تحليل من ضغط الرياض والقاهرة إلى صندوق نوفمبر.. أكرم عطا الله يفكك دوافع مرسوم أبو مازن ومخاطر سقوطه في اختبار غزة والقدس

الكاتب والباحث السياسي الفلسطيني أكرم عطا الله

مرسوم الانتخابات بين ضغط الإصلاح واختبار الوحدة..أكرم عطا الله: أبو مازن تحرك تحت ثقل عربي ودولي والصندوق قد ينسف خرائط الفصل

قراءة تحليلية - لم يقرأ الكاتب والباحث السياسي الفلسطيني أكرم عطا الله مرسوم الانتخابات التشريعية الذي أصدره الرئيس محمود عباس (أبومازن) باعتباره قرارًا انتخابيًا مفاجئًا ومعزولًا، بل وضعه ضمن مسار أوسع من الضغوط العربية والدولية لإصلاح السلطة الفلسطينية وتجديد شرعيتها، في وقت يواجه فيه الاستحقاق نفسه أسئلة ثقيلة بشأن إمكان تنفيذه في قطاع غزة والقدس، وطبيعة المشاركة السياسية، ومستقبل النظام الفلسطيني بعد نحو عقدين من غياب الانتخابات التشريعية.

وكان الرئيس عباس قد أصدر، الخميس 9 يوليو/تموز 2026، مرسومًا حدد يوم 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2026 موعدًا للانتخابات التشريعية، داعيًا الفلسطينيين في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة إلى المشاركة فيها، على أن تُجرى الانتخابات الرئاسية في الربع الأول من عام 2027. وستكون الانتخابات التشريعية، في حال تنفيذها، الأولى منذ انتخابات عام 2006.

«مفاجئ ومتوقع».. مفارقة تختصر المشهد

في حديث عبر قناة «الغد» تابعته "وكالة قدس نت للأنباء"، وصف عطا الله القرار بأنه «مفاجئ ومتوقع» في آن واحد.

هو مفاجئ، بحسب قراءته، لأن المرسوم لم تسبقه عملية تمهيد سياسي واضحة، ولا حوار وطني شامل حول شروط الانتخابات وضماناتها، كما صدر في وقت لا يزال فيه قطاع غزة يواجه واقعًا ميدانيًا وإنسانيًا معقدًا يجعل تنظيم عملية انتخابية شاملة خلال أشهر قليلة تحديًا بالغ الصعوبة.

لكنه، في المقابل، ليس مفاجئًا إذا وُضع ضمن سياق السنوات الأخيرة؛ إذ يرى عطا الله أن السلطة الفلسطينية تعرضت لضغوط متزايدة من دول عربية والولايات المتحدة وأطراف دولية لإجراء إصلاحات مؤسسية وسياسية، وأن الانتخابات تمثل إحدى الأدوات الرئيسية في هذا المسار.

وهنا يقدّم عطا الله تفسيرًا سياسيًا للمرسوم، لا معلومة مثبتة بقرار معلن: الرئيس عباس، وفق قراءته، لم يتحرك فقط بدافع استحقاق داخلي، بل تحت ثقل مسار إصلاحي دفعت باتجاهه عواصم عربية، وفي مقدمتها الرياض والقاهرة، بالتوازي مع ضغوط أميركية ودولية.

وهذه القراءة تلتقي جزئيًا مع واقع أوسع؛ فالدعوات الدولية إلى إصلاح وتنشيط السلطة الفلسطينية سبقت المرسوم بسنوات، كما أن محللين ومراقبين ربطوا الاستحقاقات الانتخابية الأخيرة بضغوط دولية على القيادة الفلسطينية لتجديد المؤسسات وتعزيز الشرعية.

الانتخابات ليست بداية المسار بل حلقة فيه

من المهم هنا الانتباه إلى أن مرسوم 9 يوليو/تموز لم يأتِ في فراغ قانوني كامل.

ففي 2 فبراير/شباط 2026، كان الرئيس عباس قد أصدر مرسومًا منفصلًا يدعو الفلسطينيين في الوطن والشتات إلى المشاركة في انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني المقررة في 1 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، مع النص على إجرائها حيثما أمكن داخل فلسطين وخارجها.

