من نافذة الشقة إلى شبكة العملاء.. المسيّرات الإسرائيلية تصعّد حرب الاغتيالات وحماس تختبر التضليل المضاد

طائرة مسيّرة إسرائيلية من طراز «سكاي لارك» سيطرت عليها «كتائب القسام» خلال المعارك في غزة خلال عام 2024 (من فيديو لـ«كتائب القسام»).png

المسيّرات الانتحارية تغيّر نمط الاغتيالات في غزة.. ومحاولة استهداف العامودي تفتح باب «حرب التضليل» بين حماس وإسرائيل

باتت الطائرات المسيّرة الانتحارية تحتل موقعاً متقدماً في العمليات التي تنفذها قوات الاحتلال الإسرائيلي داخل قطاع غزة، ولا سيما في عمليات الاغتيال التي تستهدف قيادات ونشطاء في الفصائل الفلسطينية، في وقت تتداخل فيه التقنيات العسكرية الجديدة مع حرب استخباراتية معقدة بين إسرائيل وحركة «حماس»، تقوم على الرصد والملاحقة ومحاولات الاختراق والتضليل المضاد.

وأظهرت سلسلة من عمليات الاستهداف التي شهدها قطاع غزة خلال الأسابيع الأخيرة اعتماداً متزايداً على طائرات مسيّرة صغيرة محملة بمواد متفجرة، تستطيع الوصول إلى أهداف داخل مبانٍ وشقق سكنية أو خيام، إلى جانب استخدام الصواريخ والقنابل التي تلقيها مسيّرات أخرى على أهداف متحركة.

وبحسب مصادر ميدانية وفصائلية تحدثت لصحيفة «الشرق الأوسط»، أصبحت هذه الطائرات إحدى الأدوات الرئيسية في ملاحقة قيادات ونشطاء من «كتائب القسام»، الجناح المسلح لحركة «حماس»، و«سرايا القدس»، الجناح المسلح لحركة «الجهاد الإسلامي»، مع استمرار تحليق الطائرات الاستطلاعية والاستخباراتية لساعات طويلة فوق مناطق مختلفة من القطاع.

طائرات صغيرة داخل الشقق

وتقول مصادر ميدانية إن عدداً من عمليات الاغتيال التي نُفذت خلال الأسبوعين الماضيين اعتمد على طائرات انتحارية صغيرة، تتميز بقدرتها على الاقتراب من المباني والدخول عبر النوافذ قبل الانفجار داخل المكان المستهدف.

ولفت مصدر ميداني قريب من الفصائل في مدينة غزة إلى أن طبيعة بعض الطائرات المستخدمة أخيراً تجعل من الصعب العثور على أجزاء واضحة منها بعد الانفجار، مقارنة بطائرات استخدمت خلال مراحل سابقة من الحرب وكانت تترك شظايا أو مكونات يمكن التعرف عليها.

ويشير المصدر إلى أن قوات الاحتلال باتت تستخدم في بعض العمليات مزيجاً من الطائرات الانتحارية والصواريخ، بهدف زيادة فرص إصابة الهدف ومنع نجاته.

ووفق المصدر ذاته، استُخدمت ثلاث طائرات مسيّرة انتحارية، بالتزامن مع صاروخين، خلال عملية استهداف عز الدين البيك، قائد لواء الشمال في «كتائب القسام»، داخل شقة سكنية في حي النصر شمال غربي مدينة غزة في 29 سبتمبر/أيلول الماضي.

وتسببت الضربة، بحسب المصدر، في اندلاع حريق كبير داخل الشقة استمر نحو 40 دقيقة، وسط صعوبة واجهتها طواقم الدفاع المدني في السيطرة عليه بسبب شح الإمكانات والمعدات.

ويرجح مصدر ميداني آخر أن استخدام الطائرات المحملة بالمتفجرات داخل أماكن مغلقة يزيد بصورة كبيرة من احتمالات اندلاع الحرائق وتصاعد الدخان، ما يعقد محاولات إخلاء المستهدفين أو إسعافهم بعد الضربة.

وتقول المصادر إن هذا النوع من المسيّرات يمنح قوات الاحتلال قدرة على استهداف أشخاص داخل شقق ومبانٍ دون الحاجة إلى تدمير المبنى بالكامل، إذ يمكن توجيه الطائرة نحو نافذة أو فتحة والوصول إلى نطاق قريب جداً من الهدف قبل تفجيرها.

يتفقد فلسطينيون الأضرار التي لحقت بمبنى الأصالة السكني، غرب مدينة غزة، جراء غارة جوية إسرائيلية، في 3 أكتوبر/تشرين الأول 2026. (صورة: بلال أسامة)


محاولة اغتيال العامودي

وتكرر النمط ذاته، وفق مصادر فلسطينية، خلال محاولة إسرائيلية لاغتيال علي العامودي، الذي تصفه المصادر بأنه أحد مسؤولي قيادة حركة «حماس» في قطاع غزة، إثر قصف طال شقة سكنية غرب مدينة غزة فجر السبت.

