في توقيت سياسي بالغ الحساسية، عادت القاهرة إلى واجهة المشهد الفلسطيني عبر استضافة جولة جديدة من اجتماعات الفصائل الفلسطينية والوسطاء الدوليين، في محاولة مصرية حثيثة لإنقاذ مسار التسوية وتفعيل استحقاقات «اتفاق شرم الشيخ»، وسط مخاوف متزايدة من ضياع الفرصة السياسية الراهنة وتثبيت واقع جديد في قطاع غزة.
وتنعقد الاجتماعات، بحسب ما طُرح في حلقة تابعتها «وكالة قدس نت للأنباء» من برنامج «مدار الغد» على شاشة قناة «الغد» مع الإعلامي سامي كليب، في ظل ضغوط مصرية واضحة على الأطراف الفلسطينية، وخصوصًا حركة حماس، من أجل التعاطي بإيجابية مع المرحلة المقبلة، وفصل المسار الفلسطيني عن حسابات إقليمية أخرى، لا سيما المفاوضات الإيرانية الأميركية وتداعياتها المحتملة على المنطقة.
وتحاول القاهرة، وفق المعطيات التي عرضها الكاتب السياسي أشرف العشري خلال الحلقة، دفع الفصائل إلى صياغة خطة عمل مشتركة تتناول ملفات أساسية، أبرزها تشكيل لجنة إدارية لإدارة قطاع غزة، وترتيبات الأمن، ومصير السلاح، وآليات إدخال المساعدات، ومنع استمرار الاستهدافات الإسرائيلية، إلى جانب استكمال ما تبقى من المرحلة الأولى والانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق غزة.
وتكتسب هذه الجولة أهمية خاصة لأنها تأتي في ظل غياب حركة فتح عن الاجتماعات، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول قدرة الفصائل على إنتاج توافق وطني شامل في غياب أحد المكونات الرئيسية في الساحة الفلسطينية. وقد رأى عضو قيادة تيار الإصلاح الديمقراطي في لبنان إدوارد كاتورا أن الأزمة الفلسطينية لم تعد أزمة أوراق واتفاقات فقط، بل أزمة مفاهيم وأولويات، معتبرًا أن حماية الإنسان الفلسطيني ومنع التهجير والفلتان الأمني يجب أن تكون في صدارة أي مشروع وطني.
وتتمحور النقاشات، وفق ما ورد في الحلقة، حول ورقة عمل قدمها تيار الإصلاح الديمقراطي، تتناول الأوضاع الإنسانية والمعيشية في غزة، وخلق فرص العمل، وترتيبات الأمن، ومواجهة الفوضى والعصابات، إضافة إلى تصورات لإدارة المرحلة المقبلة عبر لجنة إسناد مجتمعي تضم شخصيات فلسطينية. ويرى مشاركون أن هذه الورقة قد تشكل أرضية عملية لتقريب المواقف، إذا جرى اعتمادها ضمن خطة أوسع تحظى بموافقة الفصائل والوسطاء.
غير أن ملف السلاح يبقى الأكثر حساسية في النقاشات، إذ يثير انقسامًا عميقًا بين من يعتبره جزءًا من منظومة المقاومة وحق الدفاع عن النفس، ومن يرى أن المرحلة الحالية تستوجب ترتيبات أمنية جديدة تمنع إسرائيل من استخدامه ذريعة لاستمرار العمليات العسكرية داخل القطاع. وفي هذا السياق، شدد الأكاديمي سامي العريان على أن السلاح، في رؤيته، وسيلة وليس غاية، لكنه ربطه بحق الشعب الفلسطيني في الدفاع عن نفسه ورفض التنازل عن الحقوق الوطنية.
وتسعى القاهرة إلى انتزاع تعهدات عملية من الفصائل تسمح بفتح الباب أمام ترتيبات ميدانية جديدة في غزة، بينها إدخال لجنة الإسناد المجتمعي، وزيادة المساعدات الإنسانية، وإعادة تنظيم الوضع الأمني، ودمج عناصر فلسطينية في هياكل إدارية وأمنية، بما يمنع الانزلاق إلى فوضى طويلة أو تثبيت واقع تقسيم القطاع.
وتأتي هذه التحركات المصرية وسط قلق من نيات إسرائيلية لتجميد مسار التفاوض إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، بما قد يسمح لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أو أي حكومة إسرائيلية لاحقة بإعادة فتح الملف من نقطة الصفر. كما طُرحت خلال النقاش مخاوف من مشاريع إسرائيلية تتعلق بالتهجير «الطوعي» أو إعادة هندسة الواقع الأمني والإداري داخل غزة بما يخدم الرؤية الإسرائيلية لما بعد الحرب.
وفي خلفية كل ذلك، يبرز الوضع الإنساني الكارثي في قطاع غزة كعامل ضاغط على الجميع. فالفلسطينيون، وفق افتتاحية سامي كليب، لم يعودوا يحتملون مزيدًا من الانقسام، بعد حرب مدمرة أوقعت أعدادًا كبيرة من الضحايا ووسعت دائرة الجوع والنزوح والدمار. وتساءل كليب عمّا إذا كانت الفصائل بحاجة إلى مأساة أكبر كي تتوحد، في ظل لحظة دولية نادرة اتسع فيها التعاطف مع القضية الفلسطينية بعد الحرب على غزة.
وتحاول مصر، مدعومة بتحركات عربية وأوروبية مرتقبة، تحويل هذه اللحظة إلى مسار سياسي قابل للتنفيذ، لا إلى ورقة جديدة تضاف إلى أرشيف اتفاقات المصالحة الفلسطينية التي لم تجد طريقها إلى التطبيق. فالاختبار الحقيقي، كما خلصت النقاشات، لم يعد في إصدار بيان موحد، بل في قدرة الفصائل على اتخاذ قرارات تنفيذية تنقذ ما تبقى من غزة، وتمنع تكريس الانقسام، وتعيد ترتيب البيت الفلسطيني على أساس مصلحة الناس لا مصلحة الفصائل.
وبين ضغوط القاهرة، وحسابات حماس، وغياب فتح، وتوجس الوسطاء من الوقت الإسرائيلي الضائع، تبدو اجتماعات القاهرة جولة فاصلة لا لأنها تَعِد بحل شامل، بل لأنها قد تحدد ما إذا كان الفلسطينيون قادرين على التقاط فرصة سياسية نادرة، أم أن الخلافات الداخلية ستفتح الباب أمام مرحلة أكثر تعقيدًا في مستقبل غزة والقضية الفلسطينية.
