شهدت الضفة الغربية المحتلة، يوم الثلاثاء 8 سبتمبر/أيلول 2026، موجة تصعيد ميداني واسعة شملت استشهاد فلسطينيين برصاص قوات الاحتلال الإسرائيلي وهجمات المستعمرين، واقتحامات واعتقالات وتحقيقات ميدانية، إلى جانب عمليات هدم وتجريف وإغلاق طرق ومقار ومصالح تجارية، فيما أعلنت وزارة الصحة ارتفاع حصيلة الشهداء منذ مطلع العام الجاري 2026 إلى 100 شهيد.
وتركزت أبرز التطورات في جنوب نابلس، حيث استشهد الشاب عبد الكريم محمد خضر سليمان (28 عاما) خلال عملية عسكرية إسرائيلية في بلدة عقربا، فيما احتجز الجيش الإسرائيلي جثمانه، بالتزامن مع عمليات عسكرية واعتقالات وتحقيقات ميدانية طالت بلدات عدة في المحافظة.
استشهاد شاب في عقربا واحتجاز جثمانه
وأعلنت وزارة الصحة الفلسطينية استشهاد الشاب عبد الكريم محمد خضر سليمان، بعد إبلاغها من الهيئة العامة للشؤون المدنية باستشهاده خلال عملية عسكرية في بلدة عقربا جنوب نابلس، مشيرة إلى أن قوات الاحتلال احتجزت جثمانه.
وبحسب مصادر أمنية ومحلية، اقتحمت قوات إسرائيلية المنطقة الغربية من عقربا فجر الثلاثاء، وحاصرت منزلا في منطقة الديرية لنحو خمس ساعات، وطالبت شخصا بداخله بتسليم نفسه، وسط إطلاق نار كثيف وتهديدات بتفجير المنزل.
وقالت المصادر إن القوات أطلقت قذيفة من نوع «إنيرغا» باتجاه المنزل، قبل أن تدفع بجرافة عسكرية إلى الموقع وتشرع بهدم أجزاء منه، فيما سُمع دوي انفجارات متتالية خلال الحصار.
وفي روايته للعملية، قال الجيش الإسرائيلي إن قواته، بالتعاون مع حرس الحدود وبتوجيه من جهاز الأمن العام «الشاباك»، نفذت نشاطا عسكريا في قرى قبلان وأوصرين وعقربا ويتما جنوب نابلس.
وزعم الجيش أن الشخص الذي كان داخل المنزل في عقربا ألقى زجاجة حارقة وعبوة بدائية تجاه قواته من دون وقوع إصابات، وأن القوات طوقت المبنى قبل اقتحامه، مضيفا أنه قُتل خلال العملية وكان يحمل سكينا، وفق البيان الإسرائيلي.
وأشار الجيش إلى اعتقال أربعة فلسطينيين خلال العملية في المنطقة، وإخضاع عشرات آخرين للاستجواب خلال عمليات تفتيش وتمشيط واسعة.
الصحة: 100 شهيد في الضفة منذ بداية 2026
وفي موازاة ذلك، أعلنت وزارة الصحة ارتفاع حصيلة الشهداء في الضفة الغربية إلى 100 شهيد منذ مطلع العام الجاري، بعد استشهاد أربعة فلسطينيين خلال الساعات الـ24 الماضية في محافظات نابلس وقلقيلية وطولكرم.
وفي محافظة نابلس، استشهد كذلك محمود محمد عربي محسن (34 عاما)، من بلدة قبلان، متأثرا بإصابته برصاص قوات الاحتلال، فيما لا يزال جثمانه محتجزا، بحسب وزارة الصحة.
وفي قلقيلية، استشهد الشاب عمر الطوباسي متأثرا بإصابته برصاصة في الرأس خلال هجوم لمستعمرين على بلدة حجة، في وقت أصيب فيه ثلاثة مواطنين آخرين، بينهم طفل، خلال هجومين نفذهما مستعمرون مسلحون.
أما في طولكرم، فعثرت طواقم الدفاع المدني على جثمان أسعد مليحة، وهو مواطن من قطاع غزة كان مقيما في مقر لجنة زكاة طولكرم المركزية، عقب اقتحام القوات الإسرائيلية المقر وانسحابها منه. ولم تتضح بصورة نهائية ملابسات وفاته، وفقا للمعلومات المتاحة.
