كشفت تقارير صحفية غربية عن اتساع فجوة التقديرات بين الولايات المتحدة وإسرائيل بشأن إدارة الحرب مع إيران ومسار التفاوض مع طهران، بعدما أبدى مسؤولون أميركيون خشية من أن تقدم إسرائيل على استهداف شخصيات إيرانية رفيعة كانت تشارك في قنوات التهدئة والتفاوض، وفي مقدمتها وزير الخارجية عباس عراقجي ورئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف.
وبحسب تقرير نُسب إلى صحيفة “نيويورك تايمز” ونقلته وسائل متابعة للأسواق والأخبار الدولية، فإن مسؤولين أميركيين حاليين وسابقين اعتقدوا أن إسرائيل ربما كانت تدرس اغتيال عراقجي وقاليباف خلال مفاوضات حساسة بدأت في الربيع الماضي، في وقت كانت فيه واشنطن تحاول دفع مسار تفاوضي مؤقت مع طهران لتثبيت وقف إطلاق النار وفتح الباب أمام ترتيبات أوسع. ووفق الملخص المنشور للتقرير، خشيت الإدارة الأميركية من أن تؤدي أي عملية اغتيال إلى نسف المحادثات وإعادة إشعال المواجهة العسكرية.
وتتقاطع هذه الرواية مع تقارير سابقة أوردتها “رويترز” ونقلتها “الغارديان”، تحدثت عن أن إسرائيل أخرجت عراقجي وقاليباف مؤقتًا من قائمة أهدافها بعد طلب باكستاني إلى واشنطن بعدم استهدافهما، على اعتبار أن غيابهما سيترك الولايات المتحدة من دون قنوات تفاوضية فاعلة مع إيران. وذكرت “الغارديان”، نقلًا عن مصدر باكستاني أوردته رويترز، أن الإسرائيليين كانوا يمتلكون إحداثيات المسؤولين الإيرانيين، وأن واشنطن طلبت من إسرائيل التراجع بعد تدخل باكستاني.
ويأتي هذا الجدل في سياق حرب واسعة بدأت في 28 شباط/ فبراير 2026، عندما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجمات كبيرة على أهداف إيرانية، أسفرت وفق “رويترز” عن مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، إلى جانب عدد من كبار المسؤولين العسكريين والسياسيين. وأوردت “رويترز” أن طهران وصفت الضربات بأنها غير مبررة وغير قانونية، فيما قالت واشنطن إن العملية هدفت إلى منع إيران من تطوير سلاح نووي وإنهاء ما وصفته بالتهديد الإيراني.
وتشير الوقائع المتلاحقة إلى أن إسرائيل أعطت أولوية واضحة لاستهداف بنية القيادة الإيرانية، بينما حاولت واشنطن، بعد مرحلة التصعيد الأولى، إبقاء مسار دبلوماسي مفتوحًا مع من تبقى من المسؤولين القادرين على التفاوض. وقد أوردت “جيروزاليم بوست” في تقرير يستند إلى “رويترز” أن عراقجي وقاليباف أصبحا من بين قلة من الشخصيات الإيرانية البارزة القادرة على التفاوض مع الولايات المتحدة بعد مقتل عدد كبير من كبار المسؤولين الإيرانيين خلال الحرب.
وفي هذا الإطار، برز عراقجي وقاليباف كقناتين سياسيتين محوريتين في المفاوضات. فالأول، وهو وزير الخارجية منذ عام 2024، يُعد من أكثر الدبلوماسيين الإيرانيين خبرة وشارك في مسارات التفاوض النووي مع الغرب، بينما يُنظر إلى قاليباف، الرئيس السابق للحرس الثوري ورئيس البرلمان، باعتباره شخصية سياسية وأمنية قادرة على مخاطبة مراكز القرار المختلفة داخل النظام الإيراني.
وتظهر أحدث جولة تفاوضية، التي عقدت في سويسرا في حزيران/ يونيو 2026، أن واشنطن لم تتخل عن خيار التسوية رغم استمرار التهديدات المتبادلة. فقد أفادت “أسوشيتد برس” بأن نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس ومبعوثين أميركيين، بينهم ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، التقوا قاليباف وعراقجي في محادثات استمرت نحو 80 دقيقة، في إطار عملية دبلوماسية مدتها 60 يومًا تهدف إلى تثبيت ترتيبات أوسع لإنهاء الحرب ومعالجة ملفات لبنان ومضيق هرمز والبرنامج النووي الإيراني.
غير أن هذه المحادثات جرت وسط مناخ شديد التوتر. فقد نقلت “أسوشيتد برس” أن تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، التي هدّد فيها بضرب إيران مجددًا “بقوة أكبر”، عقدت بداية المفاوضات، في حين رد قاليباف بالقول إن القوات الإيرانية مستعدة للرد “بطريقة مختلفة”، بينما تحدث عراقجي عن تقدم بوساطة باكستانية وقطرية في ملف وقف الحرب في لبنان.

وتكشف هذه التطورات عن تباين سياسي واستراتيجي بين واشنطن وتل أبيب. فالولايات المتحدة تبدو معنية، في هذه المرحلة، بتحويل نتائج الحرب إلى تفاهمات سياسية وأمنية تقلل مخاطر الانفجار الإقليمي وتحافظ على انسياب الملاحة في مضيق هرمز، فيما تنظر إسرائيل بقلق إلى أي اتفاق قد يسمح لطهران بإعادة بناء قدراتها السياسية والعسكرية والاقتصادية من دون تفكيك كامل لأدوات نفوذها الإقليمي أو تقييد برنامجها النووي بصورة نهائية.
وكان مجلس العلاقات الخارجية قد أشار، في آذار/ مارس الماضي، إلى أن البيت الأبيض كان يبحث عن “مخرج” من الحرب، رغم استمرار التقارير عن استعدادات عسكرية محتملة، موضحًا أن الاتصالات غير المباشرة بين واشنطن وطهران كانت تمر عبر باكستان، وأن طهران طالبت بضمانات لإنهاء القتال على كل الجبهات ومنع مهاجمتها مجددًا.
وبذلك، لا تبدو قضية استهداف عراقجي وقاليباف مجرد تفصيل أمني عابر، بل مؤشرًا على صراع أعمق حول الهدف النهائي للحرب: هل هو دفع إيران إلى اتفاق سياسي مؤقت يضبط التصعيد ويعيد ترتيب ملفات المنطقة، أم الذهاب إلى إضعاف النظام الإيراني إلى الحد الأقصى عبر تصفية قياداته ومنع أي مسار تفاوضي يمنحه فرصة لإعادة التموضع؟
وتضع هذه المعادلة إدارة ترامب أمام اختبار دقيق؛ فهي من جهة تحتاج إلى إسرائيل كحليف عسكري وسياسي في مواجهة إيران، ومن جهة أخرى تخشى أن تؤدي عمليات الاغتيال الواسعة إلى تدمير ما تبقى من قنوات تفاوضية مع طهران، وتحويل الحرب من ورقة ضغط إلى مواجهة مفتوحة يصعب ضبط حدودها الإقليمية والدولية.
