من اغتيال “شبح القسام” إلى مفاوضات القاهرة: “الأخبار” تكشف تفاصيل ملاحقة المتورطين في اغتيال الحداد وتوافقًا فصائليًا على صيغة وسطية لسلاح المقاومة

تظهر أكوام النفايات المتراكمة في وسط مدينة غزة في 9 يونيو/حزيران 2026. (صورة: بلال أسامة)

كشفت صحيفة “الأخبار” اللبنانية، في تقريرين متزامنين من غزة، تفاصيل قالت إنها تُروى للمرة الأولى حول ملابسات اغتيال القيادي في “كتائب القسام” عز الدين الحداد، المعروف في الإعلام العبري لسنوات بلقب “شبح القسام”، بالتوازي مع تطورات سياسية في القاهرة تتعلق بصياغة فلسطينية مشتركة لملف سلاح المقاومة ضمن خارطة طريق وقف إطلاق النار.

وتضع المعطيات التي أوردتها الصحيفة المشهد الغزي أمام مسارين متداخلين: الأول أمني يتصل بما تقول “الأخبار” إنه انكشاف لشبكة متورطة في تعقب الحداد قبيل اغتياله، والثاني سياسي يتصل بمحاولة الفصائل الفلسطينية التوصل إلى صيغة وسطية بشأن “حصر السلاح” وربطه بإنهاء الاحتلال والانسحاب الإسرائيلي من القطاع.

اغتيال الحداد: متابعة إسرائيلية مباشرة وعين على الأرض

بحسب ما نقلته “الأخبار” عن مصادر في أمن المقاومة، فإن عملية اغتيال الحداد لم تكن مجرد ضربة جوية منفصلة عن العمل الاستخباري الميداني، بل سبقتها عملية رصد على الأرض نفذها عميل تابع للاحتلال.

وتقول الصحيفة إن العميل كان يراقب المنزل الذي كانت تقيم فيه زوجة الحداد وابنته، ثم تعقب سيارة اشتبه في أنها تقل القائد المستهدف، وصولًا إلى لحظة تنفيذ الضربة الجوية التي انتهت باغتياله.

وبحسب الرواية المنسوبة إلى مصادر أمن المقاومة، لم يتوقف دور العميل عند مرحلة الرصد والتتبع، إذ توجه بعد الاستهداف إلى المستشفى للتحقق من نجاح العملية، في مؤشر إلى أن الاحتلال كان يريد تأكيدًا ميدانيًا سريعًا على إصابة الهدف.

وتورد “الأخبار” أن الإعلام العبري تحدث عن مكالمة طويلة بين العميل ومشغله الإسرائيلي، في وقت كان رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو يتابع تفاصيل العملية مع عدد من قادة الأجهزة العسكرية والأمنية، في محاولة لتقديم الاغتيال بوصفه إنجازًا استخباريًا وعسكريًا كبيرًا.

“الصفعة” التي تلت الاغتيال

غير أن الرواية التي تنقلها “الأخبار” تضيف أن ما لم تبرزه وسائل الإعلام الإسرائيلية هو أن أمن المقاومة تمكن، في وقت قريب من تنفيذ العملية، من الوصول إلى العميل واعتقاله.

وتقول مصادر الصحيفة إن العميل أدلى باعترافات حول دوره في عملية الاغتيال، وإن الاتصال بينه وبين مشغله الإسرائيلي انقطع فورًا بعد إدراك الجهة الإسرائيلية أن أمره انكشف.

وترى الصحيفة أن هذه الواقعة، إذا صحت تفاصيلها، تعيد إلى الواجهة نمطًا متكررًا في علاقة الاحتلال بعملائه داخل غزة، إذ يتخلى عنهم لحظة انكشافهم أو فقدان القدرة على استخدامهم ميدانيًا.

وبحسب التقرير، فإن وقع هذه الحادثة لم يكن أمنيًا فقط، بل انعكس لاحقًا في سلوك الاحتلال تجاه شبكات العملاء والمجموعات المتعاونة معه في المناطق الواقعة شرق ما يعرف بـ“الخط الأصفر”، حيث بدأت تظهر إجراءات أكثر تشددًا تجاه هؤلاء.

قيود إسرائيلية على العملاء وهوس الاختراق المزدوج

تنقل “الأخبار” عن مصدر قيادي في أمن المقاومة أن الاحتلال أجرى تغييرات في بعض ضباطه ورفع مستوى القيود على عملائه، في ظل مخاوف من اختراقات مضادة أو عمليات تجنيد مزدوج.

