بقلم:محمد مصطفى شاهين
لم يعد اغتيال رجال الشرطة في غزة مجرد واقعة عسكرية يمكن إدراجها في سجل طويل من الغارات والانتهاكات إنه فعل سياسي مكشوف يستهدف وظيفة اجتماعية تتجاوز الأشخاص الذين ارتقوا فيها فحين تقصف إسرائيل مقرا للشرطة المدنية وتقتل عناصر يعملون في حفظ النظام فإنها لا تضرب أفرادا يحملون السلاح فقط بل تضرب فكرة النظام العام ذاتها وتفتح الباب أمام الفوضى باعتبارها نتيجة مقصودة أو على الأقل نتيجة مقبولة في حسابات القوة وقد أسفرت الغارة الإسرائيلية على مقر للشرطة في مدينة غزة اليوم عن استشهاد تسعة فلسطينيين وإصابة نحو خمسة عشر آخرين بحسب المعطيات المتاحة.
المسألة هنا ليست في عدد القتلى وحده وإنما في طبيعة الهدف فالشرطة المدنية ليست جيشا في مواجهة جيش ولا قوة هجومية في ميدان حرب تقليدية بل مؤسسة مرتبطة بإدارة الحياة اليومية وحماية الناس وتنظيم المجال العام واستهدافها في قطاع يعيش أصلا تحت وطأة الدمار والنزوح وانهيار البنية التحتية يعني الدفع بالمجتمع نحو مزيد من التفكك وهذه ليست قراءة عاطفية للحدث بل قراءة في منطق السيطرة فالاحتلال الذي يدمر المؤسسات المدنية لا يكتفي بإضعاف خصمه بل يسعى إلى إنتاج فراغ سياسي وأمني يمكن استخدامه لاحقا ذريعة للقول إن غزة غير قادرة على إدارة نفسها وإنها تحتاج إلى وصاية خارجية أو ترتيبات أمنية تفرض عليها من الخارج.
وهنا تتكشف وظيفة الجريمة في المشروع الإسرائيلي إسرائيل لا تريد فقط قتل رجال الشرطة وإنما تريد قتل القدرة الفلسطينية على إنتاج الأمن الداخلي تريد أن تجعل المواطن الفلسطيني محاصرا بين القصف من السماء والفوضى على الأرض ثم تقدم للعالم صورة مجتمع فقد القدرة على إدارة نفسه إنها هندسة سياسية للفوضى وليست مجرد عملية عسكرية وحين تصبح الفوضى نتيجة متوقعة لسياسة القصف ثم تستخدم الفوضى لاحقا لتبرير مزيد من السيطرة فإننا نكون أمام دائرة استعمارية مكتملة الأركان.
والأشد قسوة أن هذه السياسة تتزامن مع مأزق سياسي يطوق بنيامين نتنياهو فإسرائيل مقبلة على انتخابات في أكتوبر المقبل فيما تشير استطلاعات متعددة إلى أن مستقبل نتنياهو الانتخابي ليس مضمونا وأن حزب الليكود يواجه تراجعا ومنافسة حادة وفي مثل هذا المناخ يصبح نتنياهو أمام معادلة شديدة الخطورة كلما تراجع رصيده السياسي احتاج إلى إعادة إنتاج صورته بوصفه رجل الأمن والحرب وكلما ازداد الضغط عليه في الداخل أصبح استمرار غزة مشتعلة أكثر فائدة لحساباته السياسية.
ليس معنى ذلك أن كل قتيل فلسطيني يتحول تلقائيا إلى صوت في صندوق الاقتراع الإسرائيلي هذه قراءة تبسيطية المعنى الأعمق أن نتنياهو يستثمر في البيئة النفسية التي يصنعها القتل إنه لا يبيع للناخب الإسرائيلي السلام وإنما يبيع له الخوف ثم يقدم نفسه باعتباره الحارس الوحيد في مواجهة هذا الخوف ولذلك فإن استمرار الحرب يصبح بالنسبة إلى مشروعه السياسي أكثر من خيار عسكري إنه مورد انتخابي يعاد تشغيله كلما اقترب موعد الحساب.
إن نتنياهو يعرف أن انتهاء الحرب سيفتح أبوابا مغلقة من الأسئلة من المسؤول عن الإخفاقات الأمنية ماذا تحقق بعد كل هذا الدم لماذا لم يتحقق الحسم الذي وعد به لماذا استمرت الحرب ولماذا فشلت الحكومة في إنتاج تسوية سياسية وكيف يمكن تفسير كل هذا الدمار أمام مجتمع إسرائيلي يريد إجابات عن المستقبل ولذلك فإن الحرب بالنسبة إلى نتنياهو ليست فقط حربا على غزة بل أيضا معركة على رواية الداخل الإسرائيلي وكلما استطاع أن يقول إن الخطر ما زال قائما استطاع أن يؤجل لحظة الحساب.
