جنوب لبنان على حافة تصعيد جديد: إسرائيل تستعد لتدمير منشآت «علي الطاهر» وسط غارات دامية على النبطية ومخاوف من تدخل إيراني

غارة إسرائيلية على منطقة النبطية مساء الأحد.jpg

دخل المشهد في جنوب لبنان، مساء الأحد 6 سبتمبر/أيلول 2026، مرحلة شديدة الحساسية، مع انتقال المواجهة من موجة غارات إسرائيلية واسعة طالت النبطية ومحيطها إلى ترقب قرار إسرائيلي بشأن تدمير البنية التحتية تحت الأرض في مرتفعات علي الطاهر، في وقت تتزايد فيه التحذيرات من أن هذه الخطوة قد تفتح الباب أمام رد من حزب الله أو تدخل إيراني مباشر.

وتتقاطع المعطيات اللبنانية والإسرائيلية على أن علي الطاهر باتت مركز الثقل العسكري والسياسي في المواجهة الحالية، لكن الروايات تتباين بشأن حجم السيطرة الإسرائيلية على المنطقة، وما تبقى داخل شبكة الأنفاق، وطبيعة الرد المحتمل إذا قررت إسرائيل تفجير المجمع بالكامل.

7 قتلى في يوم من الغارات واتساع دائرة الاستهداف في النبطية

ميدانيًا، ارتفعت حصيلة الغارات الإسرائيلية على جنوب لبنان الأحد إلى سبعة قتلى، بينهم امرأتان، إضافة إلى عشرات الجرحى، بعد مقتل أربعة أشخاص وإصابة 20 في موجة الغارات الصباحية، ثم مقتل ثلاثة آخرين في ضربة إسرائيلية لاحقة استهدفت سيارة في النبطية التحتا. وأكدت وزارة الصحة اللبنانية الحصيلة، فيما أفادت رويترز بأن الضربات طالت مناطق واقعة داخل المنطقة التي تسيطر عليها القوات الإسرائيلية وأخرى خارجها.

وشملت الغارات النبطية الفوقا، عربصاليم، كفررمان وأحياء في مدينة النبطية، قبل أن تتجدد مساءً بضربات على المدينة ومحيطها، إلى جانب غارات وقصف في مناطق أخرى من الجنوب وعمليات تفجير ميدانية، بينها كفرتبنيت ووادي السلوقي والمنصوري. وأفادت وسائل إعلام لبنانية كذلك بإصابة مراسل لقناة المنار ومصور كان برفقته خلال إحدى الغارات على النبطية.

وطالت الأضرار مبنى تابعًا لوزارة المالية في النبطية، كما دُمّر مستشفى غندور في النبطية الفوقا، وهو مستشفى كان متوقفًا عن العمل. وقال الجيش الإسرائيلي إنه استهدف مستودعات أسلحة ومواقع لحزب الله، مدعيًا أن مبنى كان يستخدم سابقًا مستشفى احتوى على مركز قيادة للحزب؛ وهي رواية لم تقدم رويترز ما يثبتها بصورة مستقلة.

وبحسب آخر تحديث لوزارة الصحة اللبنانية، ارتفعت الحصيلة منذ 2 مارس/آذار 2026 إلى 4362 قتيلًا و12378 جريحًا، فيما بلغت الحصيلة منذ 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023 8929 قتيلًا و30614 جريحًا.

إسرائيل: الضربات رد على مسيّرتين لحزب الله

الجيش الإسرائيلي قال إن التصعيد بدأ بعد إطلاق مسيّرتين مفخختين باتجاه قواته العاملة في ما يسميه "المنطقة الأمنية" داخل جنوب لبنان، وإن قواته اعترضت إحداهما ولم تسجل إصابات في صفوف الجنود، قبل أن يعلن شن سلسلة غارات على مواقع قال إنها تابعة لحزب الله في منطقة النبطية.

وكان إنذار إخلاء أصدره الجيش الإسرائيلي قبل استهداف مبنى في عربصاليم هو الثاني فقط من نوعه منذ إعلان وقف إطلاق النار في يونيو/حزيران، وفق رويترز، في مؤشر إلى عودة نمط الإنذارات المسبقة مترافقًا مع ضربات واسعة النطاق.

