عون يرسم مسار ما بعد «روما»: تقدّم في الحدود والأسرى وواشنطن تتولى عقدتي وقف النار و«المناطق التجريبية»

العماد جوزاف عون في مستهل جلسة مجلس الوزراء اللبناني.jpg

وضع الرئيس اللبناني جوزاف عون، الجمعة 7 آب/أغسطس 2026، مجلس الوزراء أمام حصيلة تحرك دبلوماسي امتد من واشنطن إلى أنقرة وروما، معلناً إحراز «تقدم إيجابي» في مفاوضات روما مع إسرائيل في ملفي الحدود والأسرى، مقابل استمرار التعقيدات في ملفي وقف إطلاق النار و«المناطق التجريبية»، اللذين قال إن الإدارة الأميركية ستعمل على معالجتهما.

وتكتسب تصريحات عون أهمية سياسية كونها جاءت غداة اختتام الجولة السابعة من المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية المباشرة بوساطة أميركية، والثانية التي تستضيفها العاصمة الإيطالية، بعد ثلاثة أيام من الاجتماعات بين 4 و6 آب/أغسطس. وبينما قدّم عون حصيلة إيجابية نسبياً، تشير المعطيات المنشورة عن الجولة إلى أن التقدم بقي متفاوتاً بين الملفات، من دون التوصل إلى اتفاق شامل، ولا سيما بشأن توسيع المناطق التجريبية ووقف العمليات العسكرية الإسرائيلية.

وقال عون أمام الوزراء إن مفاوضات روما تناولت أربع قضايا أساسية هي: وقف إطلاق النار وعمليات نسف وتجريف المنازل والقرى، وترتيبات الحدود، وملف الأسرى، إضافة إلى تحديد وتوسيع «المناطق التجريبية».

وأكد أن ملفي الحدود والأسرى سجلا تقدماً إيجابياً، معرباً عن أمله في أن تترجم النتائج قريباً إلى خطوات عملية، فيما أبلغ الوزراء بأن واشنطن ستتابع معالجة الخلافات المتعلقة بوقف إطلاق النار والمناطق التجريبية. وأضاف أن الجنرال الأميركي جوزف كليرفيلد سيصل إلى بيروت لمتابعة هذه الملفات.

ثلاث طاولات في روما.. وتقدم متفاوت

وتكشف تفاصيل الجولة أن المفاوضات لم تجر على مسار واحد، بل انقسمت إلى ثلاثة مسارات متوازية: سياسي وعسكري وقانوني.

وتركز المسار القانوني بصورة أساسية على اللبنانيين المحتجزين أو المفقودين لدى إسرائيل، وسط وصف الأجواء المحيطة بهذا الملف بأنها إيجابية. كما جرى البحث في إمكان إشراك اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وفي التعامل بصورة منفصلة مع المدنيين اللبنانيين المحتجزين وعناصر حزب الله الذين قد يكونون في الأسر الإسرائيلي.

وتواجه بيروت في هذا الملف مشكلة أساسية تتمثل في عدم امتلاكها لائحة مكتملة بأسماء اللبنانيين المحتجزين لدى إسرائيل أو المفقودين خلال المواجهات، فيما لم تقدم إسرائيل، وفق مصادر لبنانية، قائمة رسمية شاملة بالمحتجزين لديها. ولا يزال مصير أعداد من المفقودين مجهولاً، سواء كانوا أسرى أو قتلوا خلال المعارك وبقيت جثامينهم في مناطق يصعب الوصول إليها.

أما المسار المتعلق بالحدود، فتناول ترتيبات قانونية وأمنية لتنظيم الوضع الحدودي والمرجعية التي ستشرف عليه، سواء عبر إطار دولي أو أميركي، وهو الملف الذي قال عون إنه شهد أيضاً تقدماً.

العقدة الأصعب: أين تنسحب إسرائيل تالياً؟

في المقابل، لم تحقق جولة روما اختراقاً نهائياً في قضية «المناطق التجريبية»، وهي المناطق التي يفترض أن تنسحب منها القوات الإسرائيلية ويتولى الجيش اللبناني السيطرة عليها ضمن مراحل تنفيذ الاتفاق الإطاري.

ويتمسك لبنان بالانتقال إلى مناطق جديدة، وطرح خلال المفاوضات بلدتي الخيام وبنت جبيل ضمن المراحل التالية، فيما تصر إسرائيل على التحقق أولاً من كيفية تنفيذ الترتيبات في المنطقتين التجريبيتين الأوليين قبل الموافقة على انسحابات إضافية.

وقالت الخارجية الأميركية، بعد انتهاء الجولة، إن الطرفين أصبحا «أقرب بكثير» في تصور ما ينبغي فعله لدفع عملية المناطق التجريبية وتوسيعها، لكن مصدراً لبنانياً أكد في المقابل أن المفاوضات لم تسفر عن نتائج نهائية في هذا الملف.

وهنا تحديداً يبرز الدور الذي أشار إليه عون أمام مجلس الوزراء: واشنطن ستنتقل من دور الوسيط في روما إلى محاولة معالجة نقطتي التعثر الأساسيتين، أي تثبيت وقف إطلاق النار والاتفاق على آلية توسيع المناطق التجريبية والانسحاب الإسرائيلي منها.

