نقابة أصحاب المحطات: التوريد تحسّن إلى نحو 3 ملايين لتر يوميًا، لكن عدم التزام الشركات الإسرائيلية بالكميات المطلوبة يهدد بعودة النقص
تواجه سوق المحروقات في الضفة الغربية أزمة مركبة تجمع بين تقلّص الكميات الواردة من الجانب الإسرائيلي، وتعذر إيداع جزء من إيرادات محطات الوقود في المصارف نتيجة تكدس النقد بالشيقل، بالتزامن مع ارتفاع الطلب واتجاه بعض المستهلكين إلى التعبئة والتخزين بكميات تفوق احتياجاتهم المعتادة.
وقال عضو نقابة أصحاب محطات الوقود في الضفة الغربية غالب التلبيشي إن تكدس الشيقل لدى المصارف الفلسطينية وعدم السماح بتحويل الفائض النقدي إلى البنوك الإسرائيلية شكّلا أحد الأسباب الرئيسية للأزمة.
وأوضح التلبيشي، في حديث لتلفزيون "فلسطين" الرسمي رصدته "وكالة قدس نت للأنباء"، أن عددًا من المحطات لم يتمكن من إيداع عائداته النقدية في البنوك، ما قيّد قدرته على دفع أثمان الشحنات الجديدة وشراء المحروقات من الهيئة العامة للبترول.
وتعتمد دورة عمل محطات الوقود على إيداع حصيلة المبيعات بصورة متواصلة، لتسديد الالتزامات المالية وطلب كميات جديدة. وأدى رفض أو تقييد استقبال الإيداعات النقدية بالشيقل إلى احتفاظ بعض المحطات بمبالغ كبيرة خارج النظام المصرفي، في الوقت الذي تحتاج فيه إلى أرصدة مصرفية لإتمام عمليات الشراء.
وترتبط أزمة تكدس الشيقل بقيود إسرائيلية على نقل الفائض النقدي من المصارف الفلسطينية إلى البنوك الإسرائيلية. ويؤدي ذلك إلى تعطيل حسابات المراسلة المستخدمة في تسوية المدفوعات التجارية، بما فيها أثمان المحروقات والكهرباء والسلع الأساسية المستوردة من إسرائيل.
تحسّن نسبي في التوريد
وأشار التلبيشي إلى أن عمليات التوريد بدأت تنتظم تدريجيًا منذ بداية الأسبوع، لتصل الكميات إلى نحو ثلاثة ملايين لتر يوميًا، معتبرًا أن الأزمة تسير نحو الانفراج في حال استمرار تدفق الوقود بالمعدلات المطلوبة.
غير أنه حذّر من أن استقرار السوق يظل مرتبطًا بالتزام الشركات الإسرائيلية الموردة بالكميات المتفق عليها وإدخالها عبر معبري نعلين وترقوميا.
وقال إن المحطات تواجه بصورة متكررة خفضًا مفاجئًا لعدد الصهاريج المسموح بإدخالها، موضحًا أن تقليص ست أو سبع شاحنات في يوم واحد يعني حرمان السوق من نحو 256 ألف لتر من المحروقات.
ولم يجزم التلبيشي بأن تقليص الكميات يأتي لمصلحة الجيش الإسرائيلي، مؤكدًا أن ما يمكن رصده هو عدم انتظام التوريد وعدم التزام الشركات بالكميات التي تطلبها وزارة المالية والهيئة العامة للبترول.
ويؤدي أي انخفاض يومي في عدد الشاحنات إلى ظهور أثر سريع في السوق، خصوصًا في المحافظات ذات الاستهلاك المرتفع أو المحطات التي لا تمتلك قدرات تخزين كبيرة. كما يتسبب انتشار المخاوف من انقطاع الوقود في زيادة الطلب بصورة مفاجئة، بما يسرّع نفاد المخزون المتاح.