«علي الطاهر».. الجيش الإسرائيلي يهيئ الأنفاق للتدمير

وفي قلب التصعيد، أفادت هيئة البث الإسرائيلية "كان" بأن الجيش يستعد لتدمير منشآت وبنى تحت أرضية في مرتفعات علي الطاهر، بعدما أعلن قبل أيام تحقيق "سيطرة عملياتية" على المنطقة وإخلاء الأنفاق من مقاتلي حزب الله. وقال وزير الأمن يسرائيل كاتس، الجمعة، إن مهمة "تطهير الأنفاق" اكتملت، وإن بعض عناصر الحزب قتلوا فيما انسحب آخرون.

لكن حجم السيطرة الفعلية يبقى موضع خلاف. فقد نقلت رويترز عن ضابط لبناني أن القوات الإسرائيلية استولت على المداخل الجنوبية للمجمع وتراقب مداخله الشمالية بواسطة المسيّرات، من دون وضوح بشأن مدى توغل القوات داخل الشبكة أو احتمال وجود أجزاء مفخخة منها. ولم تتمكن الوكالة من التحقق بصورة مستقلة من إعلان السيطرة الإسرائيلية.

وتقول مصادر أمنية لبنانية وإسرائيلية إن المرتفعات، الواقعة على بعد نحو 15 كيلومترًا من الحدود وعلى ارتفاع يقارب 600 متر، تضم شبكة أنفاق ومخازن أسلحة ومراكز قيادة، كما تشرف على طرق حيوية تربط النبطية بإقليم التفاح ومناطق جنوبية أخرى، ما يمنحها أهمية عملياتية تتجاوز مساحة الموقع الجغرافية نفسها.

هل ينتظر الجيش الإسرائيلي قرارًا سياسيًا بالتفجير؟

في السياق نفسه، نقلت وسائل إعلام لبنانية عن تقارير إسرائيلية أن القوات الإسرائيلية استكملت إدخال التجهيزات اللازمة لتدمير المجمع تحت الأرض وأنها تنتظر موافقة المستوى السياسي للشروع في عملية التفجير. ويتطابق ذلك جزئيًا مع تقرير "كان" الذي يؤكد أن الجيش بات في مرحلة التحضير لتدمير البنى التحتية تحت الأرض، لكن لا يوجد حتى الآن إعلان رسمي إسرائيلي يحدد موعدًا للتفجير أو يؤكد صدور الأمر التنفيذي النهائي.

وسبق للمراسل العسكري في "يديعوت أحرونوت/واينت" يوسي يهوشع أن كشف أن قيادة الجيش تعتبر أنفاق علي الطاهر هدفًا مركزيًا، وأن تنفيذ تدميرها مرتبط بقرار من المستوى السياسي، بما قد يعيد المواجهة سريعًا إلى مستوى أكثر اتساعًا مع حزب الله.

العامل الإيراني.. تحذيرات سابقة ومخاوف إسرائيلية من اتساع المواجهة

أما أخطر عناصر المشهد فيتعلق بإيران. فقد كشفت رويترز قبل أيام أن طهران أبلغت الولايات المتحدة سابقًا بأنها سترد بقوة إذا شنت إسرائيل هجومًا على مواقع حلفائها في مرتفعات علي الطاهر. كما تحدث تقرير أوردته "إسرائيل هيوم" نقلًا عن "نيويورك تايمز" عن رسالة إيرانية مررت إلى واشنطن عبر سلطنة عمان تعتبر السيطرة الإسرائيلية على المرتفعات تجاوزًا لـ"خط أحمر".

وفي الساعات الأخيرة، تحدثت تقارير إعلامية إسرائيلية عن ضغوط يمارسها حزب الله على طهران للرد إذا فجرت إسرائيل المجمع تحت الأرض، وعن نقاشات داخل القيادة الإيرانية بشأن طبيعة الرد. هذه الجزئية لا تزال في إطار التقديرات والتسريبات الإعلامية الإسرائيلية، ولم يصدر حتى الآن إعلان رسمي إيراني أو من حزب الله يؤكد اتخاذ قرار بالتدخل العسكري إذا جرى التفجير.


تمرين مفاجئ متعدد الجبهات ورسائل ردع لإيران وحزب الله

وتزامن التوتر في لبنان مع إطلاق رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير فجر الأحد تمرينًا مفاجئًا واسعًا لهيئة الأركان تحت اسم "طلوع الفجر 2.0"، يحاكي اندلاع حرب مفاجئة ومعقدة على عدة جبهات ويختبر استدعاء الاحتياط، غرف القيادة، آليات اتخاذ القرار وقدرة القوات على الانتقال سريعًا من الدفاع إلى الهجوم.

