الجنوب السوري على خط التوتر: إسرائيل توسع توغلاتها ودمشق تطالب بوقف الخروقات
شهد جنوب سوريا خلال الأيام الأخيرة تصعيدًا ميدانيًا لافتًا، مع توسيع الجيش الإسرائيلي عملياته في ريفي درعا والقنيطرة، عبر توغلات برية وعمليات تفتيش وإقامة نقاط مؤقتة، ترافقت مع إطلاق نار وقصف محدود في بعض المناطق، وسط مخاوف محلية من تحول الشريط الحدودي إلى منطقة احتكاك مستمر.
وتركز التصعيد الأخير في قرية عابدين بريف درعا الغربي ومنطقة حوض اليرموك، حيث أفادت وكالة الأنباء السورية الرسمية “سانا” بأن قوة إسرائيلية توغلت باتجاه بلدة معرية وصولًا إلى قرية عابدين وتلة المغر، فيما ذكرت تقارير محلية أن القوات الإسرائيلية نصبت خيامًا ونقاط تمركز مؤقتة في محيط تلة المغر قبل انسحابها لاحقًا.
وفي قرية عابدين، حاول سكان محليون منع تقدم القوة الإسرائيلية بإغلاق الطرق ورشق الآليات بالحجارة، وفق وكالة “أسوشيتد برس”، التي نقلت عن سكان أن القوات الإسرائيلية أطلقت طلقات تحذيرية ثم قذائف مدفعية باتجاه محيط القرية، ما دفع عددًا كبيرًا من الأهالي إلى مغادرة منازلهم مؤقتًا خشية تجدد التوغلات.
من جانبها، قالت “سانا” إن القوات الإسرائيلية استهدفت قرية عابدين ومحيطها برشاشات طيران مروحي وقذائف مدفعية، ما تسبب بأضرار مادية ونزوح بعض الأهالي إلى قرى مجاورة. ولم ترد تقارير مؤكدة عن وقوع إصابات بين المدنيين خلال المواجهة الأخيرة.
في المقابل، أعلن الجيش الإسرائيلي أن قواته تعرضت لإطلاق نار أثناء عملها في ما يسميه “منطقة أمنية” جنوب سوريا، مؤكداً عدم وقوع إصابات في صفوفه. ووفق ما نقلت وسائل إعلام إسرائيلية بينها “تايمز أوف إسرائيل” و”واينت”، ردت القوات الإسرائيلية بقذائف هاون ومدفعية، كما نفذت مروحية قتالية ضربة في منطقة مفتوحة لدعم القوة الميدانية.
وتقول إسرائيل إن تحركاتها في الجنوب السوري تأتي ضمن إجراءات أمنية لمنع اقتراب مجموعات مسلحة من حدودها، بينما تعدّ دمشق هذه العمليات انتهاكًا لسيادتها ولاتفاقية فض الاشتباك لعام 1974. وكانت القوات الإسرائيلية قد وسعت وجودها في المنطقة العازلة ومواقع بجنوب سوريا بعد سقوط حكومة بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، فيما تجري اتصالات أمنية سورية–إسرائيلية بوساطة أميركية تبحث الانسحاب وترتيبات الحدود، وفق ما أوردت “رويترز” في يناير/كانون الثاني الماضي.
وأبرز موقف سوري رسمي منشور حتى الآن صدر عن وزارة الخارجية والمغتربين، التي دانت “بأشد العبارات” التوغلات الإسرائيلية في محافظتي القنيطرة ودرعا، وما رافقها من قصف مدفعي، واعتبرتها “انتهاكًا صارخًا” لسيادة سوريا ووحدة أراضيها، وخرقًا للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة واتفاقية فض الاشتباك لعام 1974. كما دعت دمشق الأمم المتحدة والمجتمع الدولي إلى التحرك لوقف الخروقات الإسرائيلية ومنع مزيد من التصعيد.
وحظي الموقف السوري بتأييد عربي واسع؛ إذ دانت السعودية والإمارات والكويت ومنظمة التعاون الإسلامي والبرلمان العربي التوغلات الإسرائيلية، ودعت إلى احترام سيادة سوريا والالتزام باتفاق فض الاشتباك. وجدد البرلمان العربي، في أحدث موقف منشور الأربعاء، دعمه لسيادة سوريا واستقرارها وإدانته للاعتداءات الإسرائيلية على أراضيها.
وتشير تقارير محلية إلى أن التصعيد لم يقتصر على عابدين، إذ شهدت مناطق في ريف القنيطرة ودرعا توغلات متكررة خلال الأيام الماضية، شملت جملة ومعرية وعين زيوان وصيدا الحانوت ومحيط وادي الرقاد، مع عمليات دهم وتفتيش واستجواب لبعض السكان. وذكرت “الجزيرة” نقلًا عن “سانا” أن عدة آليات إسرائيلية توغلت في قرى بجنوب سوريا، تزامنًا مع تحليق طائرات مسيّرة وعمليات تفتيش لمنازل.
وتعكس التطورات الأخيرة هشاشة الوضع الأمني في جنوب سوريا، حيث تسعى إسرائيل إلى فرض ترتيبات ميدانية تعتبرها ضرورية لأمن حدودها، في حين تخشى دمشق من تحول التوغلات المؤقتة إلى وجود عسكري طويل الأمد داخل الأراضي السورية. وبين الرواية الإسرائيلية التي تتحدث عن “منطقة أمنية” ومخاوف السكان المحليين من التهجير والاقتحامات المتكررة، يبقى الجنوب السوري مرشحًا لمزيد من التوتر ما لم تُفعّل ترتيبات واضحة تعيد الاعتبار لاتفاق فض الاشتباك وتحد من الاحتكاك المباشر على الأرض.
