تأجيل الانتخابات الفلسطينية يفجّر سجالًا سياسيًا واسعًا.. ترحيب مشروط بالحوار وتحذيرات من تعميق أزمة الشرعية والانقسام

الانتخابات المحلية 2026.jpeg

تأجيل الانتخابات يعمّق الخلاف الفلسطيني.. ترحيب فصائلي وانتقادات لأزمة الشرعية.. انقسام في المواقف ودحلان وفتح يتبادلان الاتهامات

أثار قرار الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبومازن) تأجيل الانتخابات التشريعية إلى سبتمبر/أيلول 2027 وإجراءها بالتزامن مع الانتخابات الرئاسية موجة واسعة من المواقف السياسية المتباينة، كشفت عن استمرار الخلافات بشأن مستقبل النظام السياسي الفلسطيني وآليات تجديد شرعية مؤسساته، بين قوى رحبت بالقرار باعتباره فرصة لإطلاق حوار وطني شامل، وأخرى حذرت من تداعياته على الحياة الديمقراطية وتعميق الانقسام، فيما تصاعد السجال بين قيادات في حركة فتح والقيادي محمد دحلان، وامتد إلى مواجهة سياسية مع وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر.

وبينما أكدت اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية أن الإجراءات الإسرائيلية والظروف الأمنية والميدانية تحول دون إجراء انتخابات حرة وشاملة في موعدها السابق، اعتبرت حركتا حماس والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أن التأجيل يمكن أن يشكل مدخلًا لإعادة ترتيب البيت الداخلي، شريطة ترجمته إلى حوار وطني جاد وملزم، في حين انتقد قياديون في الجبهة الديمقراطية القرار، محذرين من إطالة أمد الأزمة السياسية والمؤسسية.

وتزامنت هذه المواقف مع هجوم حاد شنه دحلان على الرئيس عباس، متهمًا إياه بمصادرة إرادة الفلسطينيين وتكريس حكم فاقد للشرعية، قبل أن يرد الناطق باسم حركة فتح عبد الفتاح دولة برفض ما وصفه بتوظيف الملف الانتخابي لتصفية الحسابات السياسية والشخصية.

مرسوم رئاسي ينقل الانتخابات إلى سبتمبر 2027

وأصدر الرئيس محمود عباس، السبت 10 أكتوبر/تشرين الأول 2026، مرسومًا رئاسيًا بإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية بصورة متزامنة في 11 سبتمبر/أيلول 2027، بعد إلغاء المرسوم رقم (4) لسنة 2026، الذي حدد 28 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل موعدًا للانتخابات التشريعية.

وجاء المرسوم استنادًا إلى قرار اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، عقب مشاورات مع الفصائل والقوى السياسية بشأن العقبات التي تحول دون إجراء الانتخابات في موعدها المقرر. 

وأوضحت اللجنة التنفيذية أن الظروف السياسية والأمنية والميدانية تغيرت بصورة جوهرية، خصوصًا في قطاع غزة، مشيرة إلى استمرار وجود قوات الاحتلال، وعدم استكمال ترتيبات الانسحاب وإعادة الإعمار، والقيود المفروضة على حركة طواقم لجنة الانتخابات المركزية والمراقبين.

كما أشارت إلى استمرار اقتحامات قوات الاحتلال واعتداءات المستوطنين والتوسع الاستيطاني والحواجز العسكرية في الضفة الغربية، إلى جانب العراقيل المفروضة على مشاركة الفلسطينيين في القدس الشرقية، معتبرة أن هذه الظروف تحول دون ضمان انتخابات شاملة وآمنة ونزيهة. 

وأكدت اللجنة أن تعديل الموعد لا يعني التخلي عن الاستحقاق الانتخابي، وإنما يهدف إلى توفير الظروف المناسبة لتنفيذه، وإتاحة المجال لإجراء حوار وطني شامل يعالج القضايا السياسية والقانونية والميدانية المرتبطة بالانتخابات.

