دخل اتفاق الإطار الذي وُقّع بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية مرحلة اختبار مبكرة وشديدة التعقيد، بعد أقل من 48 ساعة على توقيعه في واشنطن، في ظل كشف تقارير إسرائيلية عن ملحق أمني غير منشور يربط أي انسحاب إسرائيلي من جنوب لبنان بتقديرات ميدانية ونتائج أمنية، لا بجدول زمني ملزم، بالتزامن مع استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان وسورية، ومقتل ضابط من لواء «غولاني» في اشتباك جنوبي لبنان.
ويكشف الجدل حول الملحق الأمني أن الاتفاق، الذي قُدّم في واشنطن بوصفه بداية لمسار سياسي ينهي عقودا من النزاع، لا يزال محكوما بشروط أمنية إسرائيلية قاسية، وبخلاف لبناني داخلي عميق حول معنى السيادة، وحدود دور الجيش اللبناني، ومستقبل سلاح حزب الله، وموقع لبنان في المواجهة الأوسع بين الولايات المتحدة وإيران.
وبحسب تقرير بثته القناة الإسرائيلية 12، مساء الأحد 28 يونيو/حزيران 2026، فإن اتفاق الإطار تضمن ملحقا أمنيا ظل سريا بناء على طلب لبناني، رغم نشر نص الاتفاق الأساسي عبر وزارة الخارجية الأميركية. وذكرت القناة أن الأطراف وافقت على نشر مبادئ الملحق من دون نشر نصه الكامل، في إشارة إلى حساسية البنود الأمنية داخليا في لبنان، وارتباطها المباشر بملف الانسحاب الإسرائيلي ونزع سلاح حزب الله.
ووفق ما نقلته القناة، فإن المادة الرابعة من الملحق تنص على أن الحكومتين اللبنانية والإسرائيلية صادقتا على مبدأ عدم إلزام الجيش الإسرائيلي بأي انسحاب وفق جدول زمني محدد سلفا، على أن يتم أي انسحاب «وفق الحاجة الميدانية وتقييم النتائج». ويعني ذلك، عمليا، أن الانسحاب من مناطق جنوب لبنان سيبقى مشروطا بتقدير إسرائيل لمدى نجاح الجيش اللبناني في فرض سيطرته، ومنع عودة حزب الله أو أي بنى مسلحة غير تابعة للدولة.
وتشير هذه الصيغة إلى أن الاتفاق لا يقدّم انسحابا إسرائيليا تلقائيا، بل يفتح مسارا تدريجيا قائما على «اختبار ميداني». وبموجب هذا التصور، لن تشهد المرحلة القريبة توسيعا لنطاق ما تسميه إسرائيل «المناطق التجريبية» إلا بموافقتها، بينما يتوقع الجانب الإسرائيلي أن يستغرق دخول الجيش اللبناني إلى المنطقتين الأوليين عدة أسابيع، ريثما يتم التأكد من جاهزية الانتشار ونطاق تفكيك البنى العسكرية غير الحكومية.
وتتحدث النسخة المنشورة من اتفاق الإطار عن منطقتين تجريبيتين يبدأ فيهما الجيش اللبناني تولي المسؤولية الأمنية، بعد التحقق من نزع سلاح الجماعات المسلحة غير الحكومية وتفكيك بنيتها التحتية. غير أن الملحق الأمني، وفق التقرير الإسرائيلي، يذهب أبعد من النص العلني، إذ يكرس حرية عمل الجيش الإسرائيلي ضمن ما تسميه إسرائيل «الخط الأصفر»، ويمنحه القدرة على التحرك داخل المنطقة المحددة لمواجهة ما تعتبره «تهديدات ناشئة ومباشرة».
وهنا يكمن جوهر الخلاف. فلبنان الرسمي يقدم الاتفاق باعتباره خطوة أولى نحو استعادة السيادة والانسحاب الإسرائيلي الكامل، بينما تنظر إسرائيل إليه بوصفه إطارا يمنحها شرعية مؤقتة للبقاء والعمل عسكريا في جنوب لبنان إلى حين نزع سلاح حزب الله. وبين القراءتين، يقف الجيش اللبناني أمام مهمة معقدة: الدخول إلى مناطق مدمرة ومتوترة، وسط رفض حزب الله للاتفاق، وغضب شعبي في بيئات جنوبية ترى أن الاتفاق يرسخ احتلالا مقنعا بدل إنهائه.