وبحسب المصدر نفسه، بات جيش الاحتلال يعتقل بين حين وآخر بعض العناصر الذين سبق أن جندهم أو تعامل معهم، خصوصًا في المناطق الشرقية من القطاع، للاشتباه بوجود صلات بينهم وبين أمن المقاومة.

وتشير الصحيفة إلى أن إجراءات الاحتلال وصلت إلى حد فرض قيود قاسية على حركة العملاء، ومنعهم من مغادرة مناطق محددة، وإخضاعهم لتفتيش وإجراءات أمنية مهينة قبل أي لقاء مع الضباط الإسرائيليين.

وتربط “الأخبار” ذلك بما تصفه بـ“حالة هوس أمني” داخل منظومة الاحتلال، نتيجة خشيتها من نجاح المقاومة في اختراق الدوائر التي تراهن عليها إسرائيل لتنفيذ مهام رصد واغتيال وجمع معلومات.

العصابات المسلحة خلف “الخط الأصفر”

في السياق ذاته، تقول مصادر الصحيفة إن المجموعات المسلحة المتعاونة مع الاحتلال في غزة لا تشكل قوة واسعة العدد، بل تتكون من عشرات الأشخاص، بعضهم من أصحاب السوابق الجنائية أو المتورطين في قضايا مخدرات وعمالة وجرائم أخرى، وفق تعبير المصادر.

وبحسب “الأخبار”، وجدت هذه المجموعات هامشًا للعمل في المناطق التي يسيطر عليها الاحتلال شرق “الخط الأصفر”، حيث تتحرك تحت حماية عسكرية إسرائيلية وتنفذ أدوارًا تتعلق بالتفتيش والمراقبة والملاحقة وجمع المعلومات.

وتقول مصادر أمن المقاومة إن الفترة الماضية شهدت اعتقال عدد من العملاء، ومنع آخرين من الفرار إلى مناطق سيطرة الاحتلال، وتفكيك خلايا أو مجموعات مرتبطة بهذه الشبكات.

وتنقل الصحيفة عن تلك المصادر أن المقاومة تتعامل مع هذه المجموعات بوصفها جزءًا من أدوات الاحتلال الميدانية، خصوصًا بعد اتهامها بالتورط في عمليات اغتيال واستهداف لمقاومين ومدنيين.

وفي هذا السياق، أورد التقرير أن أمن المقاومة يتجه إلى تنفيذ أحكام بحق متورطين في قضايا اغتيال وعمالة، استجابة لما وصفه بدعوات شعبية وعشائرية، في حين تبقى هذه المعطيات منسوبة إلى مصادر الصحيفة ولم يصدر بشأن تفاصيلها إعلان قضائي مستقل أو توثيق خارجي.

القاهرة: مسار سياسي موازٍ

في موازاة الملف الأمني، أفادت “الأخبار” بأن مباحثات القاهرة شهدت تقدمًا في بلورة موقف فلسطيني مشترك بشأن خارطة الطريق الخاصة باستكمال تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في غزة.

ونقلت الصحيفة عن المستشار الإعلامي لرئيس المكتب السياسي لحركة “حماس”، طاهر النونو، أن وفد الحركة والقوى الوطنية والإسلامية أعد صياغة مشتركة للرد على بنود خارطة الطريق التي تلقاها من الوسطاء.

وبحسب النونو، تشمل المداولات القضايا المتبقية من المرحلة الأولى للاتفاق، وتثبيت الحقوق السياسية للشعب الفلسطيني، وتسريع دخول اللجنة الإدارية الوطنية إلى قطاع غزة، وتوسيع إدخال المساعدات، وبدء الإغاثة والإعمار، وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل من القطاع.

لقاءات فصائلية بحضور الوسطاء

تقول “الأخبار” إن وفدًا من “حماس” برئاسة خليل الحية عقد لقاءات مع وفود من حركة “الجهاد الإسلامي” و“الجبهة الشعبية” و“الجبهة الديمقراطية”، بحضور رئيس جهاز المخابرات المصرية، وممثلين عن المخابرات التركية، ورئيس الوزراء القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني.

وبحسب مصادر فصائلية تحدثت للصحيفة، توصلت الفصائل إلى صيغة نهائية “مقبولة” تتعلق بملف سلاح المقاومة، تقوم على تعديل بندين من خارطة الطريق التي قدمها نيكولاي ملادينوف، والمكونة من 15 بندًا.

وتوضح المصادر أن الفصائل لم ترفض مبدأ معالجة ملف السلاح، لكنها رفضت تسليمه للاحتلال الإسرائيلي، وطرحت بدلًا من ذلك صيغة تقوم على حصره لدى جهة فلسطينية، بإشراف عربي ودولي، وربط هذا المسار بالانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة.

