القاهرة تدفع نحو المرحلة الثانية من خطة غزة: الانسحاب وحصر السلاح ركيزتان... وإيران تزاحم الملف الفلسطيني

وزير الخارجية المصري د.بدر عبدالعاطي

عبد العاطي يؤكد أن استحقاقات المرحلة الأولى لم تُستكمل ويدعو إلى رفض التهجير وتثبيت بقاء الفلسطينيين على أرضهم

دفعت مصر، يوم الأربعاء 10 يونيو/حزيران 2026، باتجاه تنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للسلام في غزة، في موقف يعكس رغبة القاهرة في نقل المفاوضات من حالة الجمود إلى مسار عملي يربط بين الانسحاب الإسرائيلي من القطاع وحصر السلاح ضمن تفاهمات فلسطينية وإقليمية ودولية.

وقال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، خلال مؤتمر صحفي، إن الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة وحصر السلاح يمثلان ركيزتين أساسيتين لإتمام الاتفاق، مشيراً إلى أن النقاشات الجارية بشأن اجتماعات الفصائل الفلسطينية في القاهرة لا تزال تركز على استكمال التفاهمات المرتبطة بهذا الملف الحساس.

وتكتسب تصريحات عبد العاطي أهمية خاصة لأنها تأتي في ذروة مشاورات مكثفة تستضيفها القاهرة بمشاركة فصائل فلسطينية، وفي ظل تحركات مصرية وقطرية وتركية لمحاولة تقريب وجهات النظر بشأن خريطة الطريق الخاصة بوقف إطلاق النار وترتيبات ما بعد المرحلة الأولى.

وأكد وزير الخارجية المصري أن استحقاقات المرحلة الأولى لم تُستكمل بعد، ولا سيما ما يتعلق بالحد الأدنى المطلوب من شاحنات المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة. ويعني ذلك، وفق القراءة المصرية، أن الانتقال إلى المرحلة الثانية لا ينبغي أن يتم بصورة انتقائية أو من خلال التركيز على بند واحد، بل عبر تنفيذ متوازن للالتزامات، بما يشمل المساعدات والانسحاب والترتيبات الأمنية والإدارية.

وتضع القاهرة ملف حصر السلاح ضمن معادلة أوسع لا تنفصل عن الانسحاب الإسرائيلي، إذ ترى أن أي حديث عن ترتيبات أمنية في غزة يجب أن يكون مقروناً بوقف السيطرة العسكرية الإسرائيلية على مناطق القطاع، وتهيئة ظروف إنسانية وسياسية تسمح ببقاء الفلسطينيين على أرضهم وإعادة تشغيل الخدمات الأساسية.

وفي هذا السياق، شدد عبد العاطي على حرص مصر على مصالح الشعب الفلسطيني والحفاظ على القضية الفلسطينية، مؤكداً الرفض الكامل لأي مخططات تهدف إلى تصفيتها. وقال إن القاهرة تركز على استمرار بقاء الفلسطينيين على أرضهم، باعتبار ذلك «حقاً أصيلاً لهم»، لا ملفاً قابلاً للمساومة السياسية أو الترتيبات المؤقتة.

كما جدد الوزير المصري رفض بلاده الكامل والقاطع والحاسم لمخططات التهجير، سواء جرى تقديمها تحت عنوان «التهجير الطوعي» أو «التهجير القسري». وقال إن مصر تعمل على تهيئة الظروف وتوفير الحد الأدنى من الحياة الكريمة للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، بما يضمن بقاءهم في أرضهم وعدم دفعهم إلى مغادرتها تحت ضغط الحرب أو الحصار أو تدهور الأوضاع الإنسانية.

ويعكس هذا الموقف استمرار الخط الأحمر المصري التقليدي تجاه ملف التهجير، خاصة أن القاهرة تنظر إلى أي محاولة لدفع سكان غزة خارج القطاع باعتبارها تهديداً مباشراً للقضية الفلسطينية وللأمن القومي المصري في الوقت ذاته.

وتأتي تصريحات عبد العاطي بينما لا تزال الفصائل الفلسطينية والوسطاء يبحثون صياغات تفصيلية بشأن حصر السلاح، في ظل تمسك الجانب الفلسطيني بربط هذا الملف بعدة شروط، أبرزها استكمال المرحلة الأولى من الاتفاق، ووقف الاستهدافات، وإدخال المساعدات، والانسحاب الإسرائيلي من المناطق التي يسيطر عليها الجيش في القطاع، ودخول لجنة وطنية فلسطينية لمباشرة مهامها، إلى جانب أي ترتيبات دولية داعمة.