حماس والشعبية ترحبان بالتأجيل وتربطانه بإصلاح النظام السياسي

ورحبت حركة حماس بقرار تأجيل الانتخابات إلى العام المقبل، واعتبرته «خطوة في الاتجاه الصحيح»، في ظل عدم توافر الظروف السياسية والأمنية والميدانية اللازمة لإجراء انتخابات حرة ونزيهة في جميع الأراضي الفلسطينية، بما فيها القدس.

وأكدت الحركة، في بيان، ضرورة أن يقود القرار إلى حوار وطني شامل وجاد، يفضي إلى تفاهمات ملزمة بشأن إعادة بناء المؤسسات الوطنية وإصلاحها، وترتيب البيت الفلسطيني على أسس ديمقراطية وتشاركية.

وأبدت استعدادها للانخراط في الحوار للتوافق على آليات إعادة تشكيل المجلسين الوطني والتشريعي، ووضع استراتيجية وطنية موحدة تتناول البرنامج السياسي وإدارة المرحلة الانتقالية ومواجهة التحديات التي تتعرض لها القضية الفلسطينية، ولا سيما في قطاع غزة.

بدورها، رحبت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بالمرسوم الرئاسي وقرار اللجنة التنفيذية، بما يشمل تعديل موعد الانتخابات التشريعية وتجميد العمل بالمجمعات الانتخابية للمجلس الوطني في الخارج، والاتجاه نحو حوار وطني شامل.

ورأت الجبهة أن القرار يشكل فرصة للبناء على التفاهمات التي شهدتها القاهرة ورام الله، بما يفتح المجال أمام معالجة أزمة النظام السياسي الفلسطيني وإعادة بناء المؤسسات الوطنية.

وشددت على أن مبادرتها «خارطة طريق من أجل الإنقاذ الوطني» يجب أن تشكل أساسًا للحوار، مؤكدة أن نجاحه يتطلب الانتقال من التفاهمات العامة إلى خطوات تنفيذية ملزمة، تستند إلى جدول زمني واضح وآليات محددة للمتابعة.

ودعت إلى إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية على أسس الشراكة الوطنية الشاملة، وضمان مشاركة جميع القوى في مؤسساتها، والتوافق على برنامج سياسي واستراتيجية موحدة لإدارة الصراع مع الاحتلال.

الديمقراطية تحذر من عام جديد من الانقسام وأزمة الشرعية

في المقابل، برز موقف نقدي من داخل الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، إذ حذر عضو مكتبها السياسي معتصم حمادة من أن تأجيل الانتخابات حتى سبتمبر المقبل قد يعني استمرار الانقسام السياسي لعام إضافي، وتعميق حالة التشتت والتفرد في إدارة المؤسسات الوطنية.

واعتبر حمادة أن التأجيل، خصوصًا إذا جرى خارج إطار الحوار والتوافق الوطني، يكرس استمرار نظام سياسي يعاني من العجز المؤسسي وغياب الهيئات الوطنية الجامعة، ويؤجل استحقاقات الإصلاح والشراكة الديمقراطية.

وحذر من أن التعويل على تغير الظروف الإسرائيلية خلال العام المقبل لا يقدم ضمانة فعلية لإجراء الانتخابات، معتبرًا أن استمرار إرجاء الاستحقاق الانتخابي يفاقم أزمة الثقة بين الفلسطينيين ومؤسساتهم، ويحرمهم من تجديد تمثيلهم السياسي.

وفي السياق ذاته، قال عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، والقيادي في الجبهة الديمقراطية رمزي رباح، إن تأجيل الانتخابات بالصيغ المطروحة لا يعالج الأزمة الداخلية، بل يسهم في إطالة أمد الانقسام وإبقاء النظام السياسي في حالة من الجمود.