إغلاق لجنة زكاة طولكرم واعتقال عمال من غزة
واقتحمت قوات إسرائيلية، فجر الثلاثاء، مقر لجنة زكاة طولكرم المركزية التابعة لوزارة الأوقاف والشؤون الدينية في ضاحية ارتاح جنوب المدينة، وأجبرت عددا من المواطنين القادمين من قطاع غزة، والذين كانوا يقيمون في أحد أقسام المبنى منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، على مغادرته.
وأفادت مصادر محلية بأن القوات اعتقلت عددا منهم واقتادتهم بواسطة شاحنة عسكرية إلى جهة غير معلومة، فيما أحدثت أضرارا وخرابا في محتويات المقر قبل إغلاقه وتعليق لافتة على مدخله تزعم أن اللجنة «غير قانونية وتدعم الإرهاب».
وخلال تغطية الاقتحام، أطلق جنود الاحتلال قنابل الصوت والغاز المسيل للدموع باتجاه صحفيين في محيط الموقع ولاحقوهم، من دون الإبلاغ عن إصابات.
وفي تطور آخر في المحافظة، اعتقلت القوات الإسرائيلية أربعة مواطنين من مدينة طولكرم، بينهم سيدة، عقب مداهمة منازلهم، وهم الأسير المحرر رأفت جميل ناصيف (61 عاما)، وعلي فتح الله صعيدي، وأنس الشيخ حسين، ورؤى إبراهيم رجا الحافي (30 عاما).
كما اقتحمت القوات ضاحية شويكة شمال المدينة، وداهمت منزلا وكراجا للسيارات، ونفذت أعمال تفتيش وتحقيق ميداني، قبل أن تهدم لاحقا منشأة زراعية في حي المهادوة تعود للمزارع إبراهيم أبو زهري وتضم «بركسا» ومعدات زراعية.
إخلاء منازل قبالة مخيم طولكرم
وفي محيط مخيم طولكرم، أجبرت قوات الاحتلال سكان عدد من المنازل المقابلة للمخيم على إخلائها لساعات، وأبلغتهم بضرورة فتح النوافذ، بذريعة تنفيذ أعمال تفجير في المنطقة.
وشملت الإجراءات المنازل الممتدة قبالة المدخل الشمالي للمخيم وحتى مركز العودة، إضافة إلى مناطق قريبة من شارع نابلس وضاحية ذنابة.
ويأتي ذلك في ظل استمرار العملية العسكرية الإسرائيلية في مخيم طولكرم، وما رافقها على مدى أشهر من تهجير للسكان والاستيلاء على منازل وتحويل بعضها إلى مواقع عسكرية، إلى جانب إغلاق المداخل بالسواتر الترابية ومنع الأهالي من العودة إلى منازلهم.
عملية عسكرية واسعة في عناتا ومخيم شعفاط
وفي القدس، فرضت قوات الاحتلال منذ الليلة الماضية حصارا مشددا على بلدة عناتا ومخيم شعفاط شمال شرق المدينة، وأغلقت المداخل ونشرت قوات وآليات عسكرية بكثافة، وسط مداهمات واعتقالات وتحقيقات ميدانية واسعة.
وأعلنت القوات عبر مكبرات الصوت في آلياتها العسكرية فرض قيود مشددة على الحركة، ما أدى إلى تعطيل المدارس ورياض الأطفال وإغلاق المحال التجارية وشلل واسع في الحياة اليومية لعشرات آلاف السكان.
ووفق محافظة القدس، يقدر عدد من جرى احتجازهم أو اعتقالهم منذ بدء العملية بنحو 100 شخص، بينهم سيدة، وسط استمرار عمليات تفتيش المنازل والمحال والمنشآت.
وقالت مصادر محلية إن القوات حولت أحد المنازل إلى مركز للتحقيق الميداني، واعتقلت عددا من المواطنين، فيما استولت على مركبات وألحقت أضرارا بمحال وممتلكات خاصة.
