لبنان بين مفاوضات واشنطن وخروقات الميدان: خرائط انسحاب متعثرة وتصعيد إسرائيلي جنوبي

سيارات متضررة وأنقاض مبنى دمرته غارة إسرائيلية في مدينة صور بجنوب لبنان، 31 أيار 2026. (أ ف ب).jpeg

تواصلت في واشنطن، أمس الأربعاء، مباحثات اليوم الثاني بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي، وسط أجواء مشحونة أعقبت جولة أولى شهدت توترًا دفع الوسطاء الأميركيين إلى إعادة إطلاق المحادثات من جديد، وفق ما نقلته وسائل إعلام إسرائيلية.

وتركزت النقاشات على مقترح مدعوم من الولايات المتحدة يقضي بانسحاب إسرائيل من أراضٍ احتلتها خلال عدوانها على لبنان، على أن يتسلم الجيش اللبناني المسؤولية الأمنية في تلك المناطق، ضمن ما يجري وصفه بـ“المناطق التجريبية” أو “النموذجية”.

وبحسب موقع “أكسيوس” ووسائل إعلام إسرائيلية، تتمثل العقدة الأساسية في المحادثات بنطاق الانسحاب الإسرائيلي والمناطق التي سيبدأ منها، في حين أفادت هيئة البث الإسرائيلية بأن الجانبين تبادلا الخرائط خلال مباحثات الأربعاء، وسط توقعات بإمكانية انسحاب إسرائيلي جزئي من بعض المواقع.

ونقلت الهيئة عن مصدر مشارك في المفاوضات أن الجانبين لا يتفقان على جميع التفاصيل، لكنهما يبحثان في آلية تطبيق المرحلة التجريبية والخلايا الميدانية في جنوب لبنان، مشيرًا إلى أن توقيت هذه المرحلة والمناطق التي قد ينسحب منها الجيش الإسرائيلي لم يُحسما بعد.

في المقابل، قال مسؤول أمني لبناني إن الاجتماعات تركزت على جدول زمني للانسحاب الإسرائيلي، مؤكدًا أن أي خطة واضحة لن تظهر إلا بعد انتهاء الجولة الحالية من المحادثات. كما أعلنت الرئاسة اللبنانية أن البحث في “المناطق التجريبية” لا يزال قائمًا وينتظر موافقة إسرائيلية.

وأكد رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام أن ذهاب لبنان إلى المفاوضات في واشنطن يأتي باعتباره “الطريق الأقل كلفة” على البلاد، مشددًا على أن الموقف اللبناني يقوم على مطلب الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية، والإفراج عن الأسرى المحتجزين لدى إسرائيل.

وفي المقابل، قال السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة داني دانون إن إسرائيل تتطلع إلى تسليم بعض الأراضي التي تسيطر عليها إلى الجيش اللبناني، لكنها ستحتفظ بوجود عسكري في ما تصفه بالمنطقة الحدودية العازلة.

وتزامنت المفاوضات مع تطورات ميدانية متصاعدة في الجنوب اللبناني، حيث شنّت طائرات الاحتلال الإسرائيلي، يوم الخميس 25 يونيو/حزيران 2026، غارة على مركبة بين بلدتي زوطر وميفدون، ما أسفر عن استشهاد ثلاثة لبنانيين وإصابة آخر، وفق وكالة الأنباء اللبنانية، رغم استمرار الحديث عن وقف لإطلاق النار ومسار تفاوضي في واشنطن.

كما أفادت الوكالة بأن قوات الاحتلال أحرقت عددًا من المنازل في بلدة عين عرب بعد إنذار الأهالي بإخلائها، وذلك بعد عودة السكان إلى البلدة عقب فتح الجيش اللبناني الطريق التي تربطها ببلدة الماري.

من جانبه، أعلن الجيش الإسرائيلي أنه استهدف عددًا من الأشخاص في زوطر الشرقية ومرتفعات علي الطاهر جنوبي لبنان، زاعمًا أنهم عناصر في حزب الله وشكلوا تهديدًا لقواته داخل ما يسميه “المنطقة الأمنية”. ولم يقدم الجيش الإسرائيلي أدلة مستقلة تثبت هوية المستهدفين أو طبيعة التهديد.

في المقابل، نفى حزب الله الرواية الإسرائيلية، مؤكدًا أن المستهدفين في محيط بلدة زوطر الشرقية مدنيون، واعتبر ما جرى “انتهاكًا فاضحًا” لاتفاق وقف إطلاق النار، مشددًا على أنه لا يزال ملتزمًا بالاتفاق، فيما يواصل توثيق الانتهاكات الإسرائيلية.

وأعلن الجيش الإسرائيلي، في تطور آخر، مقتل أحد جنوده وإصابة آخر خلال “نشاط عملياتي” جنوبي لبنان، في حين ذكرت وسائل إعلام عبرية أن الجندي قُتل جراء انقلاب مركبة عسكرية، وأن الجيش فتح تحقيقًا في الحادثة.

سياسيًا، صعّد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خطابه بشأن لبنان، مؤكدًا أنه منح الجيش حرية العمل لإحباط أي تهديدات تستهدف إسرائيل أو بلداتها الشمالية. وقال إن إسرائيل لن تنسحب من جنوب لبنان، وإن قواتها ستبقى هناك “طالما اقتضت الضرورة”.

وتأتي هذه التصريحات في ظل حديث إسرائيلي عن إمكانية انسحاب جزئي من بعض المناطق، مقابل تمسك تل أبيب بالإبقاء على وجود عسكري في مواقع تعتبرها ذات أهمية أمنية، وهو ما يعمق الخلاف حول الخرائط والضمانات وآلية تسلم الجيش اللبناني للمناطق المقترحة.

وبحسب وزارة الصحة اللبنانية، ارتفعت حصيلة ضحايا العدوان الإسرائيلي على لبنان منذ آذار/ مارس الماضي إلى 4230 شهيدًا و12179 مصابًا، فيما سُجل خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية استشهاد 38 مواطنًا وإصابة 8 آخرين.

وتعكس التطورات الأخيرة تداخل المسارين السياسي والميداني في لبنان؛ فبينما تحاول واشنطن الدفع نحو ترتيبات أمنية تبدأ بانسحاب إسرائيلي محدود وتسليم مناطق للجيش اللبناني، تواصل إسرائيل اعتداءاتها في الجنوب، وتتمسك ببقاء عسكري مفتوح، ما يضع المفاوضات أمام اختبار صعب بين منطق الخرائط على الطاولة ووقائع النار على الأرض.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - وكالات