مفاوضات روما بين لبنان وإسرائيل: تقدم في آلية مراقبة نزع سلاح حزب الله وخلاف على توسيع «المناطق التجريبية» وسط توتر ميداني وضغوط أمريكية
تتجه المحادثات بين لبنان وإسرائيل، بوساطة أمريكية، إلى مرحلة أكثر تعقيداً في تنفيذ اتفاق 26 يونيو/حزيران، بعدما اختُتمت الجولة الأخيرة من المفاوضات في السفارة الأمريكية في روما بتحقيق تقدم في ملف الجهة الدولية التي ستتولى التحقق من نزع سلاح حزب الله، مقابل استمرار الخلافات بشأن توسيع «المناطق التجريبية» ومواقع الانسحاب الإسرائيلي المقبلة.
وتأتي هذه التطورات وسط توتر ميداني في جنوب لبنان، بعد مقتل جنديين إسرائيليين وإصابة أربعة آخرين في انفجار وقع خلال عملية عسكرية إسرائيلية في المنطقة، أعقبته غارات إسرائيلية على جنوب لبنان. وقالت وزارة الصحة اللبنانية إن إحدى الغارات على بلدة تبنين أسفرت عن مقتل شخص وإصابة آخرين. وفي حين كانت إسرائيل قد تحدثت بداية عن خرق من جانب حزب الله، فإن التحقيق في ملابسات الحادث لم يكن قد حُسم بعد.
وفي هذا السياق، وبعد تصريحات لمسؤول أمريكي تحدث فيها عن ضغوط تمارسها واشنطن على إسرائيل لتخفيف ردها على ما تصفه بانتهاكات لحزب الله، مقابل نفي إسرائيلي لوجود مثل هذه الضغوط، قال مصدر أمني إسرائيلي لقناة i24NEWS إن التحقيق في الحادث لم يكتمل بعد، مضيفاً: «لم نُكمل بعد تحقيقنا في الحادث، وبالتالي لم يكتمل الرد النهائي».
وتزامن ذلك مع اختتام جولة المحادثات الإسرائيلية-اللبنانية في روما، والتي ركزت على آليات تنفيذ الاتفاق الثلاثي الذي ترعاه الولايات المتحدة، ولا سيما مستقبل «المناطق التجريبية»، وآلية التحقق من نزع السلاح، وترتيبات الانسحاب الإسرائيلي التدريجي من الأراضي اللبنانية.
وقال مصدر إسرائيلي لـi24NEWS إن فريق التفاوض أوضح خلال المحادثات أن إسرائيل لن توافق على توسيع المناطق التجريبية قبل تقييم أداء المناطق القائمة، مشيراً إلى أن هذا التقييم «لم يبدأ بعد»، بعدما جرى الاتفاق على معايير التنفيذ ومؤشرات قياس النجاح فقط خلال الجولة الأخيرة.
وبينما تحدثت تقارير لبنانية عن إحراز تقدم في هذا الملف، تقول مصادر إسرائيلية إن المناقشات بشأن توسيع المناطق التجريبية لا تزال في مراحل أولية، وإنه لم يُتخذ حتى الآن قرار بشأن الانتقال إلى مناطق إضافية.
في المقابل، برز تقدم أكثر وضوحاً في ملف الجهة التي ستتولى التحقق ميدانياً من نزع سلاح حزب الله. فقد قال مسؤول لبناني، الجمعة 7 أغسطس/آب، إن لبنان وإسرائيل توصلا خلال اجتماعات روما إلى قائمة مختصرة من الدول المرشحة لإرسال قوات تتولى مهمة التحقق، على أن تختار الولايات المتحدة دولة واحدة أو أكثر من هذه القائمة. وأكدت مصادر مطلعة أن إسرائيل والولايات المتحدة استبعدتا فرنسا من بين الخيارات المطروحة.
وقال المسؤول اللبناني: «توصلنا إلى قائمة مختصرة من الدول. وحددنا الأطراف التي لا يمكن قبولها بالنسبة لكل طرف، وحددنا الأطراف الفاعلة المحتملة»، موضحاً أن القرار بات الآن بيد الجانب الأمريكي، الذي يمكنه اختيار أكثر من دولة للقيام بالمهمة.
وفي المقابل، تؤكد إسرائيل أن أي دولة يتم اختيارها للمشاركة في آلية التحقق يجب ألا تكون من الدول التي تتخذ مواقف أو خطوات قانونية ضد إسرائيل أمام المحكمة الجنائية الدولية أو محكمة العدل الدولية، وهو شرط قد يضيّق دائرة الدول المقبولة إسرائيلياً.
وأكدت وزارة الخارجية الأمريكية، من جهتها، أن جولة روما كانت «مثمرة على المستوى الفني وعلى مستوى الخبراء»، من دون الإعلان عن تفاصيل تتعلق بالدول المرشحة أو الشكل النهائي لآلية المراقبة.
لبنان يرفض شركات الأمن الخاصة
وتكشف المحادثات أيضاً عن خلاف سابق بشأن طبيعة الجهة التي ستتولى التحقق، إذ رفض لبنان اقتراحاً بأن تتولى شركات أمن خاصة هذه المهمة، وأصر على أن تكون جميع الأطراف المشاركة دولاً رسمية.
وقال المسؤول اللبناني إن البحث لا يزال جارياً حول عدد القوات التي يمكن نشرها، وطريقة عملها، وآلية تنسيقها مع الجيش اللبناني، إضافة إلى الإطار القانوني الذي سينظم وجود قوات أجنبية على الأراضي اللبنانية.
ومن بين الخيارات المطروحة وضع القوة الجديدة تحت مظلة قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل»، التي ينتهي تفويضها الحالي في نهاية العام، وهو خيار قد يتطلب قراراً جديداً من مجلس الأمن الدولي.
وبحسب المسؤول اللبناني، أبدت الولايات المتحدة وإسرائيل استعداداً للنظر في هذا الاحتمال، وهو ما وصفه بأنه «تقدم كبير». كما يجري بحث خيارات أخرى، بينها إلحاق القوة بجهة أخرى تابعة للأمم المتحدة، أو تنظيم وجودها بموجب مذكرة تفاهم مباشرة مع الحكومة اللبنانية.
لا اتفاق على منطقة الانسحاب التالية
ورغم التقدم في مسألة المراقبة الدولية، لم تتمكن جولة روما من حسم المنطقة التالية التي ستنسحب منها القوات الإسرائيلية لتنتشر مكانها وحدات الجيش اللبناني.
واقترحت بيروت بلدتي بنت جبيل والخيام ضمن المرحلة المقبلة، وهما من أبرز بلدات جنوب لبنان التي تعرضت لدمار واسع خلال العمليات العسكرية، إلا أن الجانب الإسرائيلي لم يوافق حتى الآن على الانتقال إلى هذه المرحلة. وأكدت مصادر إسرائيلية أن توسيع المناطق التجريبية سيبقى مرتبطاً بنتائج تقييم التجربة القائمة ومدى نجاح الجيش اللبناني في فرض سيطرة الدولة ومنع عودة الوجود العسكري لحزب الله.
وكان اتفاق 26 يونيو/حزيران، الذي تم التوصل إليه بوساطة أمريكية، قد وضع إطاراً لانسحاب إسرائيلي تدريجي من الأراضي اللبنانية بالتوازي مع انتشار الجيش اللبناني ونزع سلاح الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة، مع إخضاع التنفيذ لآلية تحقق من طرف ثالث.
غير أن حزب الله ليس طرفاً في الاتفاق، ولا يزال يرفض التخلي عن سلاحه، ما يجعل مسألة التنفيذ واحدة من أبرز العقبات السياسية والأمنية أمام تحويل التفاهمات بين بيروت وتل أبيب إلى ترتيبات دائمة على الأرض.
وتأتي المفاوضات في أعقاب الحرب التي اندلعت في مارس/آذار، بعد هجمات شنها حزب الله على إسرائيل رداً على الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران، قبل أن تتوسع المواجهة إلى حملة جوية وبرية إسرائيلية في لبنان، أدت إلى نزوح أكثر من مليون شخص وسيطرة القوات الإسرائيلية على مناطق في الجنوب.
وبذلك، خرجت جولة روما بتقدم ملموس في تحديد الدول المحتملة لمراقبة عملية نزع السلاح، لكنها أبقت الملفات الأكثر حساسية من دون حسم، وفي مقدمتها هوية القوة التي ستتولى التحقق، وموقع الانسحاب الإسرائيلي المقبل، وشروط توسيع المناطق التجريبية.
ومن المقرر أن تعقد الجولة التالية من المحادثات في أوائل سبتمبر/أيلول، بينما يبقى نجاح المسار مرهوناً بقدرة الأطراف على الفصل بين التوترات الميدانية وعملية التفاوض، وبالتوصل إلى آلية تحقق تحظى بقبول لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة في آن واحد.
