دخلت ترتيبات «اليوم التالي» في قطاع غزة مرحلة جديدة من التعقيد، مع كشف مصادر فلسطينية وغربية عن أن نيكولاي ملادينوف، الممثل السامي لغزة في «مجلس السلام»، يدرس مع إسرائيل خيارات ميدانية للتقدم في المرحلة الثانية من خطة وقف إطلاق النار، أبرزها إدخال «لجنة إدارة غزة» التي يقودها علي شعث إلى مناطق قد تنسحب منها القوات الإسرائيلية داخل القطاع، لتتولى اللجنة المسؤولية المدنية هناك، بالتزامن مع نشر عناصر شرطية جديدة بدعم من دول عربية.
وبحسب مصدر غربي قريب من مكتب ملادينوف، فإن هذا التوجه «يشير إلى اتخاذ القرار من دون تنسيق أو موافقة حركة حماس»، على أن يكون الهدف المعلن هو تحسين الأوضاع المعيشية وتشجيع سكان من القطاع على الانتقال إلى مناطق تتولى اللجنة إدارتها. لكن هذه الفكرة، في حال المضي بها، قد تفتح الباب أمام واقع إداري وأمني مزدوج داخل غزة، بين مناطق خاضعة لنفوذ «حماس» وأخرى تديرها اللجنة تحت مظلة «مجلس السلام» وبترتيبات منسقة مع إسرائيل.حسب تقرير لصحيفة «الشرق الأوسط».
ويأتي ذلك في ظل تعثر الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، الذي بدأ في أكتوبر 2025، بعد إنجاز المرحلة الأولى المتعلقة بالإفراج عن المحتجزين الإسرائيليين مقابل إطلاق سراح أسرى فلسطينيين. وتتمسك إسرائيل والولايات المتحدة ببند نزع سلاح «حماس» باعتباره شرطاً محورياً للمضي قدماً، بينما تصر الحركة والفصائل الفلسطينية على تنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى، وفي مقدمتها الانسحاب الإسرائيلي وتوسيع دخول المساعدات، قبل الانتقال إلى نقاشات السلاح والترتيبات الأمنية.
وخلال إحاطة مع الصحافة الأجنبية في القدس، الأربعاء 13مايو/أيار 2026، قال ملادينوف إن وقف إطلاق النار في غزة «قائم» لكنه «أبعد من أن يكون مثالياً»، مشيراً إلى وجود انتهاكات يومية بعضها «خطير جداً». وأضاف أن الهدنة، بصورتها الحالية، لم تلبِّ تطلعات الإسرائيليين ولا الفلسطينيين، في وقت لا يزال فيه الوضع الإنساني شديد الصعوبة، ومسار إعادة الإعمار شبه متوقف.
وفي موقف لافت، شدد ملادينوف على أن «حماس» مطالبة بالتخلي عن سلاحها، لكنه أوضح في الوقت ذاته أنه «لم يُطلب منها أن تختفي كحركة سياسية». وقال إن غير القابل للتفاوض هو بقاء فصائل أو ميليشيات مسلحة تمتلك هياكل قيادة عسكرية وترسانات وشبكات أنفاق موازية لسلطة فلسطينية انتقالية.
وتشير تصريحات ملادينوف إلى أن «مجلس السلام» يحاول الفصل بين مستقبل «حماس» السياسي ومستقبل جناحها العسكري، وهي معادلة ترفضها إسرائيل جزئياً، وتتعامل معها «حماس» بريبة، خصوصاً أن الحركة ترى في أي ترتيبات إدارية لا تمر عبر توافق فلسطيني محاولة لتجاوزها وفرض وقائع جديدة على الأرض.
في المقابل، صعّدت «حماس» انتقاداتها لملادينوف. وقال الناطق باسم الحركة حازم قاسم إن «حماس» تجدد دعوتها إلى التمكين الفوري للجنة الوطنية لإدارة غزة من دخول القطاع وتحمل مسؤولياتها كاملة، مؤكداً أن الحركة اتخذت من جانبها «كل الخطوات اللازمة لتسليم مجالات الحكم كافة إلى اللجنة الوطنية». لكنه استغرب، في الوقت نفسه، مطالبة إدارة غزة القائمة بالتنحي قبل السماح للجنة بالدخول، معتبراً أن ذلك قد يدفع القطاع إلى «حالة من الفوضى والانفلات» التي قال إن إسرائيل تسعى إليها.
كما هاجم القيادي في «حماس» باسم نعيم ملادينوف بحدة، معتبراً أنه «غير جدير» بتولي الإدارة الانتقالية في غزة، واتهمه بتبني «مواقف ومصطلحات فاشية وعنصرية ضد حماس»، وذلك بعد إعادة نشر ملادينوف منشوراً يتهم الحركة بمنع مقاولين فلسطينيين من العمل في مشروع لإقامة تجمعات مؤقتة في مناطق خاضعة للسيطرة الإسرائيلية جنوب القطاع.
