خطة غزة تصمد أمام رفض نتنياهو: «مجلس السلام» يبقيها سارية وإسرائيل تجمّد الاغتيالات من دون إسقاط ورقة القوة

آليات عسكرية في معسكر لـ«قوة الاستقرار الدولية» في غزة قرب معبر كرم شالوم بين إسرائيل وقطاع غزة يوم 10 أغسطس 2026 (رويترز).jpg

تتجه المواجهة السياسية حول «خريطة الطريق» الخاصة بقطاع غزة إلى اختبار يتعلق بترتيب التنفيذ وضماناته، أكثر من كونها إعلاناً عن انهيار الخطة، في ظل تمسك رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو برفض الوثيقة بصيغتها الحالية، مقابل تأكيدات من «مجلس السلام» باستمرار المسار والمفاوضات مع إسرائيل، بالتزامن مع تراجع واضح في العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل القطاع.

ونقلت «رويترز»،  الإثنين 10 أغسطس/آب 2026، عن مسؤول في «مجلس السلام» أن خريطة الطريق جرى التوصل إليها بين المجلس وحركة «حماس»، بينما لا تزال المناقشات مستمرة مع الجانب الإسرائيلي، وأن الخطة تبقى، إلى حد كبير، الإطار الفاعل الذي تُدار من خلاله المفاوضات بشأن المرحلة المقبلة.

وبحسب المسؤول، لا يُنتظر من إسرائيل اتخاذ خطوات يصعب التراجع عنها قبل التحقق من تنفيذ إجراءات ملموسة على الأرض، في إشارة إلى اعتماد مبدأ التنفيذ المرحلي والمتبادل، وربط الانتقال بين المراحل بآلية تحقق دولية.

ويتفق ذلك مع النص الرسمي لخريطة الطريق المنشور في 30 يوليو/تموز، الذي ينص على أن الانتقال من مرحلة إلى أخرى مشروط بالتحقق من تنفيذ التزامات المرحلة السابقة، بواسطة لجنة تحقق دولية، وأن مسار التعامل مع سلاح الفصائل يرتبط بانسحاب إسرائيلي تدريجي من المناطق التي تسيطر عليها القوات الإسرائيلية.

وتنص الوثيقة كذلك على وقف العمليات العسكرية من الجانبين، وإعداد جدول زمني وآليات تنفيذية للمرحلة الثانية، ثم دخول اللجنة الوطنية لإدارة غزة وتوليها تدريجياً المسؤوليات المدنية والأمنية. كما تربط عملية إخراج الأسلحة الثقيلة ومواقع الإنتاج ومستودعات السلاح والأنفاق من الخدمة بانسحابات إسرائيلية مرحلية يجري التحقق منها خطوة بخطوة.

رفض سياسي وتهدئة ميدانية

وفي المقابل، يواصل نتنياهو إعلان رفضه وثيقة النقاط الـ15، ويتمسك بموقف يقضي بعدم تنفيذ أي انسحاب إسرائيلي قبل استكمال نزع سلاح «حماس»، بما يشمل الأسلحة الثقيلة والخفيفة. وأكد، في الوقت نفسه، استمرار تبادل الأفكار والمناقشات مع واشنطن حول الخطة.

لكن التطورات الميدانية تشير إلى مسار أكثر تعقيداً من الرفض السياسي المعلن. فقد أفادت «رويترز» بأن إسرائيل خفّضت عملياتها في غزة منذ بدء التحركات الأخيرة، ونقلت عن مصدر مطلع على الموقف الإسرائيلي أن الجيش وافق على حصر عملياته في التعامل مع ما يعتبره «تهديدات فورية»، مع وقف عمليات الاغتيال المستهدفة التي كان ينفذها بصورة متكررة.

وفي الاتجاه نفسه، نقلت صحيفة «معاريف» عن جهات في المنظومة الأمنية الإسرائيلية أن وقف عمليات الاغتيال جاء لتجنب الإضرار بالمفاوضات، مشيرة إلى توقف العمليات الهجومية خلال الفترة الأخيرة. وكانت تقارير إسرائيلية قد تحدثت منذ مطلع أغسطس/آب عن قيود فرضها المستوى السياسي على الاغتيالات والهجمات التي تستهدف بنى عسكرية في غزة.

