الوطنية ستحدد خيارات الأردن وإجراءاته المستقبلية.
وتأتي هذه الخطوة بالتوازي مع تسريع مشروع الناقل الوطني للمياه، الذي تعول عليه عمّان لتوفير 300 مليون متر مكعب سنويًا من المياه المحلاة من خليج العقبة. وكانت الحكومة الأردنية قد أعلنت مؤخرًا تقدمًا حاسمًا في الاتفاقات المرتبطة بالمشروع، المتوقع أن يوفر نحو 40% من احتياجات مياه الشرب في المملكة عند بدء الضخ المستهدف عام 2030.
تقارير إسرائيلية تربط المياه بالمواقف السياسية الأردنية
وتكشف تصريحات مسؤولين إسرائيليين نقلتها وسائل إعلام عبرية عن بعد سياسي واضح في الأزمة. فقد قال مسؤول إسرائيلي إن بلاده تلتزم فقط بالكميات الواردة في اتفاق السلام، أما المياه الإضافية فربطها بما وصفه بوجود "نوايا حسنة" بين الدولتين.
وذهبت تصريحات أخرى إلى ربط استئناف الاتفاق بتحسن العلاقات السياسية، وإعادة مستوى من "الدفء" إلى العلاقات، وسط غضب إسرائيلي من المواقف الأردنية الحادة تجاه الحرب على غزة وسياسات إسرائيل في الضفة الغربية والقدس المحتلة.
وتنسجم هذه المعطيات مع توتر سياسي عميق منذ اندلاع الحرب على غزة؛ إذ سحب الأردن سفيره من إسرائيل في تشرين الثاني/نوفمبر 2023، بينما واصلت عمّان اتخاذ مواقف علنية شديدة الانتقاد للسياسات الإسرائيلية، مؤكدة أن القضية الفلسطينية تمثل أولوية مركزية في سياستها الخارجية وأن إنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية مستقلة يمثلان أساس الأمن والاستقرار الإقليميين.
قمة ثلاثية محتملة في أبو ظبي
وفي محاولة لاحتواء التوتر، أفادت تقارير إسرائيلية بأن الإمارات تدفع نحو عقد قمة ثلاثية في أبو ظبي تجمع مسؤولين من الأردن وإسرائيل والإمارات، لبحث تفاهم مائي جديد وملفات تعاون في قطاع الطاقة، إلى جانب محاولة تخفيف حدة الأزمة السياسية بين عمّان وتل أبيب.
ووفق هذه التقارير، قد تبحث القمة اتفاقًا جديدًا لتزويد الأردن بـ50 مليون متر مكعب إضافية من المياه، فضلًا عن إعادة طرح مشاريع إقليمية تقوم على تبادل المياه والطاقة، بحيث تُنتج الكهرباء من مشاريع شمسية في الأردن مقابل إمدادات مائية مرتبطة بالتحلية. ولم يصدر إعلان أردني رسمي يؤكد انعقاد القمة أو الموافقة على جدول أعمالها.
ملف المياه في قلب أزمة سياسية
وتكتسب الأزمة حساسية خاصة بسبب شح الموارد المائية في الأردن، الذي يصنف رسميًا ضمن الدول الأشد فقرًا مائيًا، فيما تؤكد الاستراتيجية الوطنية للمياه أن نصيب الفرد يقل كثيرًا عن خط الفقر المائي المطلق المعترف به دوليًا.
وبينما تؤكد إسرائيل أنها تواصل تنفيذ التزاماتها الأساسية في معاهدة السلام، تكشف أزمة الكميات الإضافية عن انتقال ملف المياه من مسار فني إلى ساحة مواجهة سياسية، خصوصًا مع تصريحات إسرائيلية تربط صراحة تقديم المياه بتحسن العلاقات والمواقف الأردنية.
في المقابل، يبدو أن عمّان تتجه إلى تقليص هامش تعرض أمنها المائي للضغط الخارجي، عبر خطة بديلة وتسريع مشروع الناقل الوطني، في وقت تتمسك فيه بمواقفها السياسية من الحرب على غزة والقضية الفلسطينية.
وبذلك، تتجاوز أزمة الـ50 مليون متر مكعب خلافًا تجاريًا على شراء المياه، لتصبح اختبارًا جديدًا للعلاقات الأردنية الإسرائيلية، وسط مخاوف في عمّان من تحويل مورد حيوي إلى أداة مساومة سياسية، ومساعٍ أردنية متسارعة لبناء بدائل تعزز الاستقلال والأمن المائي للمملكة.
