نفت القاهرة إبرام صفقة جديدة لاستيراد الغاز الإسرائيلي بقيمة تصل إلى 20 مليار دولار، في وقت أعادت فيه تقارير عن مذكرة تفاهم غير ملزمة بين شركاء في حقل «تمار» وجهة مصرية غير معلنة، ملف التعاون الاقتصادي بين مصر وإسرائيل إلى واجهة المشهد السياسي، وسط استمرار التوترات المرتبطة بالحرب على قطاع غزة، وتزايد اعتماد السوق المصرية على واردات الطاقة لسد الفجوة بين الإنتاج المحلي والاستهلاك.
وقال مصدر مصري رسمي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن الأنباء المتداولة بشأن توقيع صفقة غاز جديدة مع إسرائيل بقيمة 20 مليار دولار «غير صحيحة»، مشيرًا إلى أن وزارة البترول والثروة المعدنية ستصدر بيانًا تفصيليًا لتوضيح حقيقة ما نُشر في وسائل إعلام عربية ومحلية.
ويعكس النفي المصري حرص القاهرة على الفصل بين ما يُتداول بشأن تفاهمات تجارية أولية بين شركات عاملة في قطاع الطاقة، وبين وجود اتفاق نهائي أو التزام رسمي جديد من جانب الدولة المصرية، لا سيما في ظل الحساسية السياسية التي تحيط بالعلاقات الاقتصادية مع إسرائيل منذ اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وكانت نشرة «MEES» المتخصصة في شؤون الطاقة قد ذكرت، في تقرير نشرته في 24 يوليو/تموز، أن شركتي «إسرامكو» الإسرائيلية و«مبادلة للطاقة» الإماراتية وقعتا مذكرة تفاهم غير ملزمة مع جهة مستوردة مصرية لم يُكشف عن هويتها، تمهيدًا لتصدير كميات إضافية من الغاز الطبيعي من حقل «تمار».
وبحسب التقرير، تتعلق المذكرة بتوريد ما يصل إلى 80 مليار متر مكعب من الغاز خلال الفترة الممتدة من عام 2031 إلى عام 2038، مع إمكان تمديد التوريد تلقائيًا حتى عام 2043، في حال تجديد امتياز إنتاج الحقل.
ولا تمثل المذكرة، وفق المعلومات المنشورة، عقد بيع نهائيًا أو ملزمًا، إذ لا يزال تنفيذها مشروطًا بانضمام بقية الشركاء في حقل «تمار»، وتوقيع اتفاقية تفصيلية، والحصول على موافقات الحكومة الإسرائيلية وتراخيص التصدير اللازمة.
قيمة تقديرية وليست معلنة في المذكرة
وتشير تقارير متخصصة إلى أن رقم 20 مليار دولار المتداول لا يمثل قيمة نهائية منصوصًا عليها بصورة مباشرة، وإنما يستند إلى تقدير إجمالي للعائدات المحتملة في حال موافقة جميع شركاء الحقل على بيع كامل الكمية المقترحة.
وقدّرت «إسرامكو» عائد حصتها، البالغة 28.75 في المائة من الحقل، بنحو 5.75 مليار دولار، وهو ما يعني حسابيًا أن القيمة الإجمالية قد تقترب من 20 مليار دولار إذا انضم جميع الشركاء والتزموا بتوريد كامل الكميات. أما في حال عدم مشاركة بعض الشركات، فقد تنخفض الكمية والقيمة الإجمالية للاتفاق بصورة متناسبة.
ولم تعلن شركة «شيفرون» الأميركية، المشغلة لحقل «تمار» وصاحبة حصة تبلغ 25 في المائة، حتى الآن انضمامها إلى التفاهمات، كما لم يُعلن موقف بقية الشركاء بصورة نهائية.
ويمنح ذلك النفي المصري بعدًا يتجاوز الاعتراض على قيمة الصفقة، إذ يشير إلى عدم وجود اتفاق رسمي مكتمل يمكن التعامل معه بوصفه صفقة جديدة بين مصر وإسرائيل، وإنما محادثات أو تفاهمات أولية تقودها شركات تجارية.
تعاون اقتصادي رغم التوتر السياسي
ويأتي الجدل الجديد في وقت تحافظ فيه مصر وإسرائيل على علاقات متشابكة في قطاع الغاز، رغم التوترات السياسية والأمنية التي تصاعدت على خلفية الحرب على غزة، والخلافات بشأن إدارة معبر رفح، ومحور صلاح الدين «فيلادلفيا»، ورفض القاهرة محاولات تهجير الفلسطينيين من القطاع.