ويعزز ذلك الانطباع بأن إسرائيل تعتمد، في المرحلة الحالية، تجميداً عملياتياً مشروطاً وليس تخلياً دائماً عن خيار القوة؛ إذ نقلت القناة 13 الإسرائيلية أن تل أبيب أوضحت للإدارة الأميركية أن الأشخاص الذين تتهمهم بالمشاركة في هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 لا تعتبرهم مشمولين بحصانة دائمة من الاستهداف. وكانت «رويترز» قد أشارت بدورها إلى أن إسرائيل تبرر جانباً من عملياتها السابقة بأنها تستهدف أشخاصاً تتهمهم بالمشاركة في هجوم أكتوبر 2023.

خلاف داخل إسرائيل على ما تعنيه الخطة

وتكشف التصريحات الإسرائيلية أيضاً عن خلاف بشأن كيفية التعامل مع خريطة الطريق. فقد قال عضو المجلس الوزاري الأمني المصغر «الكابينت»، زئيف إلكين، في مقابلة مع إذاعة الجيش الإسرائيلي، إن أعضاء المجلس كانوا على علم بتفاصيل الخطة، لكنه استبعد تنفيذ بنودها بالشكل المطروح، مؤكداً استمرار وجود القوات الإسرائيلية داخل غزة.

ويأتي ذلك بعدما كان «الكابينت» قد وافق، في 26 يوليو/تموز، على الإطار القانوني الذي يسمح بدخول قوة الاستقرار الدولية إلى أجزاء من غزة، وهي إحدى الركائز الأساسية لخطة ترامب. كما أظهرت تقارير إسرائيلية من جلسة الكابينت أن إلكين نفسه أيد في ذلك الوقت إدخال قوات دولية إلى القطاع وفق الترتيبات المطروحة.

وهذه المعطيات تضيف بعداً إلى الجدل بشأن موقف الحكومة الإسرائيلية: فبينما يرفض نتنياهو وثيقة النقاط الـ15 رسمياً، كانت مؤسسات إسرائيلية قد وافقت بالفعل على بعض البنى اللازمة لتنفيذ المرحلة التالية، ومنها الإطار الخاص بالقوة الدولية. وفي الوقت ذاته، يقول مسؤولون مرتبطون بـ«مجلس السلام» إنهم يركزون على الأفعال الإسرائيلية على الأرض أكثر من التصريحات السياسية.

العقدة: مَن يتحرك أولاً؟

ويظل الخلاف الأساسي متعلقاً بتسلسل الخطوات. فإسرائيل تريد التحقق من نزع السلاح قبل تنفيذ انسحابات إضافية، بينما ينص النص المنشور لخريطة الطريق على عملية تدريجية تربط إخراج السلاح من الخدمة بالانسحاب الإسرائيلي على مراحل، وتخضع الخطوات في الحالتين للتحقق الدولي.

وكان مبعوث «مجلس السلام» إلى غزة نيكولاي ملادينوف قد أوضح أن العملية يفترض أن تجري «منطقة تلو الأخرى»: فبعد التحقق من إخراج السلاح من الخدمة في منطقة محددة، تنتقل العملية إلى خطوة إسرائيلية مقابلة، وصولاً في نهاية المسار إلى الانسحاب الكامل المنصوص عليه في الخطة.

أما «حماس»، فتقول إنها ملتزمة بالنص الأصلي لخريطة الطريق الذي وافقت عليه، وتتمسك بأن مساري نزع السلاح والانسحاب مرتبطان ببعضهما، بينما ترفض الشروط أو التفسيرات اللاحقة التي ترى أنها تغير ترتيب الالتزامات المتفق عليها.

وبذلك تبدو خريطة الطريق، حتى الآن، معلقة بين رفض إسرائيلي سياسي واستمرار عملي تفاوضي وميداني. فوقف الاغتيالات وتقليص الهجمات، واستمرار الاتصالات الأميركية-الإسرائيلية، والإعداد لآليات التحقق والقوة الدولية، تشير إلى أن المسار لم يُغلق؛ لكن الانتقال الفعلي إلى المرحلة الثانية سيظل مرتبطاً بالتوصل إلى صيغة تحسم السؤال الأكثر حساسية: كيف يتزامن نزع السلاح مع الانسحاب، وما الضمانات التي تجعل كل خطوة قابلة للتحقق قبل انتقال الطرف الآخر إلى الخطوة التالية؟

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - غزة