تقرير قناة خلفية مع حماس ووثيقة ضغط على إسرائيل: واشنطن تدفع ببديل حكم في غزة وتغلق الباب أمام استئناف الحرب

يعيش النازحون ظروفًا إنسانية صعبة وسط دمار واسع النطاق بمدينة غزة، مع محدودية الوصول إلى المياه والخدمات الأساسية، 29 يونيو/حزيران 2026. (صورة: بلال أسامة)

كشفت تقارير إسرائيلية عن تحرك أميركي مكثف في ملف قطاع غزة، يجمع بين اتصالات مباشرة مع حركة حماس بشأن مسار نزع السلاح، وضغط متزايد على إسرائيل للموافقة خطيًا على ترتيبات تتعلق بالحكم، والبنية التحتية، والمعابر، وإعادة الإعمار، في رسالة سياسية مفادها أن واشنطن لا تريد العودة إلى الحرب، حتى إذا بقي ملف سلاح حماس عالقًا.

وذكرت هيئة البث العام الإسرائيلية “كان 11” أن مسؤولًا في إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب عقد، خلال الأشهر الأخيرة، لقاءات مع القيادي في حركة حماس خليل الحية، في إطار المحادثات الجارية حول ما تصفه واشنطن وتل أبيب بمسار تفكيك سلاح الحركة في قطاع غزة.

وبحسب التقرير، فإن المسؤول الأميركي هو آريه لايتستون، الذي يعمل إلى جانب المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف ويشغل منصب مستشار له، إضافة إلى دوره كمستشار لـ“مجلس السلام” المرتبط بخطة ترامب الخاصة بغزة.

وأوضحت الهيئة أن إسرائيل كانت على علم بهذه اللقاءات، التي جرت ضمن المسار الذي يقوده نيكولاي ملادينوف، الممثل السامي في “مجلس السلام” الخاص بغزة، في محاولة للتوصل إلى خريطة طريق بشأن ترتيبات ما بعد الحرب، وفي مقدمتها ملف السلاح والإدارة المدنية والأمنية في القطاع.

وبحسب التقرير الإسرائيلي، كان ويتكوف نفسه قد التقى في السابق خليل الحية بصورة مباشرة، لكن تلك الاتصالات جرت في إطار المحادثات التي سبقت إنهاء الحرب والإفراج عن الأسرى الإسرائيليين. أما لقاءات لايتستون الأخيرة فجاءت، وفق الرواية الإسرائيلية، في سياق مختلف يتصل بترتيبات اليوم التالي للحرب، وبالبحث في آليات نزع السلاح ومستقبل حكم غزة.

ونقلت “كان 11” عن مصادر إسرائيلية قولها إن حركة حماس تبدي في المرحلة الحالية موقفًا أكثر تشددًا في المحادثات، وإن النقاشات “عادت إلى الوراء إلى حد كبير”، خصوصًا في ما يتعلق بتحديد ما يُعد سلاحًا ثقيلًا وما يُعد سلاحًا خفيفًا ضمن أي صيغة محتملة لنزع السلاح.

وفي رد على التقرير، أحالت الإدارة الأميركية أسئلة هيئة البث إلى “مجلس السلام”، حيث لم ينف مسؤول في المجلس عقد اللقاءات. وقال المسؤول إن المجلس ووسطاءه أجروا خلال الأشهر الأخيرة عدة جولات من المفاوضات بهدف الاتفاق على خريطة طريق لنزع السلاح في غزة.

وأضاف أن الجهود الدبلوماسية مستمرة لضمان هذا الهدف، بالتوازي مع استكمال بلورة خطوات تتعلق بتعزيز الحكم، وسيادة القانون، والأمن، وإعادة الإعمار، والتنمية الاقتصادية في القطاع.

وفي موازاة ذلك، كشفت “كان 11” عن وثيقة مطالب أميركية نقلتها واشنطن إلى إسرائيل بشأن قطاع غزة، وتتوقع من تل أبيب المصادقة عليها خطيًا. وتعكس الوثيقة، وفق التقرير، ضغطًا أميركيًا واضحًا للمضي في تنفيذ خطة ترامب الخاصة بغزة، حتى من دون نزع سلاح حماس بشكل كامل، مع رغبة أميركية في منع تجدد الحرب.

وتطلب الوثيقة من إسرائيل السماح بتنفيذ أعمال بنية تحتية في مناطق محددة داخل القطاع، تشمل المياه والكهرباء، إضافة إلى التعهد بنقل سكان من المناطق الواقعة تحت سيطرة حماس إلى مناطق تخضع لمسؤولية “مجلس السلام” حتى نهاية العام الجاري.