كما شرعت جرافات إسرائيلية بتجريف خطوط مياه رئيسية في بلدة عناتا، وسط تحذيرات من انعكاس ذلك على إمدادات المياه والخدمات الأساسية للسكان.
واعتبرت محافظة القدس ما يجري في عناتا ومخيم شعفاط «عدوانا عسكريا ممنهجا»، وقالت إنه يأتي ضمن سياسة متصاعدة من الاقتحامات والإغلاقات والعقوبات الجماعية في البلدات الفلسطينية المحيطة بالمدينة.
وفي حادث منفصل شمال غرب القدس، رشق مستعمرون مركبة فلسطينية بالحجارة أثناء مرورها عبر النفق الواصل بين بلدتي الجيب وبدو، ما تسبب بأضرار مادية من دون تسجيل إصابات.
اعتقالات في بيت لحم واقتحام وسط المدينة
وفي بيت لحم، اعتقلت قوات الاحتلال الطفلين فريد رامي الهريمي (15 عاما)، وسعدي رائد العدم (16 عاما)، عقب اقتحام منطقة شارع الصف وسط المدينة.
وقالت مصادر محلية إن الجنود اعتدوا بالضرب على والدة أحد الطفلين خلال عملية الاعتقال، ما أدى إلى إصابتها ونقلها إلى المستشفى لتلقي العلاج.
كما اقتحمت قوات إسرائيلية مناطق باب الزقاق والسينما والشبرد وشارع الصف ووادي معالي وساحة المهد، وانتشرت في عدد من أحياء المدينة.
وفي قرية أبو نجيم جنوب شرق بيت لحم، أصيب الطفل أيوب مازن شفيق بجروح ورضوض بعدما دعسه مستعمر أثناء قيادته دراجته الهوائية، وفق مصدر محلي، ونقل الطفل إلى المستشفى لتلقي العلاج.
عمليات هدم واسعة في مسافر يطا
وفي جنوب الخليل، نفذت قوات الاحتلال سلسلة عمليات هدم في تجمعات مسافر يطا، طالت مساكن ومنشآت وحظائر ومصادر مياه وبنية تحتية.
وفي قرية خلة الضبع، هدمت القوات مسكنا من الحجر والصفيح تبلغ مساحته نحو 200 متر مربع ويؤوي 14 فردا، إلى جانب مغارة سكنية تؤوي ستة أفراد، كما ردمت بئري مياه ودمرت شبكات للمياه والكهرباء وخزانات بلاستيكية وأشجارا وأسلاكا محيطة بالمساكن.
وفي تجمع خربة الفخيت، هدمت القوات عشرة مساكن وحظائر أغنام، شملت منشآت من الصفيح وبركسات تعود لعدد من العائلات، كما دمرت خزانات مياه ووحدات صحية وألواح طاقة شمسية وردمت بئر مياه.
وأفادت مصادر محلية بإصابة عدد من المواطنين بالاختناق إثر إطلاق قنابل الغاز خلال عملية الهدم.
وتتعرض تجمعات مسافر يطا منذ سنوات لعمليات هدم وإخلاء متكررة، بالتزامن مع توسع البؤر الاستيطانية وتصاعد الاعتداءات على الأراضي الزراعية والرعوية.
اعتقال عشرة فلسطينيين في الخليل ودورا
وفي مدينة الخليل وبلدة دورا، اعتقلت القوات الإسرائيلية عشرة فلسطينيين خلال سلسلة مداهمات واسعة.
وقالت مصادر أمنية إن الاعتقالات طالت فايز الجعبري ونجله علي في حارة الجعبري بمدينة الخليل، فيما شملت الحملة في دورا وقرى الطبقة والصرة وخرسا عددا من الأسرى المحررين والمواطنين، بينهم أيوب العواودة، ومنتصر شديد، ويوسف أبو زنيد، وحسام أبو راس، وحمزة شاهر عمرو، وإبراهيم أبو زنيد، ومحمد الزير، وسليم الرجوب.
وفي بلدة سعير شمال شرق الخليل، تجمع عشرات المستعمرين على جبل القديسة بعدما وصلوا بالحافلات تحت حماية قوات الاحتلال، ورفعوا الأعلام الإسرائيلية في المنطقة.