وقد زادت التطورات الميدانية، الأحد، هشاشة هذا المسار. فقد أعلن الجيش الإسرائيلي مقتل ضابط من لواء «غولاني» وإصابة جندي بجروح طفيفة في اشتباك بمنطقة دير سريان جنوبي لبنان. ووفق الرواية الإسرائيلية، دخلت قوة من الكتيبة 12 إلى مبنى مشتبه به قرابة الثانية فجرا، قبل أن تشتبك مع عنصر من حزب الله فتح النار على القوة، ثم انسحب من المكان. وبعد عمليات تمشيط واسعة، أعلن الجيش الإسرائيلي لاحقا قتل العنصر الذي قال إنه شارك في الاشتباك.
ويمثل مقتل الضابط أول اختبار أمني كبير للاتفاق بعد توقيعه، لأنه يمنح المؤسسة العسكرية الإسرائيلية ذريعة إضافية للتشديد على أن حزب الله لا يزال قادرا على العمل داخل مناطق الجنوب، وأن أي انسحاب غير مشروط قد يعيد التهديد إلى بلدات الشمال. وقد سارع وزير الجيش الإسرائيلي يسرائيل كاتس إلى التأكيد أن الجيش سيواصل العمل «بحزم» في لبنان لإزالة التهديدات، فيما نعى رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو الضابط، معتبرا أنه قُتل خلال حماية الإسرائيليين وبلدات الشمال.
وفي تطور آخر قبل انتصاف ليل الأحد، أعلن نتنياهو وكاتس أن الجيش الإسرائيلي دمّر بنية تحتية تحت الأرض تابعة لحزب الله في منطقة مجدل زون جنوبي لبنان. وبحسب البيان الإسرائيلي، فإن النفق يزيد طوله على 200 متر، وعمقه أكثر من 25 مترا، وكان يحتوي على مئات الأسلحة وعدة منصات إطلاق معدة لضرب الأراضي الإسرائيلية. كما أكد البيان أن إسرائيل أبلغت الولايات المتحدة وممثلها في لبنان مسبقا بعملية التدمير.
وتحمل هذه العملية رسالة مزدوجة. فمن جهة، تريد إسرائيل إظهار أن الاتفاق لا يقيّد حريتها العسكرية داخل المنطقة الأمنية. ومن جهة أخرى، تسعى إلى تثبيت معادلة مفادها أن أي بنية لحزب الله، فوق الأرض أو تحتها، ستبقى هدفا عسكريا حتى بعد توقيع اتفاق الإطار. وهذا ما يفسر تشديد نتنياهو وكاتس على أن الجيش الإسرائيلي سيبقى في «المنطقة الأمنية» جنوبي لبنان، وسيواصل تدمير البنى التحتية وإزالة التهديدات عن بلدات الشمال.
أما حزب الله، فقد رفض الاتفاق من أساسه، وعدّه «مذلة» و«تنازلا عن السيادة»، مؤكدا أنه غير ملتزم به وأن المقاومة المسلحة ستستمر. ويرى الحزب أن ربط الانسحاب الإسرائيلي بنزع سلاحه يمنح تل أبيب حق احتلال مفتوحا، ويضع الدولة اللبنانية في مواجهة داخلية قد تتطور إلى أزمة وطنية عميقة إذا حاولت الحكومة فرض تنفيذ البنود الأمنية بالقوة.
ولا تقف المخاوف الإسرائيلية عند حزب الله وحده. فتل أبيب تتابع بقلق ما تعتبره محاولة إيرانية للالتفاف على اتفاق الإطار عبر الضغط على واشنطن. وتخشى إسرائيل أن تقول طهران للأميركيين إن إنجاح أي اتفاق أوسع معها يتطلب إجبار إسرائيل على الانسحاب الكامل من جنوب لبنان، بصرف النظر عن تفكيك بنى حزب الله. ومن هنا ترى إسرائيل أن إيران قد تستخدم التفاهمات الأميركية–الإيرانية للضغط في الملف اللبناني، ولفرض قراءة مغايرة لمسار الانسحاب.
وبحسب تقديرات إسرائيلية، فإن هذا السيناريو قد يخلق توترا بين مسارين متوازيين: مسار أميركي–إسرائيلي يريد جعل الانسحاب مشروطا بنزع سلاح حزب الله، ومسار إيراني–أميركي قد يحاول تقديم وقف العمليات في لبنان والانسحاب الإسرائيلي كجزء من صفقة إقليمية أوسع. وبذلك يتحول جنوب لبنان إلى ساحة اختبار ليس فقط لعلاقة بيروت بتل أبيب، بل أيضا لتوازنات واشنطن وطهران بعد جولة التصعيد الأخيرة.
وفي بند لافت آخر، ينص اتفاق الإطار على التزام متبادل من لبنان وإسرائيل بالعمل على إطلاق سراح المعتقلين وإعادة الرفات. وذكرت هيئة البث الإسرائيلية «كان 11» أن إسرائيل أسرت ما لا يقل عن 18 عنصرا من حزب الله خلال الحرب، غير أن مصادر إسرائيلية شددت على أن النص لا يتضمن التزاما مباشرا بإطلاق سراح أي منهم، بل يكتفي بصيغة فضفاضة تتحدث عن «العمل على» إطلاق سراح المعتقلين وإعادة الرفات.
وتفتح هذه الصياغة الباب أمام ملفات إنسانية وأمنية عالقة منذ سنوات طويلة، بينها رفات يهود في مقابر لبنانية ترغب عائلاتهم بنقلها إلى إسرائيل، وربما ملف الطيار الإسرائيلي رون عراد، رغم عدم وضوح ما إذا كانت بيروت تمتلك أي معلومات عملية مرتبطة به. وتبدو هذه النقطة واحدة من البنود التي قد تستخدم لاحقا في مساومات سياسية وأمنية بين الطرفين، خصوصا إذا تعثرت إجراءات الانسحاب أو تفكيك البنية العسكرية لحزب الله.
وفي الميدان، تواصلت الاعتداءات الإسرائيلية في لبنان. فقد أفادت الوكالة الوطنية للإعلام بأن قوات إسرائيلية نفذت تفجيرات وأحرقت منازل في بلدة الخيام، وسط تحركات لآلياتها داخل البلدة، كما استهدفت غارات محيط بلدتي دير سريان والطيبة، وشنت مسيّرة إسرائيلية غارة بين كونين وبرعشيت في قضاء بنت جبيل. كما حلقت مسيّرة إسرائيلية فوق الضاحية الجنوبية لبيروت، في مشهد يعكس هشاشة وقف إطلاق النار واستمرار فرض الضغط العسكري حتى بعد الاتفاق.
وامتد التوتر إلى الساحة السورية، حيث أعلن الجيش الإسرائيلي قتل عدد من المسلحين في ما يسميه «المنطقة الأمنية» جنوبي سورية، فيما ذكرت وكالة الأنباء السورية «سانا» أن قوة إسرائيلية مؤلفة من أربع آليات توغلت باتجاه بلدة معرية في حوض اليرموك بريف درعا الغربي وصولا إلى قرية عابدين وتلة المغر، وأطلقت النار باتجاه أراض زراعية في المنطقة.
وتزامن ذلك مع رفض بلدية فرون، في قضاء بنت جبيل، ما تردد عن ضم البلدة إلى «المناطق التجريبية». وأكدت البلدية أن فرون ليست منطقة محتلة وتقع خارج «الخط الأصفر»، داعية الدولة اللبنانية والجهات الدولية إلى تحمل مسؤولياتها في ضمان احترام السيادة اللبنانية وحقوق المواطنين، وعدم القبول بإجراءات تفرضها إسرائيل من طرف واحد.
وتشير هذه الوقائع إلى أن الاتفاق، رغم أهميته السياسية، لا يزال محاطا بعوامل انفجار. فإسرائيل تريد تثبيت منطقة أمنية وحرية عمل عسكرية إلى حين نزع سلاح حزب الله. والحكومة اللبنانية تريد تقديم الاتفاق باعتباره طريقا لاستعادة الأرض والسلطة. وحزب الله يرفضه بوصفه تفويضا لإسرائيل بالبقاء. أما الولايات المتحدة، فتسعى إلى تحويله إلى مسار قابل للقياس، عبر مناطق تجريبية، تنسيق عسكري ثلاثي، ومساعدات مشروطة للجيش اللبناني وإعادة الإعمار.
لكن جوهر الأزمة يبقى في السؤال نفسه: من يملك حق القرار الأمني في لبنان؟ فإذا تمكن الجيش اللبناني من دخول المناطق التجريبية وفرض سيطرته من دون صدام داخلي، فقد يتحول الاتفاق إلى بداية مسار طويل لاستعادة سيادة الدولة. أما إذا بقيت إسرائيل متمسكة بحرية العمل والبقاء المفتوح، وبقي حزب الله رافضا لنزع السلاح، فإن الاتفاق قد يتحول إلى غطاء سياسي لمرحلة جديدة من الاحتلال المحدود والاشتباك المتقطع.
وفي ضوء مقتل الضابط الإسرائيلي، وتدمير نفق مجدل زون، واستمرار الغارات والتوغلات، تبدو الأيام المقبلة حاسمة في تحديد طبيعة الاتفاق: هل هو بداية انتقال من الحرب إلى ترتيبات أمنية وسياسية، أم مجرد هدنة مشروطة تمنح كل طرف وقتا لإعادة ترتيب أوراقه قبل جولة جديدة من التصعيد؟