ثم جاءت تعديلات قانون الانتخابات العامة في يونيو/حزيران 2026، وشملت رفع عدد أعضاء المجلس التشريعي من 132 إلى 200، وخفض نسبة الحسم إلى 1%، وخفض سن الترشح إلى 23 عامًا، وتعديلات أخرى على تشكيل القوائم وتمثيل المرأة.

وبذلك، فإن المرسوم الجديد يمكن قراءته كحلقة في إعادة ترتيب متسارعة للبنية السياسية الفلسطينية، لا مجرد إعلان تقني عن يوم اقتراع.

لكن هذا التسلسل يفتح بدوره أسئلة: هل يجري بناء منظومة انتخابية متكاملة تشمل المجلس التشريعي والرئاسة والمجلس الوطني، أم أن تعدد المواعيد والمسارات قد يؤدي إلى فصل الاستحقاقات عن بعضها؟ وهل سيبقى المجلس الوطني، بما يمثله من امتداد للفلسطينيين في الخارج، جزءًا فعليًا من عملية تجديد الشرعيات أم يتحول إلى مسار منفصل؟

عطا الله: صندوق واحد في غزة والضفة والقدس يحمل معنى سياسيًا

رغم شكوكه في الظروف المحيطة بالقرار، منح عطا الله المرسوم أهمية سياسية تتجاوز تنظيم الانتخابات نفسها.

فبالنسبة إليه، مجرد الدعوة إلى انتخابات تشمل قطاع غزة والضفة الغربية والقدس في يوم واحد تحمل دلالة وحدوية عميقة؛ إذ تعيد تعريف الفلسطينيين باعتبارهم جسمًا سياسيًا واحدًا، رغم الحرب والاحتلال والانقسام والجغرافيا المجزأة.

وفي جوهر قراءته، فإن خروج الفلسطينيين لاختيار ممثليهم ضمن عملية سياسية موحدة يمكن أن يشكل اعتراضًا عمليًا على كل مشاريع الفصل بين غزة والضفة، سواء تلك التي فرضتها الوقائع الإسرائيلية أو التي رسخها الانقسام الداخلي.

ومن هذه الزاوية، يرى عطا الله أن الانتخابات قد تتحول إلى فعل سياسي يتجاوز صناديق الاقتراع: إعادة تثبيت وحدة المجال السياسي الفلسطيني.

هذه النقطة هي ربما الأكثر قوة في تحليله. فالمرسوم نفسه ينص على مشاركة الفلسطينيين في القدس والضفة الغربية وغزة، بينما يظل استمرار الانقسام منذ 2007 أحد أكبر التحديات أمام بناء مؤسسات فلسطينية موحدة.

لكن كيف تُجرى الانتخابات في غزة؟

هنا يصل التحليل إلى عقدته الأكثر واقعية.

فالقول بانتخابات موحدة أسهل بكثير من تنفيذها في قطاع غزة، حيث تطرح العملية أسئلة تتعلق بالسجل الانتخابي، وحركة السكان، ومراكز الاقتراع، والنازحين، والأمن، وقدرة القوائم على خوض حملات انتخابية متكافئة.

عطا الله أقر بأنه لا يستطيع تقديم تصور جاهز لكيفية إجراء الانتخابات في القطاع، لكنه رفض، في الوقت نفسه، فكرة انتظار «الظروف النموذجية».

ومن وجهة نظره، قد تكون انتخابات بمشاركة ناقصة أفضل من استمرار تعطيل الاقتراع إلى أجل غير مسمى، خصوصًا بعد نحو عشرين عامًا من آخر انتخابات تشريعية.

هذه المقاربة جريئة لكنها إشكالية أيضًا. فالمشاركة الجزئية قد تحافظ على مبدأ الانتخابات، لكنها تثير في المقابل سؤال شرعية النتائج إذا تعذر التصويت على قطاعات واسعة من السكان أو إذا غابت المساواة في فرص الترشح والحملات.

