ملادينوف: غزة تقترب من «مرحلة التنفيذ».. إعمار بمليارات الدولارات وانسحاب إسرائيلي وقوة دولية في الطريق

الممثل السامي لمجلس السلام في غزة نيكولاي ملادينوف

غزة أمام نافذة سياسية جديدة؛ اللجنة الفلسطينية تستعد لتسلّم الإدارة، وطلائع قوة الاستقرار متوقعة خلال أشهر، فيما يؤكد ملادينوف أن الأموال ليست العقبة وأن الهدف هو إعادة الحياة الطبيعية إلى القطاع

بعث الممثل السامي لمجلس السلام في غزة، نيكولاي ملادينوف، برسائل حملت قدراً لافتاً من التفاؤل بشأن مستقبل القطاع، مؤكداً أن المسار السياسي دخل مرحلة متقدمة وأن الأطراف باتت أقرب إلى الانتقال من التفاوض على الترتيبات إلى بدء التنفيذ الفعلي لخارطة الطريق الخاصة بغزة.

وفي مقابلة موسعة رصدتها «وكالة قدس نت للأنباء» مع برنامج «المقابلة» على قناة «الجزيرة»، قال ملادينوف إن الأشهر الماضية شهدت مفاوضات شاقة ومعقدة بشأن مستقبل غزة، لكنها أفضت، وفق قوله، إلى تفاهمات مهمة مع حركة حماس والفصائل الفلسطينية، بينما تتركز المحادثات حالياً على استكمال الالتزامات المطلوبة من الجانب الإسرائيلي، قبل الانتقال إلى الدول الإقليمية والدولية الداعمة لتمويل إعادة الإعمار.

وكانت الرسالة الأكثر تفاؤلاً في حديثه قوله إن المسار بات قريباً من الانتقال إلى «مرحلة التطبيق أو التنفيذ»، رغم إقراره بأن العملية تحتاج إلى وقت وآليات دقيقة لمنع انهيار وقف إطلاق النار والعودة إلى الحرب.

ثلاثة تحولات ترسم مستقبل غزة

وضع ملادينوف مستقبل قطاع غزة ضمن خارطة طريق تقوم على ثلاثة تحولات مترابطة: بدء إعادة إعمار المناطق المدمرة وإعادة الحياة الطبيعية للسكان، وانسحاب القوات الإسرائيلية من قطاع غزة، إلى جانب إخراج الأسلحة من الخدمة ونزع الصفة العسكرية عن القطاع.

وأكد أن هذه المسارات لا يمكن فصل بعضها عن بعض إذا كان الهدف الوصول إلى استقرار طويل الأمد، مشيراً إلى أن استمرار الوضع الحالي سيعني بقاء نحو مليوني فلسطيني في ظروف إنسانية قاسية، وسيزرع بذور جولة جديدة من المواجهة.

وبالنسبة لملادينوف، فإن غزة ليست ملفاً إنسانياً وأمنياً منفصلاً، بل جزء لا يتجزأ من أي دولة فلسطينية مستقبلية، ولذلك فإن إنقاذ القطاع وإعادة بنائه يمثلان مدخلاً ضرورياً لإعادة فتح أفق سياسي أوسع بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

ملادينوف: انتهينا من مرحلة مهمة مع حماس والفصائل

وكشف المسؤول الدولي أن المفاوضات التي جرت في القاهرة مع حركة حماس والفصائل الفلسطينية بشأن السلاح والحكم كانت من أصعب مراحل العملية، موضحاً أنها استمرت أشهراً وتناولت مستقبل الأسلحة، والحوكمة، وموظفي القطاع العام، والخدمة المدنية، وإعادة الإعمار، وشكل الإدارة الانتقالية.

وقال إن المفاوضات انتهت إلى صيغة اعتبر أنها «تحفظ كرامة الجميع»، مضيفاً أن حماس والفصائل أبدت موافقتها على خارطة الطريق المطروحة.

وفي إحاطة أمام مجلس الأمن الدولي قبل أيام، ذهب ملادينوف أبعد من ذلك، واعتبر أن موافقة حماس والفصائل المسلحة على تسليم الأسلحة ونقل سلطات الحكم المدنية والأمنية إلى إدارة انتقالية تمثل «اختراقاً تاريخياً»، وفق ما نقلته الأمم المتحدة عن إحاطته.

غير أن الاتفاق على المبدأ لا يعني انتهاء الخلافات. فالمعضلة الرئيسية باتت تتعلق بتوقيت وتسلسل التنفيذ: إسرائيل تطالب بنزع السلاح قبل الانسحاب، بينما تقوم خارطة الطريق على خطوات متدرجة ومترابطة بين إخراج الأسلحة من الخدمة والانسحاب الإسرائيلي.