وكانت تقارير إسرائيلية قد ذكرت أن «حماس» منعت، تحت تهديد السلاح، مقاولين من غزة من المشاركة في بناء مدينة فلسطينية مؤقتة في رفح، وهي منطقة تسيطر عليها إسرائيل، في خطوة قيل إنها نُسقت مع الولايات المتحدة وحصلت على موافقة «مجلس السلام». وقال مصدر غربي إن لديهم معلومات تؤكد منع المقاولين، لكنه شدد على أن المجلس لم يتلقَّ أي مؤشرات بشأن نية إسرائيل استئناف الحرب الشاملة في القطاع.
وتزامنت هذه التطورات مع لقاء عقده رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع ملادينوف وفريقه في القدس. وبعد اللقاء، قدم ملادينوف للصحفيين الأجانب صورة قاتمة عن المناطق التي لا تزال تحت سيطرة «حماس»، قائلاً إن الحركة «تشدد قبضتها» هناك، وتفرض ضرائب على السكان، وتمنع عمالاً ومقاولين من المشاركة في مشاريع إسكان مؤقتة للنازحين.
وتسيطر إسرائيل، منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، على أكثر من نصف مساحة قطاع غزة شرق ما يُعرف بـ«الخط الأصفر»، وهو خط فصل ميداني غير نهائي بين مناطق الوجود العسكري الإسرائيلي ومناطق نفوذ «حماس». وتتهم الحركة إسرائيل بتحريك هذا الخط غرباً داخل القطاع، وتقييد دخول المساعدات، ومواصلة عمليات القصف والقتل رغم الهدنة.
وقال حازم قاسم إن حديث ملادينوف عن خروقات يومية بصيغة عامة «يتنافى مع الواقع»، معتبراً أن إسرائيل هي الطرف الذي يواصل انتهاك وقف إطلاق النار. وأشار إلى استشهاد أكثر من 850 فلسطينياً منذ بدء الهدنة، وفق أرقام وزارة الصحة في غزة، بينما يتهم الجيش الإسرائيلي «حماس» وفصائل أخرى بخرق الترتيبات الأمنية واستهداف قواته في مناطق مختلفة.
وعلى المستوى الإنساني، حذر ملادينوف من أن إزالة أنقاض الحرب وإعادة إعمار غزة ستستغرق «جيلاً كاملاً»، مشيراً إلى عشرات الملايين من أطنان الركام، وأكثر من مليون شخص يحتاجون إلى مأوى دائم ومياه وخدمات صرف صحي. وتنسجم هذه التقديرات مع تحذيرات دولية متكررة من أن إعادة الإعمار لن تبدأ فعلياً ما لم يتم تثبيت وقف إطلاق النار وتحديد جهة إدارية وأمنية واضحة قادرة على العمل داخل القطاع.
وتؤكد مصادر فلسطينية أن القاهرة تستعد لاستضافة جولة تفاوضية جديدة قبل عيد الأضحى، في محاولة لجسر الهوة بين إسرائيل و«حماس» بشأن الانتقال إلى المرحلة الثانية. وبحسب هذه المصادر، فإن الوسطاء، وخصوصاً مصر، أعدوا ورقة جديدة بالتشاور مع الولايات المتحدة، على أن تُعرض على الفصائل خلال الأيام المقبلة.
وتقول مصادر من «حماس» وفصائل فلسطينية إن الحركة لا ترفض من حيث المبدأ نقل الإدارة المدنية إلى لجنة تكنوقراط وطنية، لكنها ترفض أن يتم ذلك تحت ضغط إسرائيلي أو في مناطق يحددها الجيش الإسرائيلي، ومن دون انسحاب شامل ومتفق عليه. في المقابل، ترى أطراف في «مجلس السلام» أن استمرار سيطرة «حماس» المدنية والأمنية على نصف القطاع تقريباً يعطل إعادة الإعمار ويمنع قيام إدارة انتقالية قابلة للعمل.
وبذلك، تبدو خطة إدخال «لجنة غزة» إلى مناطق تنسحب منها إسرائيل بمثابة اختبار مبكر لقدرة «مجلس السلام» على فرض ترتيبات ميدانية من دون توافق فلسطيني شامل. فإذا نجحت، قد تنشأ إدارة انتقالية محدودة النطاق داخل القطاع، لكنها قد تواجه رفضاً شعبياً وفصائلياً إذا بدت وكأنها تعمل تحت حماية إسرائيلية. أما إذا فشلت، فقد يترسخ الجمود الحالي، مع استمرار الانقسام الميداني بين مناطق النفوذ، وبقاء ملفي السلاح والانسحاب عقبتين أساسيتين أمام أي انتقال سياسي أو إنساني حقيقي في غزة.