وقالت مصادر فلسطينية مطلعة إن الشقة المستهدفة كانت تُستخدم من قبل العامودي، لكنه غادرها قبل الهجوم بنحو يوم لعقد اجتماعات في موقع آخر داخل القطاع، ولم يكن موجوداً فيها لحظة الاستهداف.حسب قناة  i24news العبرية

وأضافت أن القصف طال الطابقين الأرضي والأول من المبنى، وأن الضحايا والمصابين كانوا من الفلسطينيين الموجودين في أجزاء أخرى من المبنى ومحيطه.

ووفق مصادر ميدانية، جمعت العملية بين إطلاق صواريخ واستخدام طائرة مسيّرة انتحارية واحدة على الأقل، في نمط مشابه لعمليات استهداف أخرى نُفذت خلال الفترة الأخيرة.

لكن فشل العملية في الوصول إلى الهدف المفترض فتح، وفق مصادر تحدثت عن الملف الأمني، باب التساؤلات حول طبيعة المعلومات التي استند إليها جهاز الأمن العام الإسرائيلي «الشاباك»، وما إذا كانت إسرائيل حصلت على معلومات قديمة أو غير دقيقة، أو تعرضت لعملية تضليل مضاد.

ولا توجد معلومات مستقلة تؤكد أيّاً من هذه الفرضيات، في حين لم تُعلن حركة «حماس» تفاصيل تتعلق بكيفية مغادرة العامودي للمكان أو ما إذا كانت قد نفذت بالفعل عملية أمنية لتضليل أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية.

حرب استخباراتية خلف الكواليس

وتقول مصادر فلسطينية مطلعة على الملف الأمني إن المواجهة الاستخباراتية بين «حماس» وإسرائيل تمتد منذ سنوات طويلة، وتشمل محاولات تجنيد متعاونين واكتشافهم وإعادة استخدام بعضهم في عمليات تضليل مضاد.

وبحسب هذه المصادر، تمكنت أجهزة أمن الحركة في حالات سابقة من كشف أشخاص يعملون لصالح إسرائيل، قبل محاولة تحويل بعضهم إلى عملاء مزدوجين وتزويد مشغليهم الإسرائيليين بمعلومات مضللة.

وأعادت محاولة استهداف العامودي هذا الملف إلى الواجهة، خصوصاً بعد عملية إسرائيلية سابقة انتهت باختطاف معين العرابيد، الذي تصفه مصادر فلسطينية بأنه مسؤول أمني بارز كان يتولى ملفات حساسة داخل المنظومة الأمنية التابعة لـ«حماس»، من بينها مكافحة التجسس والتعامل مع شبكات المتعاونين.

وترى المصادر أن اعتقال العرابيد دفع أجهزة أمن الحركة إلى مراجعة عدد من شبكات الاتصال ومسارات نقل المعلومات، وربما أدى إلى كشف أشخاص إضافيين يشتبه في تعاونهم مع أجهزة الاحتلال.

وتذهب المصادر إلى احتمال أن تكون بعض تلك الشبكات استُخدمت لاحقاً لتمرير معلومات غير دقيقة، لكنها تؤكد أن إثبات وجود عملية تضليل محددة مرتبطة بمحاولة اغتيال العامودي يحتاج إلى أدلة لا تزال غير متاحة.

يتفقد فلسطينيون الأضرار التي لحقت بمبنى الأصالة السكني، غرب مدينة غزة، جراء غارة جوية إسرائيلية، في 3 أكتوبر/تشرين الأول 2026. (صورة: بلال أسامة)


تجارب قديمة مع «العملاء المزدوجين»

وتشير المصادر إلى أن فكرة استخدام العملاء المزدوجين ليست جديدة في المواجهة الأمنية بين الطرفين.

وتستحضر في هذا السياق مرحلة أعقبت اغتيال القيادي في «كتائب القسام» مازن فقهاء في قطاع غزة عام 2017، عندما شنت أجهزة «حماس» حملة أمنية واسعة انتهت باعتقال عدد من المشتبه بتعاملهم مع إسرائيل.

وبحسب روايات متداولة في أوساط أمنية فلسطينية، حاولت أجهزة الحركة آنذاك استخدام أحد المتعاونين للوصول إلى مشغله الإسرائيلي، إلا أن المخطط لم ينجح بعدما أبلغ الشخص مشغليه الإسرائيليين بما جرى.

وعلى مدى سنوات، ظل الصراع الاستخباراتي بعيداً إلى حد كبير عن وسائل الإعلام، فيما كشفت جولات المواجهة المتلاحقة عن الدور الكبير الذي تلعبه المعلومات البشرية والإشارات الإلكترونية والمراقبة الجوية في تحديد أماكن قيادات الفصائل وتتبع تحركاتها.

أبو عبيد وعمليات أخرى

ولا تقتصر عمليات المسيّرات الانتحارية على الشقق السكنية.

فبحسب مصادر في جنوب قطاع غزة، استخدمت قوات الاحتلال طائرتين انتحاريتين في عملية اغتيال نائل أبو عبيد، قائد لواء رفح في «كتائب القسام»، رغم وجوده في خيمة بمنطقة مواصي خان يونس.

