صادقت الحكومة الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو على خطة واسعة بقيمة تقارب 250 مليون شيكل، لتطوير ما تسميه “مواقع التراث والآثار” في الضفة الغربية المحتلة ووادي الأردن وبريّة الخليل، في خطوة وصفتها وزارات إسرائيلية بأنها “غير مسبوقة”، بينما تراها جهات فلسطينية وإسرائيلية معارضة جزءًا من مسار أوسع لفرض وقائع ضمّ وسيطرة تحت غطاء “حماية الآثار والتراث”.
وبحسب ما أوردته وسائل إعلام عبرية، فإن الخطة تشمل إقامة مراكز تراثية إقليمية جديدة، وتطوير بنى تحتية سياحية، وتكثيف أنشطة الحماية والرقابة بذريعة منع “سرقة الآثار وتدميرها”، إلى جانب تعزيز ارتباط الجمهور الإسرائيلي بما تصفه الحكومة بـ“الميراث التاريخي للشعب اليهودي” في المنطقة. وذكرت القناة 14 العبرية أن القرار يأتي ضمن توجه حكومي لضخ مئات ملايين الشواكل في مواقع التراث بالضفة ووادي الأردن وبريّة الخليل.
وتأتي المصادقة على الخطة في سياق سلسلة خطوات إسرائيلية متسارعة في الضفة الغربية، من بينها قرارات سابقة لتعزيز السيطرة الإسرائيلية على الأراضي، وتوسيع صلاحيات إنفاذ إسرائيلية في مناطق حساسة بذريعة قضايا بيئية وأثرية، وهي خطوات وصفتها منظمات مناهضة للاستيطان بأنها تكرّس ضمًا فعليًا وتضعف الولاية الفلسطينية المحدودة أصلًا في الضفة.
وقال رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، وفق البيان الحكومي المنقول في الإعلام العبري، إن القرار يحمل “أهمية وطنية وتاريخية”، زاعمًا أن “كل حجر وتلة وموقع تراثي تقريبًا يحمل آلاف السنين من تاريخ الشعب اليهودي في أرض إسرائيل”. أما وزير المالية بتسلئيل سموتريتش فربط الخطة بمشروع حكومته الأوسع في الضفة، متحدثًا عن المصادقة على مستوطنات وبؤر استيطانية ووحدات سكنية منذ بداية ولاية الحكومة.
وفي تحديث بارز من الإعلام العبري، جاء القرار بالتزامن مع تصعيد سموتريتش ضد المحكمة الجنائية الدولية، إذ أعلن، بحسب “يديعوت أحرونوت” و“N12”، توقيعه أمرًا لإخلاء تجمع خان الأحمر شرق القدس، في أعقاب تقارير عن طلب المدعي العام في لاهاي إصدار مذكرة توقيف بحقه. ووصف سموتريتش الخطوة بأنها رد على ما سماه “إعلان حرب”، مهاجمًا المحكمة الجنائية الدولية والسلطة الفلسطينية.
كما أفادت وكالتا “رويترز” و“أسوشيتد برس” بأن سموتريتش قال إن مدعي المحكمة الجنائية الدولية يسعى إلى إصدار مذكرة توقيف ضده، وإنه قرر الرد عبر إجراءات ضد السلطة الفلسطينية، بينها الدفع نحو إخلاء خان الأحمر. وأشارت “أسوشيتد برس” إلى أن التجمع البدوي يضم نحو 200 فلسطيني، وأن ملف هدمه ارتبط منذ سنوات بمخاوف دولية من توسيع الاستيطان في منطقة E1 بما يهدد التواصل الجغرافي الفلسطيني.
وتحذر منظمات إسرائيلية مختصة بالآثار، بينها “عيمق شافيه”، من أن توسيع صلاحيات إسرائيل في إدارة المواقع الأثرية بالضفة يشكل شكلًا من “الضم في مجال الآثار”، خصوصًا عندما تُستخدم أعمال المسح والحماية والتطوير السياحي لتوسيع السيطرة على الأرض أو تقييد البناء الفلسطيني حول المواقع المصنفة أثريًا.
وفي الخلفية، كانت الحكومة الإسرائيلية قد دفعت خلال السنوات الأخيرة خططًا مشابهة لتمويل مواقع أثرية وسياحية في الضفة. ففي عام 2023 أُقرت خطة بمئات ملايين الشواكل لحفظ وتطوير مواقع تراثية، ووصفتها تقارير فلسطينية بأنها جزء من سياسة “الضم باسم الآثار”، فيما رأت “سلام الآن” أن الاستثمار في “سياحة المستوطنات” يعني توظيف الأركيولوجيا لتعزيز الاستيطان والاحتكاك مع الفلسطينيين.
وبذلك، لا تبدو الخطة الجديدة مجرد مشروع سياحي أو تراثي، بل حلقة إضافية في مسار سياسي ـ ميداني متراكم: تحويل المواقع الأثرية إلى أدوات نفوذ، وتوسيع الحضور المدني والسياحي الإسرائيلي في عمق الضفة، وإضفاء طابع “تاريخي ـ قانوني” على السيطرة على أراضٍ فلسطينية، في وقت تتصاعد فيه إجراءات الاستيطان والضم العملي وتهديدات إخلاء التجمعات الفلسطينية.