“خطوة مقابل خطوة”

وفق ما أوردته “الأخبار”، تقوم الصيغة المقترحة على مبدأ “خطوة مقابل خطوة”، بحيث يرتبط كل تقدم في ملف السلاح بتقدم موازٍ في الانسحاب الإسرائيلي من مناطق “الخط الأصفر”، ودخول اللجنة الإدارية إلى غزة، وفتح الطريق أمام المساعدات ومواد الإعمار.

وتقول المصادر إن العملية، في حال التوافق عليها، ستجري بمتابعة من مصر وتركيا وقطر و“قوة الاستقرار الدولية”.

لكن الخلاف الأبرز، وفق الصحيفة، ما زال متعلقًا بما يسميه الاحتلال “البنية التحتية” للمقاومة، بما يشمل خرائط الأنفاق وورش التصنيع، وهي ملفات تعتبرها الفصائل شديدة الحساسية ولا يمكن فصلها عن مسألة إنهاء الاحتلال وضمان عدم عودة العدوان.

تفاؤل محدود ومحاذير كبيرة

رغم الحديث عن تقدم في القاهرة، تشدد “الأخبار” على أن التفاؤل لا يزال محدودًا، لأن ما يجري حتى الآن هو حوار فلسطيني–فلسطيني وحوارات مع الوسطاء، ولم يتحول بعد إلى اتفاق نهائي ملزم.

كما أن الصيغ المتداولة لم تُقر بعد من “مجلس السلام”، ولم تُعرض بصورة نهائية على رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، الذي ترى الصحيفة أنه يميل إلى خيار التصعيد أكثر من التسوية.

وتعتبر مصادر الصحيفة أن نتنياهو لا يتعامل مع المسار التفاوضي فقط من زاوية أمنية، بل من زاوية سياسية وانتخابية أيضًا، إذ يرى في استمرار الضغط العسكري على غزة وسيلة للحفاظ على تماسك قاعدته الداخلية ومعسكره اليميني.

أهمية الموقف الفلسطيني المشترك

مع ذلك، ترى “الأخبار” أن أهمية المسار الجاري في القاهرة تكمن في أنه قد ينتج موقفًا فلسطينيًا موحدًا يسحب من إسرائيل ذريعة تحميل الفصائل مسؤولية فشل الاتفاق أو عودة التصعيد.

وتقول الصحيفة إن الصياغة المشتركة قد تشكل أداة ضغط على الموقف الأمريكي المتذبذب، وتمنع تحويل خارطة الطريق إلى غطاء دولي لعملية عسكرية جديدة ضد القطاع.

وفي هذا الإطار، يرى الباحث السياسي أحمد الطناني، كما نقلت عنه الصحيفة، أن المسار الحالي يمثل محاولة استدراك قبل انتقال الولايات المتحدة إلى ما يسمى “الخطة البديلة”، التي قد تحمل مخاطر استراتيجية على غزة، بينها إعادة فتح طروحات التهجير أو فرض ترتيبات أمنية وسياسية تمس بالوجود الفلسطيني في القطاع.

بين الأمن والسياسة

تجمع التطورات التي أوردتها “الأخبار” بين ملفين يبدوان منفصلين في الظاهر، لكنهما متداخلان في الواقع: ملف الاختراقات الأمنية والاغتيالات داخل غزة، وملف التفاوض على مستقبل السلاح والإدارة والانسحاب.

فاغتيال الحداد، وفق الرواية المنسوبة إلى مصادر أمن المقاومة، مثّل ضربة موجعة على المستوى القيادي، لكنه فتح في المقابل معركة أمنية مضادة ضد شبكات التجسس والمجموعات المسلحة المتعاونة مع الاحتلال.

أما في القاهرة، فتسعى الفصائل إلى تحويل ملف السلاح من شرط إسرائيلي مسبق إلى مسار سياسي وأمني مرتبط بإنهاء الاحتلال والانسحاب والإعمار، بحيث لا يصبح “حصر السلاح” أداة لتجريد الفلسطينيين من أوراق القوة من دون ضمانات مقابلة.

وبين هذين المسارين، تبدو غزة أمام مرحلة دقيقة: احتلال يحاول تحويل الاغتيالات والضغط الميداني إلى ورقة تفاوض، وفصائل تحاول تثبيت معادلة تربط أي تنازل أمني بإنهاء السيطرة الإسرائيلية على الأرض وفتح مسار سياسي وإنساني جديد.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - غزة