وأفادت رويترز بأن هذا الخلاف لا يزال أحد أبرز العوائق أمام التقدم الكامل في الخطة، في ظل تمسك رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بعدم تنفيذ انسحاب كامل قبل نزع سلاح حماس.

رسالة واضحة لإسرائيل: عليكم الانسحاب ووقف العمليات

وفي واحدة من أبرز النقاط السياسية في المقابلة، شدد ملادينوف على أن الالتزامات ليست مطلوبة من الفلسطينيين وحدهم.

وقال إن الجانب الإسرائيلي مطالب هو الآخر بتنفيذ الالتزامات الواردة في بروتوكول شرم الشيخ، وفي مقدمتها وقف العمليات العسكرية، وزيادة حجم المساعدات الإنسانية الداخلة إلى القطاع، إضافة إلى تنفيذ الانسحاب بالتوازي مع تقدم عملية إخراج الأسلحة من الخدمة.

وأوضح أنه التقى نتنياهو، وأن الجانب الإسرائيلي طرح أسئلة وتحفظات على خارطة الطريق، جرى بحثها خلال المحادثات، مؤكداً أن المرحلة الحالية تركز على بناء الآليات التي تجعل تنفيذ الالتزامات ممكناً على الأرض.

وهذا الجانب من حديث ملادينوف يكتسب أهمية خاصة بعدما انتقد، خلال إحاطته الأخيرة أمام مجلس الأمن، استمرار الضربات الإسرائيلية في غزة، محذراً من أنها تهدد الخطة وتزيد احتمالات العودة إلى الحرب. كما ذكرت وكالة أسوشيتد برس أن ملادينوف يرى أن العملية انتقلت من مرحلة التفاوض إلى اختبار التنفيذ السياسي والميداني.

اللجنة الفلسطينية تستعد لدخول غزة

ومن أبرز المؤشرات التي كشف عنها ملادينوف أن اللجنة الوطنية لإدارة غزة لم تعد مجرد هيئة معلنة على الورق، بل بات لديها طواقم وخطة عمل تمتد لعامين، مقسمة إلى مراحل زمنية مدة كل منها ستة أشهر.

وأوضح أن اللجنة تعمل على إعداد مشاريع يمكن الشروع فيها منذ اليوم الأول لتسلّمها المسؤولية داخل القطاع، وأنها أقامت بالفعل قنوات تنسيق مع الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول مانحة.

كما قال إن نقاشات تمهيدية بدأت بشأن كيفية انتقال الوزارات والمسؤوليات والإدارة المدنية إلى اللجنة داخل غزة، معرباً عن أمله في أن تصبح قريباً في موقع يسمح لها بتسلّم مهامها فعلياً.

وبذلك، فإن السيناريو المطروح لما بعد الحرب يقوم على انتقال إدارة غزة إلى جسم فلسطيني من التكنوقراط، بعيداً عن الإدارة المباشرة لحماس، بالتوازي مع ترتيبات أمنية وانتشار قوة دولية وإطلاق عملية التعافي وإعادة الإعمار.

قوة دولية إلى غزة.. والمغرب يشارك

وفي تطور آخر، أكد ملادينوف أن التحضيرات الخاصة بـقوة الاستقرار الدولية دخلت مرحلة عملية، نافياً أن يكون ملف القوة متوقفاً.

وقال إن جزءاً من المعدات والتجهيزات أصبح جاهزاً، وإن مواقع وآليات انتشار القوات جرى تحديدها وإجراء تقييمات أولية بشأنها.

وكشف عن التوصل إلى اتفاق مع المغرب للمشاركة في قوة الاستقرار الدولية، إلى جانب وجود دول أخرى تبدي اهتماماً بالمساهمة، مشيراً إلى استمرار المفاوضات معها.

وتوقع ملادينوف أن تبدأ طلائع القوة الدولية بالوصول إلى غزة خلال الأشهر القليلة المقبلة، فيما أوضح أن تركيا لن تكون من الدول التي ترسل قوات إلى الأرض، لكنها ستواصل دورها ضمن فريق الوساطة.

وفي مؤشر عملي على أن مشروع القوة ليس مجرد تصور سياسي، كشفت رويترز في 19 أغسطس/آب أن الولايات المتحدة خصصت 206 ملايين دولار لدعم قوة الاستقرار، منها 200 مليون للبنية التحتية والمركبات والمعدات والاحتياجات التشغيلية للقوة.

مليارات الدولارات تنتظر إشارة البدء

أما في ملف إعادة الإعمار، فحملت تصريحات ملادينوف واحدة من أكثر الرسائل تفاؤلاً لسكان قطاع غزة.

فبحسب الأرقام التي كشفها خلال المقابلة، تجاوزت تعهدات دول المنطقة 7 مليارات دولار، فيما تحدث عن تعهد أمريكي بقيمة 10 مليارات دولار تُقدم على مراحل، إضافة إلى تعهدات أوروبية تقترب حالياً من مليار دولار.