وقد أكد ناطق باسم لجنة الانتخابات المركزية، في تصريحات صحفية، أن اللجنة جاهزة لإجراء الانتخابات عند صدور المرسوم، وأن تنظيمها في غزة ممكن من الناحية الفنية، بينما أشار مراقبون إلى أن الواقع الميداني والقدس يمثلان عقبتين أساسيتين.

القدس.. عقدة 2021 تعود من جديد

القدس ليست مسألة تفصيلية في هذا الاستحقاق.

فلجنة الانتخابات المركزية توضح أن الانتخابات السابقة في القدس الشرقية اعتمدت ترتيبات خاصة، شملت الاقتراع في مكاتب بريد محددة، وهو ما يجعل تنفيذ أي انتخابات جديدة مرتبطًا بعوامل سياسية وإجرائية تتجاوز القرار الفلسطيني وحده.

وهنا استعاد عطا الله تجربة عام 2021، حين كان مقررًا إجراء الانتخابات التشريعية في مايو/أيار والرئاسية في يوليو/تموز، قبل تأجيل العملية. وتؤكد لجنة الانتخابات المركزية أن تلك الانتخابات بقيت مصنفة رسميًا باعتبارها «مؤجلة»، فيما صدر مرسوم التأجيل في 30 أبريل/نيسان 2021.

لكن عطا الله يذهب أبعد من الرواية الرسمية المرتبطة بالقدس، ويرى أن الحسابات الداخلية كانت حاضرة بقوة، ولا سيما المخاوف من نتائج غير مضمونة بالنسبة إلى القيادة وحركة «فتح»، وصعود منافسين داخليين، واحتمال تقدم «حماس».

هذه النقطة يجب التعامل معها بوصفها تحليلًا سياسيًا لا حقيقة مثبتة؛ فالرواية الرسمية ربطت التأجيل بالقدس، بينما أشارت تحليلات مستقلة في حينه إلى أن الانقسامات داخل «فتح» ومخاطر خسارة الانتخابات كانت من العوامل المحتملة وراء القرار.

لماذا قد يكون الفصل بين التشريعية والرئاسية مهمًا؟

يلفت عطا الله إلى تفصيل سياسي دقيق: المرسوم حدد الانتخابات التشريعية أولًا، بينما أرجأ الرئاسية إلى الربع الأول من عام 2027.

وفي قراءته، قد يكون هذا الفصل عاملًا يخفف المخاوف داخل القيادة الفلسطينية، لأنه يسمح بخوض الانتخابات التشريعية من دون فتح معركة الرئاسة فورًا.

وهنا تبرز حساسية ملف الخلافة السياسية، وموقع شخصيات مثل الأسير مروان البرغوثي، الذي بقي حاضرًا بقوة داخل حركة «فتح» وأعيد انتخابه لعضوية لجنتها المركزية في مايو/أيار 2026.

وبحسب منطق عطا الله، فإن فصل المسارين قد يجعل إجراء الانتخابات التشريعية أكثر قابلية سياسيًا، لأنه لا يضع ملف الرئاسة والخلافة في قلب المواجهة منذ اليوم الأول.

الإصلاح من الخارج أم حق فلسطيني مؤجل؟

أكثر ما يلفت في مداخلة عطا الله هو سؤاله النقدي: لماذا ينتظر الفلسطينيون ضغطًا أميركيًا أو عربيًا حتى يصبح الإصلاح ممكنًا؟

فهو يرى أن الإصلاح مطلب فلسطيني قبل أن يكون مطلبًا خارجيًا، وأن غياب الانتخابات طوال عقدين تقريبًا يمثل أزمة داخلية لا يمكن تبريرها فقط بالاحتلال أو الانقسام.

ومن هنا، فإن قراءة المرسوم باعتباره استجابة للرياض أو القاهرة أو واشنطن لا ينبغي أن تحجب السؤال الأهم: لماذا لم تتحول الانتخابات الدورية، وتداول السلطة، والمساءلة، والفصل بين السلطات إلى ممارسة طبيعية داخل النظام الفلسطيني؟

هذه الزاوية تلتقي مع موقف مركز إعلام حقوق الإنسان والديمقراطية «شمس»، الذي رحب بالمرسوم لكنه شدد على أن النجاح لا يقاس بإصدار مرسوم أو تحديد يوم للاقتراع، بل بتوفير الحريات العامة، وحرية العمل السياسي، وتكافؤ الفرص، وضمان حق الترشح والانتخاب، واحترام النتائج، وتمكين غزة والقدس من المشاركة.