الحكومة تطالب برفع الكميات
وبحث مجلس الوزراء الفلسطيني، خلال جلسته الأسبوعية برئاسة محمد مصطفى في رام الله الثلاثاء 21 يوليو/تموز 2026، الأزمة وأسبابها، محددًا ثلاثة عوامل رئيسية هي نقص التوريد من المصدر، وتكدس الشيقل بفعل الإجراءات الإسرائيلية، والمبالغة في التعبئة والتخزين.
ووجّه المجلس الهيئة العامة للبترول إلى تسريع الإجراءات العملية لرفع كميات الوقود المتدفقة إلى السوق، بالتزامن مع عمل وزارة المالية وسلطة النقد والمصارف على توفير السيولة النقدية اللازمة لإتمام عمليات شراء المحروقات.
كما وجّه بتشديد الرقابة على حركة الصهاريج وأوضاع محطات الوقود، لضمان حصول المواطنين على احتياجاتهم الفعلية، ومنع التخزين غير الآمن أو استغلال الأزمة برفع الأسعار أو التحكم في عمليات التوزيع.
وأكد المجلس أن جهات إنفاذ القانون ستواصل متابعة المخالفات المرتبطة بشراء المحروقات وتوزيعها، بما يضمن تطبيق الأنظمة وحماية المال العام ومنع استغلال حاجة المواطنين.
فصل النشاط التجاري عن الدور التنظيمي
وفي إطار إعادة هيكلة قطاع المحروقات، أكدت الحكومة استمرار العمل على إنشاء شركة حكومية تتولى العمليات التجارية المتعلقة بشراء الوقود وتخزينه.
وبموجب التوجه الحكومي، ستنفصل هذه العمليات عن الهيئة العامة للبترول، التي سيتركز دورها مستقبلًا على تنظيم القطاع والرقابة عليه، مع استمرار القطاع الخاص في إدارة عمليات التوزيع وتشغيل المحطات.
ويستهدف هذا الفصل، بحسب التوجه الحكومي، الحد من تضارب الأدوار بين شراء الوقود وتنظيم السوق، وتحسين إدارة المخزون والتوريد في حالات الطوارئ، إلا أن تفاصيل تأسيس الشركة وآلية تمويلها وجدول بدء عملها لم تُعلن بعد.
أزمة وقود ضمن اختناق مالي أوسع
لا تنفصل أزمة المحروقات عن الضغوط المالية والمصرفية التي تواجهها الحكومة والاقتصاد الفلسطيني، في ظل استمرار احتجاز إسرائيل أموال المقاصة وتصاعد التهديدات بوقف علاقات المراسلة بين البنوك الإسرائيلية والفلسطينية.
وكلف مجلس الوزراء لجنة مختصة بدراسة التداعيات المحتملة لوقف التعامل المصرفي، على أن تقدم توصياتها خلال أسبوع. وقد يؤدي قطع هذه العلاقة إلى صعوبات أوسع في تمويل التجارة والاستيراد وتسوية أثمان المحروقات والسلع الأساسية.
كما أعلن وزير المالية اسطيفان سلامة أن الحكومة تعمل على صرف رواتب الموظفين العموميين خلال أيام، في وقت تؤثر فيه أزمة المالية العامة وتراجع القدرة الشرائية في النشاط الاقتصادي وفي التدفقات النقدية داخل السوق.
وبينما تشير نقابة أصحاب المحطات إلى تحسن نسبي في التوريد، يبقى انتهاء الأزمة مرهونًا باستمرار دخول الكميات اليومية المطلوبة، وحل مشكلة الإيداعات النقدية، ومنع الشراء المفرط، وتوفير آلية مالية تضمن قدرة المحطات على إعادة تمويل مخزونها بصورة منتظمة.
وتعني عودة التوريد إلى مستوياته المعتادة تخفيف الازدحام أمام المحطات، لكنها لا تعالج وحدها الاختلالات الهيكلية التي كشفتها الأزمة، وفي مقدمتها اعتماد السوق الفلسطينية على مصدر خارجي واحد، وربط استيراد الوقود بنظام مصرفي ونقدي خاضع لقيود وقرارات إسرائيلية.