كما تطلب واشنطن من إسرائيل السماح ببناء مقر مركزي لـ“حكومة تكنوقراط” في غزة، ومنح الموافقات اللازمة لبناء قواعد للقوة الدولية المزمع نشرها في القطاع، باعتبارها جزءًا من الترتيبات الأمنية والإدارية التي تسعى الإدارة الأميركية إلى تثبيتها.

وتشمل المطالب الأميركية إعادة تأهيل المستشفى الأوروبي في غزة، بما في ذلك إدخال مواد بناء ومعدات طبية ومختبرات، وإنشاء ممر عبور إليه من المناطق الواقعة تحت سيطرة حماس، بما يسمح بتشغيله ضمن ترتيبات إنسانية وإدارية جديدة.

وتتضمن الوثيقة أيضًا أن تحول إسرائيل أموال الضرائب الفلسطينية، المعروفة بأموال المقاصة، والمخصصة لغزة، إلى “مجلس السلام”، في خطوة تعكس محاولة أميركية لإعادة تنظيم مصادر التمويل والإدارة داخل القطاع، بعيدًا عن سيطرة حماس على الجباية والموارد.

وبحسب التقرير، تطالب الولايات المتحدة إسرائيل بأن تبدأ بالتعامل مع “حكومة التكنوقراط” باعتبارها صاحبة السيادة في غزة، وأن تسمح لأعضائها بالتحرك بحرية داخل القطاع وخارجه لأغراض رسمية.

وتنص الوثيقة كذلك على نقل الجانب الفلسطيني من معبري كرم أبو سالم ورفح إلى مسؤولية “حكومة التكنوقراط”، إلى جانب السماح بتوزيع الوقود وإجراء مدفوعات رقمية لصالحها، بهدف تقليص قدرة حماس على جباية الضرائب وفرض السيطرة المالية على السكان.

وفي بند آخر، تطلب واشنطن السماح بتشغيل شبكة الاتصالات الخلوية من الجيل الرابع في غزة، بعدما ظل تشغيلها محظورًا، إضافة إلى منح عفو مشروط لمن يسلم سلاحه ويتعهد بالالتزام بالسلام.

وفي المقابل، يلتزم “مجلس السلام”، وفق الوثيقة، بتحمل المسؤولية عن سلسلة التوريد والوقود والمدفوعات، والعمل على تقليص جباية الضرائب من جانب حماس بصورة كبيرة، إلى جانب تولي مسؤولية الأمن والنظام العام عبر “قوة الاستقرار الدولية”، بمساندة “حرس مدني فلسطيني” لا يحمل سلاحًا ناريًا.

وتتضمن الوثيقة بندًا يمنح إسرائيل شرعية لاتخاذ “كل الوسائل المطلوبة” لحماية أمنها في حال رفضت حماس نزع السلاح. غير أن الخلاصة السياسية الأبرز في التقرير الإسرائيلي تفيد بأن واشنطن توجه رسالة واضحة إلى تل أبيب: استئناف الحرب في غزة ليس خيارًا مطروحًا.

ويبدو أن الإدارة الأميركية تسعى، من خلال هذه الوثيقة، إلى فرض مسار عملي مزدوج: من جهة، مواصلة الضغط باتجاه نزع السلاح أو تقليصه تدريجيًا، ومن جهة أخرى، بناء بديل مدني وإداري لحكم حماس، حتى إذا رفضت الحركة تفكيك منظومتها العسكرية بشكل كامل في المرحلة الراهنة.

وتضع هذه التحركات إسرائيل أمام معادلة جديدة؛ فواشنطن لا تمنحها ضوءًا أخضر للعودة الشاملة إلى الحرب، لكنها في الوقت ذاته تعرض صيغة تتيح لها التحرك أمنيًا إذا رفضت حماس نزع السلاح، مقابل التزام إسرائيلي بفتح الطريق أمام بنية حكم بديلة، وقوة دولية، وإعادة تشغيل البنية التحتية، وبدء مسار الإعمار.

أما بالنسبة إلى حماس، فإن التقرير يعكس اتساع الفجوة بين الحركة والمطالب الأميركية ـ الإسرائيلية، خاصة مع عودة النقاش إلى تعريفات السلاح الثقيل والخفيف، ومع إصرار واشنطن على أن مستقبل غزة يجب أن يقوم على حكم تكنوقراطي، وقوة دولية، وترتيبات مالية وأمنية تحد من قدرة الحركة على التحكم بالقطاع.

وبذلك، تكشف التقارير الإسرائيلية عن انتقال الملف من مرحلة البحث النظري في “اليوم التالي” إلى مرحلة الضغط العملي على إسرائيل لتوقيع التزامات مكتوبة، بالتوازي مع إبقاء قناة اتصال خلفية مع حماس، في محاولة لفرض واقع جديد في غزة: لا عودة إلى الحرب، ولا بقاء كامل لمنظومة الحكم والسلاح كما كانت.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - القدس