وفي هذا السياق يصبح القتل لغة انتخابية لا لأن الدم الفلسطيني هو الذي يصنع صناديق الاقتراع مباشرة وإنما لأن مشهد الدم يسمح لنتنياهو بإعادة بناء خطاب الردع والتهديد والوجود إنه يحول الضحية الفلسطينية إلى مادة دعائية ويحوّل الخوف الإسرائيلي إلى رصيد سياسي وهنا تبلغ السياسة أكثر صورها انحطاطا حين يصبح موت الإنسان الفلسطيني وسيلة لإقناع الناخب الإسرائيلي بأن حكومته ما زالت قوية.
وليس صدفة أن يأتي هذا التصعيد في الوقت الذي تتعثر فيه الجهود السياسية فبعد زيارة جاريد كوشنر إلى المنطقة دون اختراق حقيقي للمأزق التفاوضي استمرت الضربات الإسرائيلية في غزة وقد سبق أن أكد نتنياهو رفضه لخطة أمريكية من خمسة عشر بندا لإنهاء الحرب بينما ظل متمسكا بشروطه المتعلقة بنزع سلاح حماس وهذا يعني أن القصف يجري في بيئة سياسية يتصارع فيها مشروعان مشروع يريد تحويل الهدنة إلى مسار سياسي قابل للتنفيذ ومشروع إسرائيلي يريد إبقاء الحرب أداة ضغط ومساومة وإعادة تشكيل للواقع.
والأكثر دلالة أن الخطاب الإسرائيلي اليميني لم يعد يخفي هذا المنطق فقد دعا وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير إلى تنفيذ عمليات اغتيال تقتل ثلاثين إلى أربعين فلسطينيا كل ليلة وقال إن بعض الفلسطينيين لا يستحقون الحياة وحين يصدر مثل هذا الكلام عن وزير في الحكومة فإنه يكشف انتقال القتل من كونه أداة عسكرية إلى كونه لغة سياسية تتنافس عليها أجنحة اليمين الإسرائيلي إن المزايدة هنا ليست على السلام وإنما على عدد الضحايا وعلى مقدار القوة التي يمكن عرضها أمام الناخب.
وهذا هو الوجه الأكثر خطورة في المشهد نتنياهو لا يحصد من غزة سلاما ولا أمنا ولا تسوية إنه يحاول حصد الأصوات من استمرار الحرب وكلما ضاق عليه المجال السياسي اتسع المجال أمام القصف وكلما اقترب موعد الانتخابات ارتفعت قيمة صورة القوة وهكذا يصبح الفلسطيني المقتول رقما في معادلة انتخابية لا يملك حتى حق الاعتراض عليها.
لكن التاريخ لا يعترف طويلا بهذه الحسابات فالدولة التي تجعل من القوة بديلا عن السياسة قد تكسب جولة لكنها تخسر شرعيتها الأخلاقية والسياسية والحكومة التي تحتاج إلى استمرار الحرب كي تحافظ على موقعها تتحول تدريجيا من حكومة تدير الحرب إلى حكومة تعيش عليها.
ولهذا فإن اغتيال رجال الشرطة في غزة ينبغي أن يقرأ بوصفه جريمة سياسية قبل أن يكون جريمة عسكرية إنها محاولة لضرب الأمن الأهلي وتفكيك المجتمع وإبقاء غزة في حالة نزف دائم وفي المقابل فإن نتنياهو يحاول تحويل هذا النزف إلى شهادة انتخابية على قوته.
المفارقة أن نتنياهو كلما احتاج إلى أصوات أكثر احتاج إلى دم أكثر وكلما اقترب صندوق الاقتراع اقتربت غزة من مزيد من النار وهذه ليست استراتيجية أمنية بقدر ما هي تجارة سياسية قذرة تجعل من حياة الفلسطينيين عملة في سوق الانتخابات الإسرائيلية.
إن أخطر ما في هذه الحرب ليس أن الرصاص يقتل الإنسان فقط بل أن السياسة الإسرائيلية تحاول أن تجعل من قتل الإنسان الفلسطيني وسيلة لبقاء السياسي الإسرائيلي وعندما يصبح الدم وقودا لصندوق الاقتراع فإن الجريمة لا تعود حدثا منفردا بل تصبح نظاما سياسيا كاملا.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت
