قلّل البيت الأبيض من أهمية إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو رفضه العلني لخطة غزة، معتبراً، وفق ما نقل موقع «أكسيوس» عن مسؤول أميركي رفيع المستوى، أن التصريحات الإسرائيلية تندرج إلى حد كبير في إطار «الموسم الانتخابي» داخل إسرائيل، وأن ما يهم واشنطن ليس الخطاب الذي يوجهه نتنياهو لجمهوره، وإنما ما ينفذه فعلياً على الأرض.
ويكشف الموقف الأميركي، إذا ما قورن بالتصريحات الحادة التي أطلقها نتنياهو الأحد 9 أغسطس/آب، عن فجوة واضحة بين لغة المواجهة التي يستخدمها رئيس الحكومة الإسرائيلية أمام وزرائه وناخبيه، وبين التفاهمات التي تقول الإدارة الأميركية إنها حصلت عليها منه خلف الأبواب المغلقة.
وكان نتنياهو قد أعلن صراحة رفض إسرائيل وثيقة النقاط الـ15 المتعلقة بغزة، مؤكداً أن الجيش لن ينفذ انسحاباً قبل نزع سلاح حركة «حماس» بصورة كاملة. وجاء الإعلان في وقت يواجه فيه ضغوطاً من وزراء اليمين وقبل الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026.
البيت الأبيض: لسنا منزعجين
وبحسب «أكسيوس»، قال المسؤول الأميركي الرفيع إن البيت الأبيض غير منزعج من تصريحات نتنياهو بشأن خطة غزة، ولا يتعامل معها بوصفها إعلاناً عن نسف التفاهمات التي تعمل عليها إدارة الرئيس دونالد ترامب.
ونقل الموقع عن المسؤول أن واشنطن تنظر إلى كلام نتنياهو بوصفه جزءاً من الحسابات الانتخابية الداخلية الإسرائيلية.
وتكتسب هذه الإشارة أهمية خاصة في ظل سعي نتنياهو إلى الحفاظ على قاعدته اليمينية وإظهار نفسه أمام وزرائه وناخبيه باعتباره قادراً على رفض الضغوط الأميركية، في وقت تؤكد فيه تقارير مستقلة أنه يتعرض بالفعل لضغط أميركي لتقليص الهجمات والمضي في ترتيبات المرحلة التالية من خطة غزة.
واشنطن: ما يهمنا ما يفعله لا ما يقوله
الأكثر دلالة في الرواية الأميركية هو أن البيت الأبيض، بحسب «أكسيوس»، لا يجعل موقفه من نتنياهو مرتبطاً بتصريحاته العلنية.
ونُقل عن المسؤول الأميركي قوله، بمعنى واضح، إن الإدارة لا ترى مشكلة طالما أن نتنياهو يقوم بما تطلبه منه واشنطن، وخصوصاً في ما يتعلق بكبح الهجمات الإسرائيلية داخل قطاع غزة.
وهذا الموقف يعيد تفسير إعلان نتنياهو رفض الخطة: فبينما حاول رئيس الحكومة الإسرائيلية تقديم نفسه باعتباره يتحدى المقترحات الأميركية ويقف حتى في مواجهة «أفضل أصدقاء إسرائيل»، تقول واشنطن، وفق الرواية المنقولة عن «أكسيوس»، إن الاختبار الفعلي بالنسبة إليها هو سلوك الجيش الإسرائيلي والتزام نتنياهو بالتفاهمات العملية.
ونقل «أكسيوس» عن المسؤول الرفيع، أن الجيش الإسرائيلي يتراجع تدريجيا إلى «الخط الأصفر»، فيما تطالب واشنطن والوسطاء حركة «حماس» ببدء عملية نزع سلاحها في قطاع غزة.
وقد أفادت رويترز بأن إسرائيل قلصت بالفعل هجماتها في قطاع غزة تحت ضغط أميركي، رغم الخطاب الرافض الذي أطلقه نتنياهو بشأن الوثيقة، وهو ما يعزز صورة وجود مسارين متوازيين: خطاب سياسي متشدد للاستهلاك الداخلي، وترتيبات عملية مع واشنطن على الأرض.
وعد لكوشنر: أعطوا الخطة فرصة
وبحسب «أكسيوس»، فإن الموقف الهادئ للبيت الأبيض يعود أيضاً إلى تفاهم سابق بين نتنياهو وجاريد كوشنر، أحد أبرز المسؤولين عن ملف غزة في فريق ترامب.
ونقل الموقع عن المسؤول الأميركي أن نتنياهو وعد كوشنر بمنح خطة غزة فرصة، وبكبح الهجمات الإسرائيلية بما يسمح ببدء الخطوات المتعلقة بتجريد القطاع من السلاح.
