انطلقت شرارة الانتفاضة الأولى في 8 كانون الأول/ديسمبر 1987، عقب قيام سائق شاحنة عسكرية تابعة للاحتلال بدهس مركبة تقلّ عمالاً فلسطينيين بشكل متعمّد قرب حاجز بيت حانون (إيرز) شمال قطاع غزة، ما أدى إلى استشهاد أربعة عمال من مخيم جباليا وجرح آخرين. وفي اليوم التالي، تحولت جنازة الشهداء في مخيم جباليا إلى انتفاضة شعبية عارمة سرعان ما امتدت شرارتها لتعمّ كافة مدن وقرى ومخيمات قطاع غزة والضفة الغربية وفي قلبها القدس المحتلة.
جاءت الانتفاضة نتاج تراكم عقود من القمع العسكري، ومصادرة الأراضي، والتوسع الاستيطاني، وسياسات التضييق الاقتصادي التي مارستها سلطات الاحتلال منذ عام 1967. وتولت «القيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة» بالتكامل مع منظمة التحرير الفلسطينية توجيه الحراك الميداني وتنظيم الفعاليات اليومية عبر بياناتها السرية المتتابعة التي كان يوزعها الشبان في الأزقة والمساجد والجامعات.
المرتكزات والسمات الميدانية والسياسية
المقاومة الشعبية الشاملة ورمزية "الحجر": شاركت في الانتفاضة كافة فئات وشرائح المجتمع الفلسطيني من شبان ونساء وأطفال وطلبة وعمال وتجار؛ حيث واجه الفلسطينيون بصدورهم العزلاء وبـ "الحجارة" آلة الاحتلال العسكرية المدججة بالسلاح، وصمدوا في وجه سياسة "تكسير العظام"، والرصاص الحي، والاعتقالات الجماعية لعشرات الآلاف، وإغلاق الجامعات والمدارس، وسياسة الإبعاد القسري وفرض حظر التجول.
العصيان المدني والتنظيم الذاتي: أفرزت الانتفاضة تجربة رائدة في التكافل الاجتماعي وفك الارتباط عن مؤسسات الاحتلال؛ إذ تشكّلت اللجان الشعبية والصحية والتعليمية والزراعية في كل حي ومخيم لتأمين احتياجات الأهالي وتنظيم التعليم الشعبي البديل، بالتوازي مع الإضرابات التجارية الشاملة، ومقاطعة بضائع الاحتلال، والامتناع عن دفع الضرائب، والعودة إلى الأرض والزراعة المنزلية تحت شعار الاكتفاء الذاتي.
نقل مركز الثقل النضالي إلى الداخل المحتل: نجحت الانتفاضة في تثبيت مركز المواجهة المباشرة فوق الأرض الفلسطينية المحتلة، وأسقطت رهانات الاحتلال على طمس الهوية الوطنية أو تمرير مشاريع "الإدارة المدنية" والروابط البديلة عن منظمة التحرير الفلسطينية.
التحول السياسي وإعلان الاستقلال: أحدثت تضحيات الانتفاضة -التي قدّم خلالها الشعب الفلسطيني أكثر من 1,500 شهيد وعشرات آلاف الجرحى والأسرى- تحولاً دولياً واسعاً كشف الوجه القمعي للاحتلال أمام الرأي العام العالمي، وتُوّجت سياسياً بإعلان وثيقة الاستقلال الفلسطيني في دورة المجلس الوطني بالجزائر في 15 تشرين الثاني/نوفمبر 1988، وإعادة القضية الفلسطينية إلى صدارة الأجندة السياسية والدولية.