جيل بلا مدارس.. تقرير حقوقي يرصد انهيار التعليم في غزة ويحذر من آثار تمتد لعقود

فلسطينيون نازحون يواصلون حياتهم اليومية داخل مدرسة متضررة في جباليا، شمال قطاع غزة، في 27 سبتمبر/أيلول 2026، وسط أزمة سكن وتعليم متواصلة. صورة: هادي داود

تدمير واسع للتعليم في غزة.. تقرير يوثّق خسائر الطلبة والمعلمين ويحذر من فجوة تعليمية عابرة للأجيال

 أصدر المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، بالتعاون مع مركز فلسطين للدراسات في جامعة الدراسات الشرقية والأفريقية "SOAS" في لندن و"أصدقاء الجامعات الفلسطينية"، تقريرًا موسعًا يوثّق حجم الضرر الذي لحق بالنظام التعليمي في قطاع غزة، ويبحث الآثار القانونية والاجتماعية والثقافية المترتبة على تدمير المدارس والجامعات واستهداف الطلبة والمعلمين والأكاديميين.

وحمل التقرير عنوان "إبادة التعليم والإبادة الجماعية في قطاع غزة: تقييم وشهادات وتحليل قانوني"، وخلص إلى أن ما تعرض له قطاع التعليم خلال الحرب الإسرائيلية على غزة لا يقتصر، وفق تقييم المركز، على تدمير المنشآت التعليمية، بل يمتد إلى تفكيك منظومة كاملة ترتبط بالتعليم والهوية والثقافة والاستقرار الاجتماعي ومستقبل الأجيال الفلسطينية.

ويستخدم التقرير مصطلح "الإبادة التعليمية" لوصف نمط من الأفعال التي يقول المركز إنها استهدفت بصورة متراكمة الطلبة والمعلمين والمؤسسات التعليمية والقدرة على استمرار العملية التعليمية. ويربط التقرير، في تحليله القانوني، بين هذه الأفعال وبعض العناصر الواردة في اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، وهو توصيف قانوني يقدمه المركز استنادًا إلى ما جمعه من شهادات ووثائق ومصادر مفتوحة وأبحاث وتقارير أممية.

خمسة أنماط رئيسية لاستهداف التعليم

واستند التقرير إلى عشرات الشهادات والإفادات التي جمعها باحثو ومحامو المركز في قطاع غزة، إلى جانب توثيق ميداني واسع، ومواد منشورة في مصادر مفتوحة، وتقارير صادرة عن الأمم المتحدة، وأبحاث أكاديمية، واجتهادات قضائية دولية ذات صلة.

وحدد خمسة أنماط رئيسية قال إنها تداخلت خلال الحرب، وهي: قتل الطلبة والمعلمين والأكاديميين، وإلحاق الأذى الجسدي والنفسي بهم، وتدمير المنشآت التعليمية، وعرقلة إنشاء بدائل تعليمية، وفرض ظروف معيشية تحول دون وصول الطلبة إلى التعليم أو استمرارهم فيه.

وبحسب التقرير، لا تقتصر آثار الاستهداف على تعطيل الدوام المدرسي أو الجامعي، بل تشمل تعطيل مسار تعليمي كامل لمئات آلاف الأطفال والشباب، في ظل النزوح المتكرر، وفقدان أفراد من الأسر، وتدمير المنازل، ونقص الغذاء، وانقطاع الكهرباء، وضعف أو انعدام الاتصال بالإنترنت، وانهيار أجزاء واسعة من الخدمات الأساسية.

خسائر بشرية واسعة في الوسط التعليمي

وأوضح المركز أنه وثّق حتى يوليو/تموز 2026 مقتل نحو 20,051 طالبًا، وأكثر من 830 معلمًا وموظفًا في قطاع التعليم، إلى جانب نحو 194 مفكرًا وأكاديميًا وباحثًا.

كما تعرضت معظم البنية التحتية التعليمية في قطاع غزة، بحسب التقرير، لأضرار متفاوتة بين التدمير الكلي والجزئي، ما أدى إلى إخراج عدد كبير من المدارس والجامعات والمرافق التعليمية من الخدمة أو تحويل بعضها إلى مراكز إيواء للنازحين.

ويشير التقرير إلى أن الخسارة لم تقتصر على المباني، إذ تضررت كذلك المكتبات والمختبرات والسجلات الأكاديمية والمراكز الثقافية ومصادر المعرفة، وهو ما ينعكس على قدرة المؤسسات التعليمية على استعادة عملها حتى في حال توقف العمليات العسكرية.

جيل كامل أمام فجوة تعليمية ممتدة

ويركز التقرير بصورة خاصة على الآثار الممتدة على الأطفال والشباب، محذرًا من أن سنوات الانقطاع وعدم الانتظام في الدراسة قد تخلّف فجوة تعليمية يصعب تعويضها سريعًا.