وبينما تضغط إسرائيل لجعل ملف السلاح مدخلاً أساسياً للمرحلة الثانية، تحاول القاهرة تقديم صيغة تقوم على التوازي بين الاستحقاقات، بحيث لا يتحول حصر السلاح إلى شرط منفصل عن الانسحاب أو إلى أداة لتعطيل المساعدات واستمرار السيطرة العسكرية الإسرائيلية.

وتشير تصريحات وزير الخارجية المصري إلى أن القاهرة لا تتعامل مع المرحلة الثانية بوصفها بنداً أمنياً فقط، بل كحزمة متكاملة تشمل الترتيبات الإنسانية والسياسية والأمنية. فالانسحاب الإسرائيلي، وحصر السلاح، وإدخال المساعدات، ورفض التهجير، والحفاظ على بقاء الفلسطينيين في أرضهم، كلها عناصر متداخلة في الرؤية المصرية لإتمام الاتفاق ومنع انهياره.

وفي البعد الإقليمي الأوسع، أشار عبد العاطي إلى الحرب الإيرانية، معرباً عن أمل مصر في وضع حد فوري للملف الإيراني، حتى تستعيد الجهود الدولية والإقليمية اهتمامها المكثف بالملف الفلسطيني. وتحمل هذه الإشارة دلالة سياسية واضحة، إذ ترى القاهرة أن تصاعد المواجهة بين واشنطن وطهران يزاحم ملف غزة على جدول الأولويات الدولية، ويهدد بتشتيت جهود الوسطاء في لحظة تحتاج فيها القضية الفلسطينية إلى ضغط سياسي مركز.

وتتزامن هذه التصريحات مع تصعيد أميركي - إيراني متزايد، بعد تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتوجيه ضربات جديدة وقوية لإيران إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق. وتخشى أوساط دبلوماسية أن يؤدي اتساع المواجهة الإقليمية إلى تراجع الاهتمام الدولي بقطاع غزة، أو إلى استغلال إسرائيل الانشغال الإقليمي والدولي لفرض وقائع جديدة على الأرض.

من هنا، تبدو الرسالة المصرية مزدوجة: من جهة، تدعو القاهرة إلى تنفيذ المرحلة الثانية من خطة ترامب بما يشمل الانسحاب الإسرائيلي وحصر السلاح؛ ومن جهة أخرى، تحذر من أن استمرار التصعيد مع إيران قد يبدد الزخم السياسي المطلوب لإنجاز تفاهمات غزة، ويمنح الأطراف المتشددة فرصة لتعطيل المسار التفاوضي.

وتسعى مصر، عبر هذا الموقف، إلى تثبيت معادلة تقوم على عدم الفصل بين الأمن والحقوق الإنسانية والسياسية. فحصر السلاح، في الرؤية المصرية، لا يمكن أن يكون بديلاً عن الانسحاب، كما أن الحديث عن ترتيبات ما بعد الحرب لا يمكن أن يتجاهل إعادة تدفق المساعدات، وحماية المدنيين، ورفض التهجير، والحفاظ على الحق الفلسطيني في البقاء على الأرض.

وفي ظل استمرار اجتماعات القاهرة ومشاورات الوسطاء، يبقى السؤال المطروح هو ما إذا كانت إسرائيل والولايات المتحدة ستتعاملان مع الصيغة المصرية - الفلسطينية باعتبارها مدخلاً عملياً للانتقال إلى المرحلة الثانية، أم ستبقى الخلافات حول السلاح والانسحاب والمساعدات عائقاً أمام أي تقدم حقيقي.

وبذلك، تضع القاهرة نفسها في موقع الوسيط الذي يحاول منع انهيار اتفاق وقف إطلاق النار الهش، وفي الوقت نفسه منع تحويل المرحلة الثانية إلى مسار انتقائي يُحمّل الفلسطينيين وحدهم كلفة التنفيذ، من دون ضمان انسحاب إسرائيلي أو تدفق إنساني كافٍ أو أفق سياسي يحمي القضية الفلسطينية من التصفية.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - القاهرة