مخطط لقتل مئات الفلسطينيين وتهجيرهم.. «هآرتس»: الشاباك يبتعد عن تحقيق «الإرهاب اليهودي» رغم خطة الـ72 مسلحًا
كشفت وسائل إعلام إسرائيلية، الاثنين 05 أكتوبر/تشرين الأول 2026، تفاصيل قضية أمنية واسعة تتعلق بمحاضر بارز في جامعة بار إيلان، تتهمه النيابة الإسرائيلية بالتخطيط على مدى أكثر من ثلاث سنوات لتنفيذ هجمات متزامنة تستهدف قتل مئات الفلسطينيين والعرب ودفع الناجين إلى مغادرة البلاد، فيما أثار تقرير لصحيفة «هآرتس» تساؤلات بشأن امتناع جهاز الأمن العام الإسرائيلي «الشاباك» عن تولي التحقيق، رغم اختصاصه بملاحقة ما تصفه إسرائيل بـ«الإرهاب اليهودي».
وقدمت النيابة العامة الإسرائيلية إلى المحكمة المركزية في اللد لائحة اتهام ضد أستاذ للرياضيات في الستينيات من عمره، يقيم في بيتح تكفا، بينما لا يزال اسمه خاضعًا لأمر حظر نشر قضائي.
وتتهمه النيابة بالإعداد لتنفيذ عمل «إرهابي»، والابتزاز بالتهديد وعرقلة سير العدالة، وطلبت إبقاءه رهن الاعتقال حتى انتهاء الإجراءات القضائية بحقه. وأعلنت جامعة بار إيلان، وفق تقارير إسرائيلية، تعليق عمله إلى حين انتهاء الإجراءات القضائية.
وبحسب لائحة الاتهام، بدأ المحاضر في بلورة مخططه في شباط/فبراير 2023، وواصل تطويره على مدى سنوات، واضعًا تصورًا لهجمات واسعة ومتزامنة على بلدات عربية ومدن مختلطة، بهدف قتل مئات الفلسطينيين والعرب وإحداث حالة من الرعب تدفع آخرين إلى الرحيل باتجاه الأردن ولبنان وقطاع غزة.
وأطلق المتهم على خطته اسمًا عبريًا مختصرًا «عيط»، يشير، وفق الترجمة التي أوردتها وسائل الإعلام الإسرائيلية، إلى فكرة تنفيذ «الترانسفير» أو التهجير الجماعي.
12 خلية و72 مسلحًا
وتكشف لائحة الاتهام عن مخطط يقوم على تشكيل 12 خلية، تضم كل منها ستة أشخاص، بإجمالي 72 منفذًا يهوديًا، على أن يكون نصفهم على الأقل من حاملي تراخيص السلاح، وأن يشارك المتهم نفسه في التنفيذ.
وكان من المفترض، وفق الادعاء الإسرائيلي، أن تستخدم تلك الخلايا مسدسات وبنادق، إلى جانب فؤوس ومطارق، لتنفيذ هجمات مفاجئة ومتزامنة داخل بلدات عربية ومدن مختلطة.
وتشير تقارير إسرائيلية إلى أن التصور الذي أعده المتهم قدر عدد الضحايا المحتملين بما يتراوح بين 600 و700 شخص، في إطار خطة لم تكن تستهدف أفرادًا بعينهم بقدر ما سعت، وفق لائحة الاتهام، إلى إحداث صدمة جماعية واسعة تقود إلى تهجير السكان.
وتضمن المخطط كذلك، بحسب النيابة، السعي إلى تجنيد جهات متعاطفة داخل جيش الاحتلال لتوفير إسناد للخلايا، بما في ذلك استخدام سلاح الجو والمدفعية والمدرعات ضد مناطق سكنية عربية.
كما أعد المتهم وثائق مكتوبة تضمنت تعليمات للسيطرة على الطرق ومداخل ومخارج البلدات والمناطق المختلطة والمستشفيات، والدعوة إلى تنفيذ عمليات قتل جماعي، بما في ذلك استهداف النساء والأطفال.
وتوضح لائحة الاتهام أن المتهم كان يعتقد أن تنفيذ الهجمات بصورة متزامنة، وتصويرها وبثها عبر شبكات التواصل الاجتماعي، سيخلق حالة من الذعر تدفع الفلسطينيين في الداخل والقدس الشرقية والضفة الغربية إلى مغادرة مناطقهم.
وبحسب المادة المرفقة، أجرى المتهم كذلك جولات استطلاعية في بلدات عربية، بينها طوبا الزنغرية في الجليل، وأعد وثائق تفصيلية وحاول على مدى نحو عام ونصف استقطاب مشاركين للمخطط.