وإذا صحت هذه الرواية، فإنها تضع إعلان نتنياهو الأحد في سياق مختلف كلياً؛ إذ يصبح رفضه العلني لخطة النقاط الـ15 ليس بالضرورة انسحاباً من المسار الذي تقوده واشنطن، بل محاولة لإعادة صياغة موقفه أمام الداخل الإسرائيلي من دون قطع الطريق على التنفيذ العملي.
وسبق أن أظهر فريق ترامب تشدداً تجاه اعتراضات نتنياهو على المرحلة الثانية من خطة غزة؛ إذ نقل «أكسيوس» في يناير/كانون الثاني عن مسؤول أميركي رفيع قوله إن إدارة ترامب تعتبر ملف غزة مشروعاً أميركياً تقوده هي، وستواصل الدفع به رغم الاعتراضات الإسرائيلية.
نتنياهو بين جمهورين
وتكشف التطورات أن نتنياهو يخاطب في الوقت الراهن جمهورين مختلفين.
في الداخل الإسرائيلي، يؤكد أنه رفض وثيقة النقاط الـ15، وأنه لن يسمح بانسحاب الجيش قبل نزع كل الأسلحة، وأن إسرائيل قادرة على مواجهة الضغوط الأميركية.
أما في العلاقة مع واشنطن، فتقول الرواية الأميركية إنه وعد كوشنر بإعطاء الخطة فرصة، وخفض وتيرة الهجمات، والسماح ببدء المسار المتعلق بنزع السلاح.
وهذا التناقض يزداد وضوحاً مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، إذ أظهرت تقارير خلال الأسابيع الماضية أن العلاقة بين ترامب ونتنياهو باتت أكثر تعقيداً، وأن رئيس الحكومة الإسرائيلية يدخل حملته الانتخابية وهو أضعف نفوذاً داخل واشنطن مقارنة بمراحل سابقة.
رفض أمام الكاميرات.. والتزام خلف الأبواب؟
وهنا يصبح السؤال المركزي ليس ما إذا كان نتنياهو قد قال إنه يرفض الخطة؛ فقد قال ذلك بوضوح، وإنما ما إذا كان الرفض سيترجم فعلاً إلى تعطيل خطواتها على الأرض.
حتى الآن، تشير الرواية الأميركية إلى العكس.
فبحسب «أكسيوس»، لا يرى البيت الأبيض سبباً للدخول في مواجهة علنية مع نتنياهو ما دام يلتزم بما تطلبه الإدارة، وفي مقدمة ذلك الحد من الهجمات ومنح العملية السياسية والأمنية الخاصة بغزة فرصة للتقدم.
وهو ما يحوّل تصريح نتنياهو، من وجهة النظر الأميركية المنقولة، إلى رسالة انتخابية موجهة أساساً إلى الداخل الإسرائيلي أكثر من كونها قراراً بقطع المسار مع واشنطن.
ويتفق ذلك مع السياق الذي رصدته رويترز، إذ يواجه نتنياهو ضغطاً من حلفائه في اليمين المتشدد، بينما تستمر المباحثات مع الولايات المتحدة حول ترتيب نزع السلاح والانسحاب الإسرائيلي التدريجي.
واشنطن تراقب الأفعال.. لا خطابات نتنياهو
وبذلك، تبدو الرسالة الأميركية التي كشف عنها «أكسيوس» شديدة الوضوح سياسياً: يمكن لنتنياهو أن يرفع سقف خطابه الانتخابي، لكن البيت الأبيض سيقيس موقفه بما يفعله الجيش الإسرائيلي وبمدى التزامه بالتفاهمات مع فريق ترامب.
وإذا استمر كبح الهجمات، وجرى السماح بانطلاق ترتيبات نزع السلاح والقوة الدولية وإعادة الانتشار، فإن واشنطن لن تنظر إلى تصريحات نتنياهو بوصفها تمرداً حقيقياً على الخطة.
أما إذا انتقل الرفض من المنابر إلى الميدان، وعادت العمليات العسكرية الواسعة أو تعطلت ترتيبات التنفيذ، فعندها فقط قد يتحول الخلاف الخطابي إلى أزمة سياسية فعلية بين نتنياهو والبيت الأبيض.
وبهذا المعنى، فإن أحدث موقف أميركي ينزع جانباً كبيراً من القوة عن خطاب نتنياهو الرافض: رئيس الحكومة يقول لجمهوره إنه يقف في وجه واشنطن، بينما تقول واشنطن إنها ليست قلقة، لأنه – وفق روايتها – ما زال يفعل ما طلبته منه ويمنح خطة غزة الفرصة التي وعد بها كوشنر.