وبحسب تقييم المركز، يواجه الطلبة في غزة مزيجًا من الخسارة التعليمية والصدمة النفسية والضغط الاقتصادي والاجتماعي، وهو ما قد يؤثر في قدرتهم على العودة إلى المدارس والجامعات والاستمرار فيها وتحقيق التحصيل الأكاديمي المطلوب.

كما لفت التقرير إلى أن الأطفال الذين عاشوا القصف والنزوح وفقدان الأقارب والمنازل قد يحتاجون، إلى جانب إعادة بناء المدارس، إلى برامج طويلة الأمد للدعم النفسي والاجتماعي والتربوي، بما يضمن قدرتهم على استعادة الإحساس بالأمان والانتظام في العملية التعليمية.

التعليم كجزء من الهوية والاستمرارية الفلسطينية

ويضع التقرير تدمير التعليم ضمن سياق أوسع يتعلق بالدور الذي لعبته المدارس والجامعات تاريخيًا في المجتمع الفلسطيني، ولا سيما في ظروف الاحتلال والنزوح واللجوء.

ويشير إلى أن المؤسسات التعليمية لم تؤدِّ فقط دورًا أكاديميًا، بل شكّلت أيضًا فضاءً للحفاظ على الهوية والمعرفة والذاكرة الجماعية والتماسك الاجتماعي.

ومن هذا المنطلق، يرى المركز أن تدمير المدارس والجامعات والمكتبات والسجلات الأكاديمية لا يؤدي فقط إلى فقدان البنية التحتية، بل يترك أثرًا مباشرًا في الحياة الثقافية والفكرية، ويضعف قدرة المجتمع على نقل المعرفة والتاريخ إلى الأجيال المقبلة.

التقرير: استهداف التعليم لم يبدأ بعد 7 أكتوبر

وأكد المركز أن استهداف قطاع التعليم الفلسطيني لم يبدأ بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، مشيرًا إلى أن المدارس والجامعات والمنشآت التعليمية تعرضت خلال العقود السابقة إلى هجمات وإغلاقات وقيود وأضرار خلال جولات التصعيد والعمليات العسكرية الإسرائيلية.

غير أن التقرير يعتبر أن حجم الضرر المسجل منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 يمثل تصعيدًا غير مسبوق من حيث اتساع نطاق الدمار وعدد المتضررين وطول مدة تعطيل العملية التعليمية.

قراءة قانونية لمفهوم "الإبادة التعليمية"

وفي الجانب القانوني، خلص المركز إلى أن بعض الأفعال التي وثقها يمكن، وفق تحليله، أن تندرج ضمن الأفعال المكونة لجريمة الإبادة الجماعية المنصوص عليها في المادة الثانية من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها.

ويستند التقرير إلى أفعال من بينها قتل أفراد من الجماعة المحمية، وإلحاق أذى جسدي أو نفسي جسيم بهم، وفرض ظروف معيشية يرى المركز أنها قد تؤدي إلى تدمير الجماعة ماديًا كليًا أو جزئيًا.

ويبقى توصيف الأفعال بأنها تشكل إبادة جماعية مسألة قانونية تخضع في نهاية المطاف لتقييم المحاكم والهيئات القضائية الدولية المختصة، فيما يعرض التقرير هذه الخلاصة بوصفها جزءًا من تحليله الحقوقي والقانوني.

دعوات إلى حماية التعليم وإعادة بنائه

ودعا المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان المجتمع الدولي، ولا سيما الدول الأطراف في اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لحماية المدنيين والمؤسسات التعليمية في قطاع غزة.

كما طالب بضمان الامتثال لأوامر محكمة العدل الدولية الصادرة في قضية جنوب أفريقيا ضد إسرائيل، ودعم آليات المساءلة الدولية والتحقيق في الجرائم المرتكبة بحق المدنيين والمؤسسات التعليمية.

ودعا التقرير كذلك إلى حماية الطلبة والمعلمين والأكاديميين، وإعادة تأهيل المدارس والجامعات والمكتبات والمرافق التعليمية، مع التشديد على أن إعادة الإعمار لا ينبغي أن تكون بديلًا عن المساءلة القانونية.

وطالب بتوفير دعم طويل الأمد للأطفال والشباب، يشمل خدمات الصحة النفسية والتأهيل والتعليم التعويضي والشامل، إلى جانب برامج لمعالجة الفاقد التعليمي وإعادة دمج الطلبة في مسارات تعليمية منتظمة.

ويخلص التقرير إلى أن مستقبل التعليم في غزة لا يرتبط فقط بإعادة فتح المدارس والجامعات، بل يتطلب إعادة بناء بيئة تعليمية واجتماعية ونفسية كاملة، قادرة على استعادة حق مئات آلاف الطلبة في التعلم، وحماية المعرفة والهوية الفلسطينية من آثار الحرب الممتدة.


تنزيل هنا Scholasticide-and-Genocide-in-Gaza-ar.pdf

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - غزة