وتقول مصادر محلية إن المستعمرين أقاموا قبل نحو شهر عددا من المنازل المتنقلة في أراضي المواطنين بالمنطقة، بالتزامن مع اعتداءات متكررة وقيود تفرضها القوات الإسرائيلية على حركة الأهالي.
هدم منشآت في جنين واعتقالات وتحقيقات ميدانية
وفي محافظة جنين، هدمت قوات الاحتلال منشأتين في بلدة سيلة الظهر جنوب المدينة، إحداهما تستخدم لتربية الأغنام وتبلغ مساحتها نحو 200 متر مربع، والأخرى لتخزين الخردة والحديد.
وقال رئيس بلدية سيلة الظهر منذر حنتولي إن عمليات الهدم تأتي عقب سلسلة إخطارات بوقف العمل استهدفت منازل ومنشآت تقع في المنطقة المصنفة «ج»، محذرا من اتساع عمليات الهدم في المنطقة بالتزامن مع أعمال شق وتوسعة شارع التفافي.
كما اعتقلت القوات الشاب أحمد وائل الشرقاوي بعد مداهمة منزله في بلدة الزبابدة، واعتقلت صايل سامر ربايعة خلال اقتحام بلدة ميثلون جنوب شرق جنين.
وأفادت مصادر محلية بأن القوات حولت أحد المنازل في ميثلون إلى مركز للتحقيق الميداني، واحتجزت عشرات الشبان قبل إخضاعهم للاستجواب.
اعتقالات وتحقيقات في نابلس وهجوم للمستعمرين في المسعودية
وفي محافظة نابلس، اعتقلت قوات الاحتلال كمال عبد الجبار عامر من بلدة كفر قليل، بعد مداهمة منزله وتفتيشه.
كما داهمت القوات عددا كبيرا من المنازل في بلدتي قبلان وأوصرين واحتجزت عشرات المواطنين وأخضعتهم لتحقيقات ميدانية قبل الإفراج عن غالبيتهم.
وفي منطقة المسعودية التابعة لأراضي برقة شمال غرب نابلس، أصيب المواطن محمد الخليل ونجله بجروح ورضوض بعد تعرضهما لاعتداء خلال هجوم نفذه مستعمرون على منازل المواطنين، ونقلا إلى المستشفى.
وفي حوارة جنوب نابلس، أجبرت قوات الاحتلال أصحاب المحال التجارية على إغلاقها، بالتزامن مع انتشار عسكري واسع في وسط البلدة.
اعتقالات في طوباس والقدس وإغلاق طريق في يرزا
وفي محافظة طوباس، اعتقلت القوات الإسرائيلية الشاب يزن سامر بني عودة (18 عاما) بعد مداهمة منزل عائلته في بلدة طمون وتفتيشه.
وفي تجمع يرزا شرق طوباس، أغلق مستعمرون طريقا ترابية يستخدمها السكان، بعدما وضعوا الحجارة في الطريق، وفق رئيس مجلس قروي يرزا مخلص مساعيد، الذي أشار إلى تزايد الاعتداءات في المنطقة خلال الفترة الأخيرة.
وفي القدس المحتلة، اعتقلت قوات الاحتلال الأسير المحرر جون قاقيش عقب مداهمة منزله وتفتيشه.
تصعيد متعدد المسارات
وتعكس تطورات الثلاثاء اتساع نطاق العمليات العسكرية الإسرائيلية في مختلف أنحاء الضفة الغربية، إذ تزامنت عمليات القتل والاعتقال والتحقيق الميداني مع هدم المنازل والمنشآت، وإغلاق الطرق والمحال، وفرض قيود على حركة السكان، إلى جانب تصاعد هجمات المستعمرين في عدد من المحافظات.
وتأتي هذه التطورات مع إعلان وزارة الصحة وصول عدد الشهداء في الضفة الغربية إلى 100 منذ بداية عام 2026، في وقت تتواصل فيه الاقتحامات العسكرية للمدن والبلدات والمخيمات، وتتسع عمليات الهدم والاستيلاء على الأراضي والاعتداءات التي ينفذها مستعمرون بحق الفلسطينيين وممتلكاتهم.