وسبق للحكومة المصرية أن أكدت أن اتفاقات استيراد الغاز ذات طبيعة تجارية، ولا تؤثر في موقف القاهرة السياسي من القضية الفلسطينية. وفي ديسمبر/كانون الأول 2025، وصفت مصر اتفاق تصدير الغاز من حقل «ليفياثان» بأنه اتفاق تجاري بحت، عقب منح إسرائيل موافقتها النهائية على تنفيذه.
وكان شركاء حقل «ليفياثان» قد وقعوا في أغسطس/آب 2025 تعديلًا لاتفاق التصدير إلى مصر، قبل أن توافق عليه الحكومة الإسرائيلية في 17 ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه.
وينص الاتفاق على تصدير نحو 130 مليار متر مكعب إضافية من الغاز إلى مصر حتى عام 2040، بقيمة تقديرية تصل إلى 35 مليار دولار، ما يجعله أكبر اتفاق لتصدير الغاز في تاريخ إسرائيل.
من تصدير الغاز إلى استيراده
وتعود علاقات الغاز بين مصر وإسرائيل إلى عام 2005، عندما بدأت القاهرة تصدير الغاز إلى إسرائيل عبر خط أنابيب العريش–عسقلان، قبل أن تتوقف الإمدادات عام 2012 عقب سلسلة هجمات استهدفت الخط في شبه جزيرة سيناء.
وانعكس اتجاه التدفقات لاحقًا، لتبدأ مصر اعتبارًا من عام 2020 استقبال الغاز القادم من حقلي «تمار» و«ليفياثان»، مستفيدة من شبكة الأنابيب المشتركة والبنية التحتية المصرية، بما فيها محطتا إسالة الغاز في إدكو ودمياط.
وكانت شركات تعمل في الحقلين قد وقعت، في فبراير/شباط 2018، اتفاقات لتوريد الغاز إلى شركة «دولفينوس» المصرية، قبل تعديل الكميات والجداول الزمنية في اتفاقات لاحقة.
ويشكل القرب الجغرافي وشبكة الأنابيب القائمة ميزة اقتصادية لإمدادات الغاز الإسرائيلي مقارنة باستيراد الغاز الطبيعي المسال بحرًا، الذي يتطلب تكاليف إضافية للشحن وإعادة التغويز.
اعتماد متزايد على الواردات
ويتزامن الجدل بشأن الصفقة المحتملة مع تراجع إنتاج مصر المحلي من الغاز، وارتفاع الطلب على الوقود، خصوصًا في قطاع الكهرباء، ما دفع القاهرة إلى زيادة وارداتها عبر الأنابيب، إلى جانب التوسع في شراء شحنات الغاز الطبيعي المسال.
وسجلت واردات مصر من الغاز الإسرائيلي خلال مايو/أيار 2026 نحو 1.1 مليار قدم مكعبة يوميًا، بإجمالي بلغ قرابة 933 مليون متر مكعب خلال الشهر، مقابل نحو 843 مليون قدم مكعبة يوميًا في مايو/أيار 2025، بزيادة سنوية بلغت 30.5 في المائة.
وعادت التدفقات إلى الارتفاع تدريجيًا خلال أبريل/نيسان ومايو/أيار، بعد الانخفاض الحاد الذي شهدته في مارس/آذار نتيجة إغلاق حقول إسرائيلية واضطراب الإمدادات بفعل التوترات والحرب الإقليمية المرتبطة بإيران.
وفي المقابل، كشفت بيانات حديثة عن استمرار تراجع الإنتاج المصري وارتفاع فاتورة استيراد الغاز الطبيعي المسال، ما يضع الحكومة أمام معادلة اقتصادية وسياسية معقدة: تأمين احتياجات الكهرباء والصناعة بأسعار أقل، مع الحد من الانكشاف أمام اضطرابات الإمدادات الإسرائيلية والتقلبات الإقليمية.
ويفتح النفي الرسمي المصري الباب أمام بيان مرتقب من وزارة البترول، يُنتظر أن يحدد ما إذا كانت جهة تجارية مصرية قد دخلت بالفعل في مفاوضات أولية مع شركاء حقل «تمار»، وطبيعة علاقتها بالدولة، وما إذا كانت المذكرة المتداولة تمثل مجرد عرض تجاري مستقبلي أم خطوة تمهيدية لاتفاق طويل الأجل.
وحتى صدور التوضيح الرسمي، تظل المعلومات المنشورة مرتبطة بمذكرة غير ملزمة بين عدد محدود من شركاء الحقل وجهة مستوردة لم تُعلن هويتها، ولا ترقى قانونيًا أو سياسيًا إلى مستوى صفقة حكومية جديدة بين القاهرة وتل أبيب.