وأكد رباح أن الانتخابات العامة والحوار الوطني استحقاقان متلازمان لا يجوز الفصل بينهما، داعيًا إلى حوار عاجل بمشاركة جميع القوى والفصائل، يفضي إلى ترتيبات واضحة وملزمة لإعادة بناء النظام السياسي وتجديد شرعية المؤسسات الوطنية.

وشدد على أن موقف الجبهة الديمقراطية الداعي إلى إجراء الانتخابات لا يتغير بتبني اللجنة التنفيذية قرار التأجيل، معتبرًا أن المسار الديمقراطي ضرورة لمعالجة الأزمة السياسية والمؤسسية، وليس مجرد إجراء تنظيمي يمكن تأجيله دون تبعات.

دحلان يتهم عباس بمصادرة إرادة الفلسطينيين وفتح ترد

وفي موازاة مواقف الفصائل، اتخذ السجال السياسي منحى أكثر حدة، بعد أن شن القيادي الفلسطيني محمد دحلان هجومًا على الرئيس محمود عباس، معتبرًا أن قرار تأجيل الانتخابات للمرة الثانية يمثل «جريمة موصوفة بحق الديمقراطية»، ومحاولة لمصادرة إرادة الفلسطينيين وتكريس سلطة قال إنها فقدت شرعيتها الدستورية والقانونية والأخلاقية.

واتهم دحلان، في منشور عبر «فيسبوك»، عباس والمحيطين به بتحويل مؤسسات السلطة الفلسطينية إلى ما وصفه بـ«إقطاعية خاصة»، وتقويض فرص بناء مؤسسات وطنية فاعلة وقيادة منتخبة تخضع للقانون والمساءلة.

واعتبر أن القرار يعكس خشية القيادة الحالية من نتائج صناديق الاقتراع، متهمًا إياها بتوظيف مؤسسات السلطة وحركة فتح ومنظمة التحرير للحفاظ على نفوذها السياسي.

وحذر دحلان من أن استمرار تعطيل الانتخابات يغلق المجال أمام الأجيال الشابة ويمنع ملايين الفلسطينيين من ممارسة حقهم في اختيار ممثليهم، معلنًا التوجه نحو توسيع الحوار مع مختلف القوى الوطنية والسياسية لتشكيل جبهة ضغط شعبي وسياسي، تكون الطاقات الشبابية ركيزتها الأساسية.

ورد عضو المجلس الثوري والناطق باسم حركة فتح عبد الفتاح دولة على تصريحات دحلان، معتبرًا أن توظيف قرار الانتخابات لإطلاق الاتهامات والتشكيك بالشرعيات الوطنية لن يغير من موقف الحركة الداعم لإجراء الانتخابات.

وقال دولة إن فتح لم تطلب تأجيل الانتخابات، وإنما تعاملت بمسؤولية مع مبادرات الفصائل والتحديات التي يفرضها الاحتلال، مؤكدًا أن الديمقراطية لا تتحقق بالشعارات والمزايدات أو باستغلال الظروف الوطنية لتصفية الحسابات الشخصية.

وأضاف أن من يتحدث عن الديمقراطية عليه أن يبدأ بمراجعة تجربته السياسية، وأن يحترم الإرادة الفلسطينية ومرجعياتها الوطنية، بدلًا من تحويل الخلافات والحسابات الشخصية إلى منصة لتبادل الاتهامات.

وأكد أن حركة فتح أكبر من حملات التشويه، مشددًا على أن المعركة الأساسية تبقى مع الاحتلال ومخططاته، ومع كل ما يهدد وحدة الفلسطينيين وحقوقهم الوطنية.

حسين الشيخ يرد على ساعر: الاحتلال يعطل الديمقراطية الفلسطينية

وامتد الجدل بشأن تأجيل الانتخابات إلى المستوى الإسرائيلي، بعدما انتقد وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر القرار، ما استدعى ردًا حادًا من نائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ.

