هاجم «مجلس السلام» الذي أسسه الرئيس الأميركي دونالد ترامب للإشراف على ترتيبات ما بعد الحرب في قطاع غزة، تحقيقًا نشرته صحيفة «التلغراف» البريطانية كشف عن ارتباطات استثمارية لأعضاء في المجلس بشركات إسرائيلية تعمل في الصناعات العسكرية وترتبط بأنشطة استيطانية في الضفة الغربية المحتلة، معتبرًا أن التقرير يثير شبهات تضارب مصالح دون تقديم أدلة على تأثير تلك العلاقات التجارية في قرارات المجلس.
وجاء رد المجلس في سلسلة منشورات عبر حسابه الرسمي على منصة «إكس»، عقب تحقيق نشرته الصحيفة البريطانية في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2026، تناول العلاقات المالية والاستثمارية لعدد من الشخصيات المشاركة في المجلس، وفي مقدمتها جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي، الذي يمتلك صندوقه الاستثماري «أفينيتي بارتنرز» حصة في مجموعة «فينيكس فايننشال» الإسرائيلية.
وبحسب تحقيق «التلغراف»، فإن خمسة من أعضاء مجلس السلام تربطهم علاقات استثمارية، عبر مؤسسات مالية، بشركة «سمارت شوتر» الإسرائيلية المتخصصة في تطوير أنظمة التصويب المدعومة بالذكاء الاصطناعي وتقنيات الأسلحة، والتي حصلت على عقد مع الجيش الأميركي تصل قيمته إلى 150 مليون دولار.
وأشارت الصحيفة إلى أن تقنيات الشركة استُخدمت في العمليات العسكرية الإسرائيلية بقطاع غزة، فيما سلط التحقيق الضوء على استثمارات أخرى مرتبطة بمشاريع الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية المحتلة، إلى جانب علاقات تجارية بشركات تواجه دعاوى قضائية في الولايات المتحدة بشأن أنشطة مرتبطة بقطاع غزة.
ووفق المعلومات التي أوردتها الصحيفة، يمتلك صندوق «أفينيتي بارتنرز»، الذي أسسه كوشنر، نحو 7.4% من مجموعة «فينيكس»، وهي مؤسسة مالية إسرائيلية تدير استثمارات واسعة في قطاعات متعددة، من بينها شركات مرتبطة بالصناعات العسكرية.
كما أشار التحقيق إلى امتلاك «فينيكس» حصصًا في 11 شركة مرتبطة بالمستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، ومدرجة ضمن قاعدة بيانات أممية للشركات ذات الصلة بالأنشطة الاستيطانية.
مجلس السلام يرفض الاتهامات ويتهم الصحيفة بالتلميح دون أدلة
وردًا على التحقيق، قال مجلس السلام إن «التلغراف» لم تتمكن من تحديد عقد واحد أبرمه المجلس أو قرار مشتريات أو إجراء دبلوماسي تأثر بالمصالح التجارية التي تناولها التقرير، متهمًا الصحيفة بالاعتماد على الإيحاءات بدل تقديم أدلة تثبت وجود تضارب مصالح فعلي.
1/ The Telegraph calls this an “investigation” into the Board of Peace, and by its own admissions and reporting, it fails to identify a single Board of Peace contract, procurement decision or diplomatic action influenced by the commercial interests it describes. There’s a whole lot of insinuation and very little substance conveniently wrapped into a sensationalized headline. Let us explain. 🧵
— Board of Peace (@BoardOfPeace) October 11, 2026
وأضاف المجلس أن «أفينيتي» تمتلك حصة أقلية في «فينيكس»، وهي واحدة من أكبر المؤسسات المالية المدرجة في البورصة الإسرائيلية والخاضعة للرقابة التنظيمية، وتدير أصولًا واستثمارات تقدر بنحو 220 مليار دولار موزعة على آلاف الأدوات المالية والشركات.
وأوضح أن ارتباط «فينيكس» بشركة الأسلحة الإسرائيلية جاء من خلال محافظ استثمارية تديرها المؤسسة، مشددًا على أن العقد العسكري البالغ 150 مليون دولار أبرمته الشركة مع الحكومة الأميركية، وليس مع مجلس السلام.
ونفى المجلس أن يكون قد تدخل في إبرام العقد أو اتخاذ أي قرار متعلق به، مؤكدًا عدم وجود دليل على تحقيق منفعة شخصية لأعضاء المجلس نتيجة هذه العلاقات الاستثمارية.