«هآرتس»: الشاباك لم يرد الاقتراب من الملف
لكن البعد الأكثر إثارة في القضية برز، بحسب ما كشفته صحيفة «هآرتس»، في طريقة تعامل «الشاباك» معها.
فالصحيفة أفادت بأن الجهاز، رغم امتلاكه وحدة مختصة بالأنشطة المرتبطة بما يسمى «الإرهاب اليهودي»، اكتفى بإجراء استيضاح قصير مع المحاضر، قبل أن يحيل الملف إلى الشرطة، ولم يشارك حتى في عملية تفتيش منزله.
وبحسب التقرير، وصلت القضية إلى مستويات عليا في الجهاز، وصدرت تعليمات بعدم تولي «الشاباك» التحقيق فيها، رغم أن المحاضر كان يحمل سلاحًا مرخصًا، وأن التحقيق كشف عن انتقاله من صياغة أفكار إلى خطوات عملية شملت إعداد وثائق، وإجراء استطلاع ميداني ومحاولات لتجنيد مشاركين.
ونقلت «هآرتس» عن مصادر مطلعة على الملف انتقادها لطريقة تعامل الجهاز مع القضية، قائلة إن تعامل «الشاباك» معها اتسم، منذ البداية، بالفتور، رغم وجود خطة أيديولوجية منظمة وشخص يحمل سلاحًا ويعمل على تطويرها.
ويضع ذلك فجوة لافتة بين خطورة الوقائع التي تسردها النيابة وبين مستوى تدخل الجهاز الأمني؛ إذ تصف النيابة المخطط بأنه مشروع أيديولوجي ممتد لسنوات وينطوي على خطر واسع على الجمهور، بينما تقول «هآرتس» إن «الشاباك» خرج من التحقيق سريعًا وأبقى الملف في يد الشرطة.
محاولة الوصول إلى فيغلين وشخصيات يمينية
وتظهر التحقيقات أن المتهم سعى كذلك إلى الوصول إلى شخصيات سياسية وأمنية وإعلامية وأكاديمية يمينية يعتقد أنها قد تساعده في توسيع دائرة المشاركين.
ومن أبرز الأسماء التي حاول التواصل معها السياسي اليميني موشيه فيغلين، زعيم حزب «زهوت»، الذي يخوض الانتخابات الإسرائيلية ضمن تحالف مع بتسلئيل سموتريتش.
وبحسب لائحة الاتهام، تصور المتهم استخدام فعالية انتخابية مرتبطة بفيغلين غطاءً لجمع عشرات الأشخاص، قبل إبلاغهم بالهدف الحقيقي المتمثل في تجنيدهم لتنفيذ الهجمات في اليوم التالي.
إلا أن محاولاته لم تنجح، وتفيد الرواية الإسرائيلية بأن فيغلين أبلغ الشرطة في نهاية المطاف، فيما تنسب النيابة إلى المحاضر محاولة ابتزازه وتهديده بإلحاق ضرر سياسي به إذا لم يتجاوب معه.
كما حاول المتهم، بحسب التحقيق، التواصل مع إعلاميين وأكاديميين ومسؤولين أمنيين سابقين وشخصيات محسوبة على اليمين الإسرائيلي، معتقدًا أنها قد تساعده في الوصول إلى داعمين أو مجندين محتملين.
قضية تتجاوز متهمًا واحدًا
ولا تقتصر دلالة القضية على حجم المخطط المنسوب إلى المحاضر، بل تمتد إلى طريقة تعامل مؤسسات الأمن الإسرائيلية معه.
فالنيابة تتحدث عن مشروع منظم لتشكيل شبكة مسلحة، وتنفيذ هجمات متزامنة ضد تجمعات فلسطينية وعربية وقتل المئات بهدف التهجير الجماعي، إلى جانب محاولة الاستعانة بعناصر من المؤسسة العسكرية والحصول على دعم سياسي وشعبي للخطة.
وفي المقابل، تثير المعلومات التي أوردتها «هآرتس» بشأن عدم تولي «الشاباك» التحقيق تساؤلات حول معايير تدخل الجهاز في ملفات «الإرهاب اليهودي»، خصوصًا مع انتقال المخطط، وفق لائحة الاتهام، من مستوى الأفكار المكتوبة إلى الاستطلاع الميداني ومحاولات التجنيد وحيازة السلاح.
وبذلك يتحول الملف من قضية جنائية تتعلق بمحاضر جامعي متهم بالتخطيط لهجمات، إلى اختبار أوسع لطريقة تعامل أجهزة الأمن الإسرائيلية مع التهديدات الأيديولوجية المسلحة الصادرة عن متطرفين يهود، ومدى تطبيق المعايير الأمنية نفسها عندما يكون المستهدفون فلسطينيين وعربًا.