وقال الشيخ، في منشور عبر منصة «إكس»، إن إظهار وزير خارجية الاحتلال الحرص على مستقبل الديمقراطية الفلسطينية يمثل محاولة لتضليل الرأي العام، في وقت تتحمل فيه إسرائيل، وفق قوله، المسؤولية المباشرة عن تعطيل العملية الديمقراطية نتيجة جرائمها وإجراءاتها وعنفها المتواصل بحق الفلسطينيين.

وأضاف أن الجهة المسؤولة عن القتل والعدوان اليومي بحق الفلسطينيين لا يحق لها تقديم المواعظ بشأن الديمقراطية أو الحقوق السياسية.

وأكد أن سياسات الاحتلال، بما تتضمنه من اعتداءات عسكرية وتوسع استيطاني وقيود على الحركة، تقوض إمكانية إجراء استحقاقات وطنية وديمقراطية في ظروف طبيعية. 

مواقف تدعو إلى تحويل التأجيل لمسار وطني ملزم

من جانبها، أكدت حركة المجاهدين الفلسطينية أن الأولوية الوطنية العاجلة تتمثل في إغاثة الفلسطينيين ووقف العدوان على قطاع غزة وكسر الحصار والتصدي لمخططات التهجير.

وشددت الحركة على أهمية إعادة بناء المؤسسات الوطنية وإصلاحها على أسس تشاركية، بما ينهي حالة التفرد والإقصاء، ويضمن مشاركة مختلف القوى في صنع القرار.

ورأت أن الانتخابات استحقاق وطني لا يجوز إخضاعه للمماطلة أو التسويف، داعية إلى أن تتبع قرار التأجيل خطوات عملية لمعالجة العقبات القائمة وتوفير ضمانات انتخابات حرة ونزيهة.

بدوره، رحب المكتب السياسي لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني بالمرسوم الرئاسي، معتبرًا أن إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية بالتزامن يمكن أن يشكل محطة لتجديد الشرعيات وتعزيز وحدة النظام السياسي.

وأكد أن المعركة الانتخابية لا ينبغي اختزالها في الجوانب الإجرائية، بل يجب أن تشكل مواجهة سياسية مع مخططات الاحتلال الرامية إلى تقويض المشروع الوطني الفلسطيني، وتوسيع الاستيطان، وتهويد القدس، وفصل قطاع غزة عن الضفة الغربية.

ودعا إلى مواصلة الحوار الوطني وتحويل الموعد الانتخابي الجديد إلى محطة لتعزيز الشراكة السياسية والديمقراطية، وضمان مشاركة الفلسطينيين في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة.

أزمة انتخابات تتجاوز تغيير الموعد

ويعيد قرار التأجيل ملف تجديد الشرعية الفلسطينية إلى واجهة المشهد السياسي، في ظل غياب الانتخابات الرئاسية منذ عام 2005 والتشريعية منذ عام 2006، واستمرار الانقسام الفلسطيني الذي أعقب أحداث عام 2007.

وكانت الانتخابات العامة المقررة عام 2021 قد أُرجئت أيضًا، ما أبقى المؤسسات الفلسطينية دون تجديد شامل لشرعيتها عبر صناديق الاقتراع، وسط خلافات متواصلة بشأن شروط إجراء الانتخابات وضمان شمولها القدس والضفة الغربية وقطاع غزة. 

ورغم تباين مواقف القوى الفلسطينية من قرار التأجيل، تتقاطع معظم التصريحات الصادرة السبت عند الدعوة إلى حوار وطني شامل وإصلاح المؤسسات السياسية، لكنها تختلف بشأن جدوى التأجيل ومدى ارتباطه بعقبات الاحتلال أو بالأزمة الداخلية للنظام السياسي.

ويطرح هذا التباين تحديًا أمام القوى الفلسطينية لتحويل الموعد الجديد إلى مسار عملي، يضمن إجراء الانتخابات ويعالج ملفات الانقسام والشراكة المؤسسية، بدلًا من الاكتفاء بتعديل المواعيد دون معالجة الأسباب التي حالت دون إنجاز الاستحقاقات الانتخابية السابقة.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - رام الله/غزة