واعتبر أن الربط بين الاستثمار في مؤسسة مالية تمتلك محافظ متنوعة وبين القرارات السياسية للمجلس لا يكفي وحده لإثبات وجود تضارب مصالح، مطالبًا بالتمييز بين الملكية الاستثمارية غير المباشرة والتأثير الفعلي في القرارات الرسمية.
استثمارات كوشنر تثير تساؤلات بشأن الفصل بين المصالح الخاصة والدور الدبلوماسي
ولا يقتصر الجدل على تحقيق «التلغراف»، إذ كشف تحقيق منفصل نشرته شبكة «سي إن إن» مطلع أكتوبر/تشرين الأول الجاري، استنادًا إلى سجلات مالية إسرائيلية، أن مجموعة «فينيكس» تمتلك استثمارات تزيد قيمتها على 456 مليون دولار في تسع شركات على الأقل توفر معدات وتقنيات مرتبطة بالعمليات العسكرية الإسرائيلية.
وشملت هذه الاستثمارات شركات تعمل في تصنيع الأسلحة والطائرات المسيّرة والمعدات البحرية ومكونات الدبابات والذخائر، من بينها شركة «إلبيت سيستمز»، إحدى أبرز شركات الصناعات العسكرية الإسرائيلية.
وأشارت الشبكة إلى أن شركة كوشنر لا تمتلك تلك الشركات العسكرية بصورة مباشرة، لكنها قد تستفيد بصورة غير مباشرة من الأرباح التي تحققها استثمارات «فينيكس»، في ظل الجمع بين الدور الدبلوماسي لكوشنر ومصالحه الاستثمارية الخاصة.
في المقابل، نفى محامي كوشنر أن يكون موكله مسؤولًا عن تحديد استثمارات «فينيكس» أو اتخاذ قراراتها المتعلقة بشراء حصص في الشركات العسكرية، فيما أكد كوشنر أن استثمار «أفينيتي» في المجموعة الإسرائيلية معلن ويعود إلى فترة سبقت عودته إلى العمل الدبلوماسي مع إدارة ترامب.
انتقادات لدور المجلس في غزة وسط تعثر إعادة الإعمار
ويأتي الجدل بشأن المصالح الاستثمارية لأعضاء مجلس السلام في وقت تواجه فيه الترتيبات المتعلقة بمستقبل قطاع غزة تحديات سياسية وأمنية كبيرة، مع استمرار تعثر تنفيذ أجزاء أساسية من خطة وقف إطلاق النار وإعادة الإعمار.
وكان المجلس قد أكد، في رده على تحقيق «التلغراف»، أن جهوده أسهمت في تطوير ترتيبات أمنية وإدارية للمرحلة الانتقالية، مشيرًا إلى الاستعدادات المتعلقة بقوة الاستقرار الدولية والإدارة الانتقالية في القطاع.
غير أن تقارير دولية تشير إلى أن إعادة إعمار غزة لم تشهد تقدمًا جوهريًا حتى الآن، فيما تستمر الخلافات بشأن الانسحاب الإسرائيلي والترتيبات الأمنية والإدارية اللازمة لبدء مرحلة إعادة الإعمار.
2/ The defense company allegation is a masterclass in manufacturing a conflict. Affinity owns a minority stake in Phoenix, one of Israel's largest publicly traded, highly regulated financial institutions, managing approximately $220 billion across thousands of investments. Through its managed portfolios, Phoenix held shares in a small defense company that later won a *U.S. government* contract, not a Board of Peace contract. An intrepid investigative journalist surely could have uncovered this critical distinction. 🤔
— Board of Peace (@BoardOfPeace) October 11, 2026
ويطرح تحقيق الصحيفة البريطانية، إلى جانب الرد الرسمي عليه، تساؤلات تتعلق بمدى شفافية المصالح المالية لأعضاء الهيئات الدولية المكلفة بإدارة ملفات سياسية وإنسانية حساسة، خصوصًا عندما ترتبط استثماراتهم بقطاعات عسكرية أو بأنشطة في الأراضي التي تشملها مهام تلك الهيئات.
ومع أن التحقيق لم يقدم دليلًا على أن استثمارات أعضاء المجلس أثرت بصورة مباشرة في قراراته، فإنه كشف عن علاقات مالية تستدعي، وفق المعايير المتبعة لمنع تضارب المصالح، الإفصاح والرقابة والتمييز الواضح بين المصالح التجارية الخاصة والمسؤوليات السياسية والدبلوماسية.