وشدد ملادينوف على أنه «ليس قلقاً» من عدم توفر الأموال اللازمة لإعمار غزة، معتبراً أن العقبة الأساسية في اللحظة الراهنة ليست المال، وإنما توفير الظروف السياسية والأمنية التي تسمح بتحويل التعهدات إلى مشاريع حقيقية على الأرض.

وتشمل المرحلة الأولى، وفق تصوره، التعافي الطارئ وإعادة الخدمات الأساسية، بما في ذلك الأدوية والصحة والتعليم والصرف الصحي والكهرباء وإصلاح المنازل التي تضررت جزئياً وما زال بالإمكان إعادة تأهيلها، قبل الانتقال تدريجياً إلى مشاريع إعادة الإعمار واسعة النطاق.

وأوضح أن قطر والسعودية والإمارات والكويت ودولاً أخرى أبدت استعداداً لدعم العملية، لكنه شدد على أن مجلس السلام لا يريد طلب تحويل الأموال قبل توفير الضمانات التي تجعل استخدامها وإعادة البناء ممكنين ومستدامين.

فالمانحون، بحسب ملادينوف، لا يريدون ضخ مليارات الدولارات لإعادة بناء غزة ثم مشاهدة ما أعيد بناؤه يُدمَّر في حرب جديدة.

بين التفاؤل والتحذير.. «لا بديل أفضل»

ورغم الرسائل الإيجابية، لم يقدم ملادينوف صورة وردية بلا شروط.

فقد حذر بوضوح من أن فشل خارطة الطريق قد يدفع غزة إلى «نقطة اللاعودة»، وأن البدائل المتاحة عن الخطة الحالية أسوأ: إما استمرار الوضع القائم، وإما اندلاع حرب جديدة أكثر تدميراً.

وتؤكد الأمم المتحدة بدورها أن وقف إطلاق النار لا يزال هشاً؛ إذ أشار مسؤولون أمميون في 26 أغسطس/آب إلى استمرار الضربات الإسرائيلية والتحديات الإنسانية والأمنية، بالتزامن مع استمرار المباحثات بشأن تنفيذ خارطة الطريق.

لكن ملادينوف يصر على أن ما يجري خلف الكواليس أكثر تقدماً مما يظهر في المشهد العام، قائلاً إن كثيراً من التفاصيل والاتفاقات يجري إنجازها بعيداً عن الأضواء، وإن المرحلة الحالية تتعلق بتحويل الاتفاقات السياسية إلى آليات تنفيذية.

«نريد للفلسطينيين حياة طبيعية»

واختتم ملادينوف مقابلته برسالة مباشرة إلى الفلسطينيين في قطاع غزة، أكد فيها أن فريقه يدرك حجم الألم والمعاناة التي عاشها السكان، وأن الجهود الحالية لا تهدف إلى إيجاد معالجة مؤقتة للأزمة.

وقال إن الهدف هو الوصول إلى حل طويل الأمد يسمح للفلسطينيين في غزة بأن يعيشوا حياة طبيعية، ويسافروا، ويعملوا ويمارسوا التجارة ويربوا أطفالهم بعيداً عن دوامة الحرب.

وهنا تكمن الرسالة السياسية الأبرز في المقابلة: رغم هشاشة وقف إطلاق النار، والخلافات الكبيرة بشأن السلاح والانسحاب، واستمرار الضربات الإسرائيلية، يرى ملادينوف أن ما تحقق خلال الأشهر الماضية فتح للمرة الأولى مساراً يجمع بين إدارة فلسطينية جديدة، وانسحاب إسرائيلي مرحلي، وترتيبات أمنية دولية، وتمويل بمليارات الدولارات لإعادة الإعمار.

وبعبارة أكثر وضوحاً، فإن ملادينوف يقول لسكان غزة إن الخطة لم تعد مجرد أوراق واجتماعات: التحضيرات للإدارة بدأت، القوة الدولية قيد التجهيز، التمويل موجود، والمفاوضات انتقلت إلى كيفية التنفيذ.

ويبقى الامتحان الأصعب هو تحويل هذه العناصر إلى واقع، خصوصاً في ظل الخلاف مع الحكومة الإسرائيلية بشأن الانسحاب وتسلسل تنفيذ الاتفاق.

لكن وسط مشهد أنهكته الحرب والدمار والانتظار، حملت مقابلة ملادينوف رسالة مختلفة هذه المرة: هناك طريق للخروج من الحرب، وهناك أموال لإعادة البناء، وهناك ترتيبات لإدارة غزة وانسحاب القوات الإسرائيلية؛ وما ينقص الآن هو أن يفي كل طرف بالتزاماته كي تبدأ مرحلة التنفيذ.

 

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - نيويورك