يتمسك رياضيون فلسطينيون في قطاع غزة بأحلامهم الرياضية رغم إصابات الحرب التي غيرت مسار حياة كثيرين منهم، إذ وجدوا في العودة إلى ممارسة الرياضة وسيلة لتحدي الإعاقة واستعادة حياتهم، في وقت تتزايد فيه أعداد مبتوري الأطراف وسط نقص حاد في خدمات التأهيل والأطراف الصناعية.
ومع ساعات الفجر الأولى، يشق محمود أبو مذكور طريقه بقدم صناعية عبر الأزقة الضيقة في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة متجهاً إلى نادي "الصخرة"، الذي يعمل فيه مدرباً لكمال الأجسام.
وما أن يصل إلى النادي حتى يخلع الطرف الصناعي، ويرتدي ملابس التدريب، ثم يعيد تثبيته بعناية بعد ارتداء الجوارب الخاصة به، قبل أن يبدأ بالتنقل بين الأجهزة الرياضية لتدريب اللاعبين وممارسة تمارينه اليومية.
وبين حين وآخر، يتوقف لتصحيح أداء أحد المتدربين، فيما تبدو ملامح الإصرار واضحة على وجهه، في مشهد يصعب معه ملاحظة أن الرجل الذي يتحرك بثقة بين الأجهزة فقد قدمه اليمنى خلال الحرب.
وقبل الحرب، كان أبو مذكور يحلم بتمثيل فلسطين في بطولات كمال الأجسام، لكن إصابته التي تعرض لها قبل عامين غيّرت مسار حياته.
ويروي أبو مذكور، البالغ من العمر (33 عاما) وهو أب لطفل واحد، أن إصابته وقعت في الثامن من يونيو 2024، عندما شن الجيش الإسرائيلي عملية عسكرية واسعة في مخيم النصيرات لتحرير أربعة محتجزين إسرائيليين.
وأسفرت الهجمات، وفق وزارة الصحة الفلسطينية في غزة، عن مقتل 274 فلسطينيا وإصابة أكثر من 698 آخرين، فيما أعلن الجيش الإسرائيلي في ذلك الوقت تحرير الرهائن الأربعة من منطقتين منفصلتين داخل المخيم، وقال إنهم جميعا كانوا في حالة صحية جيدة.
في ذلك الوقت، كان أبو مذكور نازحا في منزل شقيقته عندما بدأ الهجوم، فخرج مع آخرين لإسعاف الجرحى وانتشال القتلى من الشوارع، قبل أن يستهدف قصف إسرائيلي منزلاً مجاوراً.
ويقول لوكالة أنباء ((شينخوا)) "خرجنا لإنقاذ المصابين، لكن بعد لحظات وجدت نفسي أنا أيضاً بين الجرحى وهو ما تسبب ببتر قدمي اليمنى وإصابة اليسرى بجروح بالغة ما زلت أعاني من آثارها حتى اليوم".
ويصف الأيام الأولى بعد الإصابة بأنها كانت الأصعب في حياته، إذ فقد الأمل في العودة إلى الرياضة التي مارسها لنحو عشر سنوات.
ويضيف "فقدان القدم بالنسبة لشخص رياضي يعني نهاية حياته... كنت أعتقد أنني لن أمشي مجدداً، ولن أعود إلى ممارسة كمال الأجسام".
غير أن دعم عائلته وأصدقائه دفعه إلى خوض رحلة تأهيل طويلة، انتهت بعودته إلى صالة التدريب بعد تركيب طرف صناعي، رغم أنه يؤكد أن الطرف الذي يستخدمه غير مناسب لممارسة الرياضة.
ويبدأ أبو مذكور يومه عند الخامسة والنصف صباحا لفتح النادي قبل وصول المتدربين، ويواصل تدريباته الشخصية إلى جانب عمله مدربا للشباب.
ويشرح "إن رياضة كمال الأجسام تسري في عروقي، ولا أستطيع أن أعيش يوما واحدا بعيدا عن صالة التدريب فالرياضة هي بمثابة علاج نفسي".
ومع ذلك، يحتاج أبو مذكور إلى السفر للحصول على طرف صناعي طبي متطور يساعده على استعادة قدرته على التدريب بشكل أفضل والذي قد يمكنه من المشاركة في بطولات إقليمية "إن أتيحت الفرصة".
ويقول بشيء من الإصرار "بتروا قدمي ولكنهم لم يبتروا حلمي".
وتأتي قصة أبو مذكور في وقت يتابع فيه الملايين حول العالم منافسات كأس العالم 2026، التي تستضيفها الولايات المتحدة وكندا والمكسيك بمشاركة 48 منتخباً للمرة الأولى في تاريخ البطولة، بينما يخوض رياضيون فلسطينيون في قطاع غزة منافسة مختلفة، عنوانها تحدي الإعاقة والتمسك بأحلامهم الرياضية رغم تداعيات الحرب.
ولا تقتصر محاولات استعادة الحياة من خلال الرياضة على أبو مذكور، فهناك رياضيون آخرون وجدوا في الملاعب وسيلة للتغلب على آثار إصابات الحرب، ومن بينهم سيف بلال (19 عاما) من مدينة غزة الذي وجد في العودة إلى لعب كرة القدم مرة أخرى فرصة للفرار من الاكتئاب.
فعلى ملعب خماسي في مدينة غزة، يواصل بلال تدريباته مع فريق "غزة الإرادة" لكرة القدم لمبتوري الأطراف، مستعينا بعكازين بدلا من ساقه اليسرى التي فقدها خلال الحرب.
ويقول بلال وهو لاعب سابق في نادي فلسطين، لوكالة أنباء ((شينخوا)) "أصبت في الخامس من مارس 2024 بقصف إسرائيلي استهدف مجموعة من الشباب في شارع صلاح الدين بغزة".
ويضيف أنه لم يستفق إلا داخل المستشفى، حيث بقي ثلاثة أيام في قسم الاستقبال بسبب الأعداد الكبيرة من الجرحى، قبل أن يخضع لعملية جراحية حاول خلالها الأطباء إنقاذ ساقه، إلا أن نقص الإمكانات الطبية أدى في النهاية إلى بترها.
ويستذكر "عندما استيقظت بعد العملية ورأيت قدمي مبتورة، شعرت أن حلم كرة القدم انتهى إلى الأبد".
لكن لقاءه بعد أشهر بمدرب فريق "غزة الإرادة" لكرة القدم لمبتوري الأطراف محمد عليوة غيّر نظرته إلى مستقبله الرياضي.
ويضيف إن رؤية لاعبين فقدوا أطرافهم ويواصلون ممارسة اللعبة منحته دافعاً للعودة إلى الملاعب "في البداية لم أكن أستوعب كيف يمكن لعب كرة القدم باستخدام عكازين وقدم واحدة، لكن مع مرور الوقت تأقلمت. صحيح أن المتعة تغيرت، لكن الشغف لم يتغير".
ويشير إلى أن الفريق يتدرب بإمكانات محدودة، بينما يواجه اللاعبون صعوبات في الوصول إلى التدريبات بسبب النزوح، إضافة إلى اهتراء العكاكيز وعدم توافر بدائل لها.
ويضيف أن الرياضة أصبحت بالنسبة إليه أكثر من مجرد منافسة "كرة القدم رسالة بأن الإعاقة لا تمنع الإنسان من مواصلة أحلامه. وقد لا أكون في ملاعب كأس العالم، لكن كل تدريب أخوضه اليوم هو انتصار على الإصابة".
ولا يقتصر التحدي على استعادة اللياقة البدنية، بل يمتد إلى توفير الأطراف الصناعية والأجهزة التعويضية اللازمة لآلاف المصابين في القطاع.
وفي هذا السياق، يقول الناطق باسم مركز الأطراف الصناعية والشلل التابع لبلدية غزة حسني مهنا، إن أعداد حالات البتر تواصل الارتفاع نتيجة الاستخدام المكثف للأسلحة المتفجرة والاستهداف المباشر للمدنيين خلال الحرب.
ويضيف مهنا لوكالة أنباء ((شينخوا)) أن المركز استقبل منذ بداية الحرب نحو 1000 حالة من مبتوري الأطراف، تتم متابعتهم بشكل دوري من خلال الطواقم الطبية والفنية، وتمكن خلال الفترة ذاتها من تركيب أطراف صناعية لنحو 100 مصاب، إلى جانب تسليم عشرات الأجهزة التعويضية والكراسي المتحركة للمحتاجين.
ويشير إلى أن الطلب على خدمات المركز يتزايد بصورة يومية، في وقت يعاني فيه من نقص حاد في المواد الخام اللازمة لتصنيع الأطراف الصناعية، فضلاً عن الحاجة إلى أجهزة ومعدات طبية وقطع غيار للمعدات الموجودة، الأمر الذي يحد من قدرته على تلبية الاحتياجات المتزايدة للمصابين.
من جانبه، يقول الأخصائي النفسي درداح الشاعر لوكالة أنباء ((شينخوا)) إن العودة إلى ممارسة الرياضة تمثل مرحلة متقدمة في رحلة التعافي النفسي لمبتوري الأطراف، لأنها تساعدهم على استعادة الشعور بالقدرة والاستقلالية بعد الصدمة.
ويضيف أن كثيرا من المصابين يمرون بمراحل من الإنكار والحزن والعزلة عقب الإصابة، لكن ممارسة الرياضة تمنحهم هدفاً جديداً، وتسهم في إعادة بناء ثقتهم بأنفسهم واندماجهم مجدداً في المجتمع.
وبحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، يعاني نحو 42 ألف شخص في قطاع غزة من إصابات جسيمة مغيرة للحياة تتطلب تأهيلا طويل الأمد، فيما يوجد قرابة ستة آلاف حالة بتر، تشكل إصابات الأطراف السفلية نحو 75 بالمائة منها.
وذكر الجهاز، في تقرير أصدره في ديسمبر 2025، أن أكثر من 10 آلاف طفل يعانون من إصابات جسيمة مسببة للإعاقة، فيما تراجعت خدمات التأهيل بنسبة 62 بالمائة نتيجة تدمير المرافق الصحية، ومقتل أكثر من 1700 من الكوادر الصحية، إلى جانب النقص الحاد في الأطراف الصناعية والأجهزة المساعدة.