وقال زامير إن الجيش يعيش "فترة متوترة وقابلة للانفجار في جميع الجبهات"، وإن حالة الأساس التي يعمل وفقها هي الاستعداد لهجوم مفاجئ، موجهًا رسالة إلى خصوم إسرائيل بأن أي محاولة لضربها ستقابل برد "فوري وثقيل".

ورغم دلالة التوقيت، يقول الجيش الإسرائيلي إن التمرين يأتي ضمن خطة تدريبات واستعدادات لفترة الأعياد؛ وبالتالي لا يشكل، بمفرده، دليلًا على قرار وشيك بتوسيع الحرب في لبنان أو مهاجمة إيران. لكنه يتزامن عمليًا مع حالة تأهب مرتفعة، ومع نقاش إسرائيلي معلن حول احتمال رد حزب الله أو إيران على التطورات في علي الطاهر.

مفارقة إسرائيلية: تفجير الأنفاق ثم تقليص الانتشار؟

وفي تطور يضيف بُعدًا سياسيًا للمشهد، أفادت "كان" بأن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تبحث تقليص انتشار قواتها في جنوب لبنان بعد استكمال تدمير منشآت علي الطاهر، والانسحاب من ما يسمى "الخط الأصفر" إلى خط دفاعي جديد أطلقت عليه اسم "الخط الرمادي"، يقع على مسافة تراوح بين كيلومترين وأربعة كيلومترات من الحدود، مع إقامة نحو 20 موقعًا عسكريًا دائمًا داخله.

لكن الخطة لا تزال قيد البحث ولم تحصل بعد على موافقة المستوى السياسي، كما لم تُحسم آلية تسليم المناطق التي قد تنسحب منها إسرائيل للجيش اللبناني. وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة لأنها تعني أن إسرائيل قد تحاول استخدام تدمير منشآت علي الطاهر باعتباره نقطة نهاية لمرحلة عسكرية وبداية لإعادة رسم انتشارها الأمني داخل الأراضي اللبنانية، وليس بالضرورة مقدمة تلقائية لتوسع بري إضافي.

بيروت: استهداف مؤسسات الدولة «تصعيد خطير»

لبنانيًا، دان الرئيس جوزاف عون الضربات، معتبرًا أن استهداف مبنى وزارة المالية ومستشفى ومراكز صحية يمثل "تصعيدًا خطيرًا" يتجاوز، وفق موقفه، الخروقات المتكررة لوقف الأعمال العدائية إلى المس بمؤسسات الدولة اللبنانية. وطالب الولايات المتحدة والمجتمع الدولي بالتدخل لوقف الهجمات، مؤكدًا استمرار لبنان في التزاماته المتعلقة بسيادته واستقرار الجنوب.

بدوره، أجرى رئيس الحكومة نواف سلام اتصالات بمسؤولي النبطية ووزير المالية، مؤكدًا العمل على ضمان استمرار المرافق العامة وعدم تعطيل مصالح المواطنين، فيما أعلن عدد من الإدارات الرسمية في النبطية تعليق العمل نتيجة التطورات الأمنية.

أما رئيس مجلس النواب نبيه بري فاتهم إسرائيل بتوسيع حربها على الجنوب وربط التصعيد بحسابات داخلية وانتخابية إسرائيلية، مطالبًا بتحرك دولي لوقف العمليات.

المشهد حتى الآن

المؤشر الأكثر حساسية خلال الساعات المقبلة ليس مجرد استمرار الغارات على النبطية، بل القرار الإسرائيلي بشأن تفجير مجمع علي الطاهر تحت الأرض. فقد أنهى الجيش، وفق روايته، المرحلة العسكرية الأساسية للسيطرة على الموقع، ويستعد الآن لتدمير منشآته، بينما تبقى ثلاثة أسئلة مفتوحة: هل يمنح المستوى السياسي الأمر بالتفجير؟ هل سيرد حزب الله بصورة تتجاوز هجمات المسيّرات المحدودة؟ وهل تتحول التحذيرات الإيرانية السابقة إلى تدخل عسكري مباشر؟

حتى الآن، لا يوجد إنذار إسرائيلي رسمي بموعد محدد للتفجير، ولا إعلان إيراني مؤكد عن قرار بالرد، لكن تزامن الاستعدادات في علي الطاهر، والغارات الواسعة على النبطية، ورفع الجاهزية الإسرائيلية متعددة الجبهات، يجعل جنوب لبنان في واحدة من أكثر مراحله حساسية منذ وقف إطلاق النار في يونيو/حزيران.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - وكالات