وتقول المصادر إن عدداً من عمليات الاغتيال خلال فترات مختلفة من الحرب نُفذت بهذه الطريقة، بينما تستخدم قوات الاحتلال طائرات أخرى لإلقاء قنابل صغيرة على فلسطينيين أثناء سيرهم في الشوارع أو وجودهم فوق أسطح المنازل.

وفي بعض الحالات، لا يؤدي الاستهداف إلى مقتل الشخص مباشرة، لكنه يتسبب بإصابات بالغة وشظايا وحروق قد تؤدي إلى بتر أطراف أو وفاة المصاب لاحقاً.

سماء لا تخلو من المسيّرات

وتشير المصادر إلى أن الطائرات المسيّرة، سواء الهجومية أو الاستطلاعية، لا تكاد تغادر أجواء قطاع غزة، مع تنوع الطرازات المستخدمة والمهام التي تنفذها.

وتتركز مهمة بعضها على المراقبة وجمع المعلومات وتحديد حركة الأشخاص والمركبات، بينما تُخصص أخرى لتنفيذ الضربات بصورة مباشرة.

وبحسب المصادر، تعتمد عمليات المراقبة بصورة متزايدة على أنظمة تحليل آلية وتقنيات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي للمساعدة في فرز كميات كبيرة من الصور والبيانات وتحديد أهداف محتملة.

كما تلفت إلى أن تكثيف التحليق فوق مربعات سكنية محددة يُفسَّر ميدانياً في كثير من الأحيان باعتباره مؤشراً إلى وجود عملية مراقبة أو تحضير لاستهداف، ما يدفع الفصائل والسكان إلى رفع مستوى الحذر.

وفي حالات أخرى، سبقت كثافة التحليق عمليات نفذتها قوات خاصة على الأرض، وهو ما يدفع الفصائل إلى التعامل مع حركة الطائرات باعتبارها مؤشراً أمنياً لا يقل أهمية عن التحركات البرية.

مخاطر الطائرات تطال قوات الاحتلال

ولا تخلو هذه التقنيات من مخاطر على مستخدميها.

فقد أدى انفجار طائرة مسيّرة انتحارية قبل أيام إلى مقتل جنديين إسرائيليين بعدما أُطلقت، وفق تقارير إسرائيلية، من موقع عسكري مستحدث في بلدة بيت حانون شمال قطاع غزة لاستهداف فلسطيني.

وبحسب الرواية المتداولة عن الحادث، عادت الطائرة لسبب غير واضح باتجاه الموقع العسكري وسقطت قرب خيمة يستخدمها الجنود، قبل أن تنفجر أثناء محاولة التعامل معها.

وعقب الحادث، أوقف جيش الاحتلال استخدام الطائرة، التي أشير إلى أنها من طراز يُعرف باسم «الخفاش»، بعدما تبين تسجيل حوادث سابقة مرتبطة بها خلال العام الأخير، من دون وقوع إصابات في تلك الحالات.

ويكشف الحادث جانباً آخر من سباق تطوير المسيّرات الهجومية، إذ تمنح الطائرات الصغيرة القوات قدرة أكبر على الاقتراب من الأهداف، لكنها تظل عرضة للأعطال وفقدان الاتصال أو أخطاء التوجيه.

ضربات متواصلة في القطاع

ميدانياً، تواصلت الغارات والاستهدافات الإسرائيلية في مناطق متفرقة من قطاع غزة.

وقُتل فلسطيني إثر استهداف طائرة مسيّرة إسرائيلية مركبة جنوب مدينة دير البلح وسط القطاع، بينما أصيب عشرة آخرون كانوا في مركبة مجاورة.

كما قُتل فلسطيني آخر في استهداف مباشر أثناء سيره في مدينة حمد شمال خان يونس، فيما أُعلن عن وفاة طفلة وشاب متأثرين بإصابتهما في هجمات إسرائيلية سابقة.

وأصيب ستة فلسطينيين آخرين جراء إطلاق نار وغارة إسرائيلية في جباليا وبيت لاهيا شمال القطاع.

وتشير التطورات الميدانية إلى أن الطائرات المسيّرة لم تعد مجرد أداة استطلاع في سماء غزة، بل تحولت إلى جزء أساسي من منظومة الاستهداف الإسرائيلية، بدءاً من جمع المعلومات ومراقبة الأشخاص، وصولاً إلى تنفيذ الاغتيالات بدقة داخل الشقق والخيام والشوارع.

وفي المقابل، تدفع هذه القدرة الفصائل الفلسطينية إلى تشديد إجراءاتها الأمنية وتغيير أنماط الحركة والاتصال، في مواجهة لا تقتصر على القصف والاشتباك المباشر، بل تمتد إلى صراع استخباراتي معقد عنوانه الأساسي: من يملك المعلومة الأدق، ومن يستطيع تضليل الطرف الآخر قبل أن تتحول المعلومة إلى هدف.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - غزة