مفاوضات تحت النار

وجرت جولة روما في وقت بقي فيه الوضع الميداني في جنوب لبنان هشاً، واستمرت العمليات والغارات وعمليات النسف الإسرائيلية، ما دفع الوفد اللبناني إلى وضع وقف الأعمال العسكرية والتجريف في صلب المفاوضات.

وتشير المعطيات إلى أن الجانب اللبناني طالب بوقف العمليات الإسرائيلية قبل الانتقال إلى خطوات أوسع، في حين بقي الخلاف قائماً بشأن وتيرة الانسحاب وآلية التحقق من خلو المناطق التي ينتشر فيها الجيش اللبناني من السلاح والبنى العسكرية غير التابعة للدولة.

وتحدثت تقارير عن طرح الأول من أيلول/سبتمبر موعداً مبدئياً لجولة جديدة، على أن تواصل الولايات المتحدة اتصالاتها المنفصلة مع لبنان وإسرائيل قبل تثبيت الموعد.

عون: واشنطن فتحت الأبواب

وفي عرضه أمام مجلس الوزراء، ربط عون نتائج روما بتحركه الأميركي الأخير، وقال إن زيارته إلى واشنطن ولقاءه الرئيس دونالد ترامب حققا نتائج إيجابية «رغم رهان البعض على فشلها».

وأوضح أن المباحثات المغلقة مع ترامب أظهرت تفهماً أميركياً لوضع لبنان، وأن لقاءه بوزير الخارجية ماركو روبيو، الذي سبق اجتماع البيت الأبيض، تناول الملفات نفسها.

وكان عون قد التقى ترامب في البيت الأبيض في 21 تموز/يوليو، فيما أكدت الإدارة الأميركية رسمياً عقد اللقاء. وبعده أعلن ترامب توجيه إدارته للسماح لشركات الطيران الأميركية باستئناف الرحلات المباشرة إلى لبنان، بعد حظر استمر عقوداً.

وقال عون إن بيروت تأمل أيضاً فتح المجال أمام طائرات شركة طيران الشرق الأوسط للوصول إلى المطارات الأميركية، مشيراً إلى العمل على عقد مؤتمر اقتصادي في واشنطن برئاسة رئيس الحكومة اللبنانية وبمشاركة الوزراء المعنيين.

ويعكس هذا المسار محاولة لبنانية لتحويل العلاقة مع إدارة ترامب من مجرد وساطة أمنية مع إسرائيل إلى مظلة سياسية واقتصادية أوسع، خصوصاً أن واشنطن أصبحت الطرف الأكثر تأثيراً في تفاصيل الاتفاق الإطاري وآليات تنفيذه.

أنقرة تدخل على خط مرحلة ما بعد الجنوب

كما عرض عون أمام الوزراء نتائج زيارته إلى تركيا ولقائه الرئيس رجب طيب إردوغان، قائلاً إنه لمس استعداداً تركياً لتوسيع التعاون الاقتصادي ومساعدة لبنان في ملفات الطاقة والكهرباء والنفط والمشاريع الإقليمية.

وكان إردوغان قد أعلن خلال لقاء عون في أنقرة في 30 تموز/يوليو استعداد تركيا للمساهمة في دعم الجيش اللبناني والتعافي الاقتصادي، كما أبدى رغبة بلاده في المشاركة في أي ترتيبات أمنية دولية جديدة في جنوب لبنان بعد انتهاء مهمة «اليونيفيل» بصيغتها الحالية.

وقال عون أمام الحكومة إنه ناقش أيضاً مع إردوغان استقرار لبنان وسوريا ومنع التدخل المتبادل في الشؤون الداخلية، ووضع ملف القوات الدولية والترتيبات الأمنية الجنوبية ضمن المحادثات مع أنقرة.

دبلوماسية المراحل بدل انتظار التسوية الشاملة

سياسياً، توحي إحاطة عون لمجلس الوزراء بأن الرئاسة اللبنانية تتعامل مع المفاوضات باعتبارها مساراً تراكمياً وليس صفقة واحدة: الحصول على تقدم في الأسرى والحدود أولاً، واستخدام الوساطة الأميركية لمعالجة وقف النار والانسحاب لاحقاً، بالتوازي مع توسيع شبكة الدعم السياسي والاقتصادي للبنان.

لكن التفاؤل الرئاسي لا يلغي أن العقد الأساسية ما زالت قائمة. فلا اتفاق نهائياً حتى الآن على توسيع المناطق التجريبية، ولا جدولاً مكتملاً للانسحاب الإسرائيلي، ولا معالجة نهائية لآلية التحقق الأمني، فيما يبقى وقف العمليات العسكرية اختباراً مباشراً لقدرة واشنطن على تحويل تفاهمات روما إلى إجراءات ميدانية.

وبذلك خرجت الجولة السابعة بتقدم في ملفات محددة، لا بتسوية شاملة؛ فيما تنتقل الكرة مجدداً إلى الملعب الأميركي، في محاولة لربط ما تحقق على طاولة روما بخطوات عملية على الأرض في جنوب لبنان.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - بيروت (لبنان)