بمعنى آخر، الصندوق وحده لا يصنع ديمقراطية.

مفارقة الأحزاب التي تنتخب داخلها ولا تنتخب الشعب

طرح عطا الله في المقابلة مفارقة شديدة الدلالة: القوى الفلسطينية الكبرى تجري انتخابات داخلية لاختيار هياكلها وقياداتها، لكنها عجزت سنوات طويلة عن تمكين الشعب الفلسطيني من اختيار مؤسساته الوطنية.

وتحمل هذه المفارقة نقدًا مزدوجًا لـ«فتح» و«حماس»: فكل طرف، وفق هذا المنظور، حافظ على بنيته السياسية ومجاله الخاص، بينما بقي النظام العام معطلًا.

ومن هنا، فإن الانتخابات المقبلة لا تختبر فقط قدرة السلطة على تنظيم اقتراع، بل تختبر أيضًا استعداد القوى المهيمنة لقبول احتمال الخسارة.

وهذا هو السؤال الديمقراطي الحقيقي: هل تقبل الأطراف بنتيجة صندوق لا تضمنه مسبقًا؟

ثلاث قراءات للمرسوم

يمكن استخلاص ثلاث طبقات أساسية من مداخلة عطا الله:

الأولى: المرسوم استجابة لضغط إصلاحي.
وهو، في هذه القراءة، جزء من محاولة عربية ودولية لإعادة إنتاج سلطة فلسطينية أكثر شرعية وقدرة على إدارة المرحلة المقبلة، خصوصًا في ظل البحث عن ترتيبات جديدة لغزة.

الثانية: المرسوم فعل وحدوي.
فالدعوة إلى اقتراع واحد في غزة والضفة والقدس تعيد التأكيد، سياسيًا وقانونيًا، أن هذه المناطق تشكل مجالًا وطنيًا واحدًا، في مواجهة مشاريع الفصل.

الثالثة: المرسوم مخاطرة سياسية.
لأن غياب الحوار الوطني، والواقع الميداني في غزة، والعقبات الإسرائيلية في القدس، والجدل بشأن شروط الترشح، واحتمال عدم قبول النتائج، كلها عوامل قد تحول الموعد إلى أزمة جديدة بدل أن يكون مدخلًا للحل.

اختبار نوفمبر: إصلاح حقيقي أم إدارة جديدة للأزمة؟

في النهاية، لا تكمن أهمية مرسوم 28 نوفمبر/تشرين الثاني في أنه أعاد كلمة «انتخابات» إلى الخطاب الرسمي الفلسطيني فقط، بل في أنه وضع النظام السياسي أمام امتحان يصعب تأجيله مرة أخرى.

فإذا جرى الاقتراع ضمن منافسة حقيقية، ومشاركة واسعة، وحريات سياسية، وضمانات للقدس وغزة، وقبول مسبق بالنتائج، يمكن أن يصبح المرسوم بداية انتقال من أزمة الشرعية إلى تجديدها.

أما إذا تحولت الانتخابات إلى عملية مضبوطة النتائج، أو استُخدمت شروط الترشح لإقصاء الخصوم، أو تعذر إشراك غزة والقدس، أو جرى تجاهل المجلس الوطني والشتات، فقد يصبح الاستحقاق مجرد إعادة ترتيب للنظام القائم تحت عنوان الإصلاح.

وهنا تبدو خلاصة قراءة أكرم عطا الله أكثر تعقيدًا من السؤال الذي بدأ به الحوار: نعم، الضغوط الخارجية قد تكون دفعت أبو مازن إلى فتح باب الانتخابات، لكن نجاحها لن تحدده الرياض ولا القاهرة ولا واشنطن، بل قدرة الفلسطينيين أنفسهم على تحويل المرسوم من استجابة للضغط إلى حق ديمقراطي دائم، ومن موعد على الورق إلى عملية تعيد توحيد الشعب والمؤسسات والشرعية.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - القاهرة / رام الله