اتهامات متبادلة بشأن المساعدات وإعادة بناء القدرات العسكرية في غزة وسط استمرار الغارات الإسرائيلية

يتفقد فلسطينيون الأضرار في موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت ورشة حدادة في حي الصبرة بمدينة غزة، في 12 يوليو/تموز 2026. صورة: بلال أسامة

تتصاعد التوترات في قطاع غزة على خلفية اتهامات متبادلة تتعلق بعرقلة العمل الإنساني، ومحاولات إعادة بناء القدرات العسكرية لحركة «حماس»، واستمرار العمليات الإسرائيلية التي أوقعت شهداء وجرحى في مناطق متفرقة من القطاع، رغم سريان اتفاق لوقف إطلاق النار منذ أكتوبر/تشرين الأول 2025.

وفي أحدث التطورات، اتهم مسؤول في الأمم المتحدة حركة «حماس» بعرقلة عمليات توزيع المساعدات الإنسانية داخل قطاع غزة، محذراً من أن حوادث الترهيب والعنف التي يتعرض لها العاملون في المجال الإغاثي تزيد من صعوبة إيصال المواد الأساسية إلى السكان.

وقال رامز الأكبروف، نائب المنسق الخاص للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط، إن العاملين في المجال الإنساني اضطروا إلى تعليق بعض أنشطتهم يوم السبت الماضي، بعد دخول مسلحين إلى نقطة لتوزيع المواد الغذائية في شمال قطاع غزة، والاعتداء على سائقي شاحنتين داخل مستودع تابع لبرنامج الأغذية العالمي.

ووصف الأكبروف ما جرى بأنه جزء من نمط متزايد الخطورة من العنف والترهيب والعرقلة، مشيراً إلى أن العمليات الإنسانية تواجه أيضاً محاولات تهريب واستهدافاً مباشراً أو إساءة استخدام لمنشآتها ومواردها.

وأضاف أن مثل هذه الحوادث تعرض سلامة العاملين في المجال الإنساني للخطر، وتؤدي إلى تعطيل إيصال المساعدات المنقذة للحياة، كما تحد من قدرة المنظمات الدولية على مواصلة نشاطها في ظل الأوضاع الإنسانية شديدة الصعوبة التي يعيشها المدنيون في مختلف أنحاء القطاع.

ولم توضح التصريحات الأممية الجهة التي نفذت جميع الحوادث المشار إليها، إلا أن المسؤول الأممي وجه انتقاداً مباشراً إلى حركة «حماس» على خلفية الواقعة التي حدثت في مركز التوزيع.

حماس تنفي عرقلة العمل الإنساني

في المقابل، نفت حركة «حماس» الاتهامات، وقال مكتبها الإعلامي إن ما جرى في مركز توزيع المواد الغذائية التابع لبرنامج الأغذية العالمي في منطقة أبو راشد بمخيم جباليا لم يكن اقتحاماً أو اعتداء على العاملين في المجال الإنساني.

وأوضحت الحركة أن قوات أمن تابعة لها كانت تنفذ ما وصفته بعملية لإنفاذ القانون، بعد تلقي بلاغات عن وجود مواد مهربة داخل طرود المساعدات، من بينها سجائر ومكونات لهواتف محمولة.

وبحسب رواية الحركة، اقتصر التدخل الأمني على التعامل مع شبهات التهريب وضبط المواد المخالفة، ولم يكن الهدف منه تعطيل توزيع المساعدات أو التدخل في عمل برنامج الأغذية العالمي.

ولم يصدر، وفق المعلومات المتاحة، تحقيق مستقل يحدد بصورة نهائية تفاصيل الواقعة أو المسؤولية عن الاعتداء المبلغ عنه على سائقي الشاحنتين. وتكشف الروايتان المتعارضتان عن مستوى التوتر المتزايد بين الجهات الإنسانية والسلطات الفعلية في القطاع، في وقت تعتمد فيه أعداد كبيرة من السكان على المساعدات لتلبية احتياجاتهم اليومية.

وتأتي هذه التطورات في ظل أزمة إنسانية متواصلة، بعدما أدت الحرب التي اندلعت عقب هجوم «حماس» على جنوب إسرائيل في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وما تبعه من عمليات عسكرية إسرائيلية واسعة، إلى نزوح معظم سكان قطاع غزة.

ويعيش عدد كبير من النازحين في خيام أو مبان متضررة ومراكز إيواء مكتظة، وسط نقص في الغذاء والمياه والأدوية ومواد الإيواء. كما تسيطر القوات الإسرائيلية على مساحات واسعة من القطاع وعلى نقاط الدخول إليه، الأمر الذي يجعل حركة الأفراد والبضائع والمساعدات مرتبطة بالإجراءات والتصاريح الإسرائيلية.

ضربة إسرائيلية لموقع في مدينة غزة

بالتزامن مع الجدل المتعلق بالمساعدات، شن الجيش الإسرائيلي غارة على منشأة صناعية جنوب مدينة غزة، قال إنها كانت تستخدم لإنتاج مكونات عسكرية لصالح حركة «حماس».

ووفق روايات محلية، استهدفت طائرات مسيرة المكان أولاً بصاروخين، ما أدى إلى استشهاد أربعة فلسطينيين، قبل أن تنفذ طائرات حربية غارات إضافية بصواريخ ثقيلة تسببت في تدمير الموقع ووقوع انفجارات كبيرة.

وقال الجيش الإسرائيلي إن المنشأة، التي يقع جزء منها تحت الأرض، كانت تستخدم لإنتاج وسائل قتالية، وإن عناصر من «حماس» كانوا يعملون داخلها وقت الاستهداف.

وأضاف الجيش أن الحركة استخدمت الموقع خلال الفترة الأخيرة لمحاولة استعادة جزء من قدراتها العسكرية، معتبراً أن هذا النشاط يمثل انتهاكاً لاتفاق وقف إطلاق النار وتهديداً للقوات الإسرائيلية وللمدنيين داخل إسرائيل.

ولم تقدم الجهات الفلسطينية أو مصادر مستقلة تقييماً فنياً لطبيعة المنشأة المستهدفة، كما لم يتسن التحقق بصورة مستقلة من هوية جميع الضحايا أو طبيعة الأنشطة التي كانت تجرى داخل الموقع.

تقارير عن استعادة حماس بعض قدراتها

ونقلت قناة «i24news» عن مصادر فلسطينية لم تسمها أن حركة «حماس» لا تزال تفرض سيطرتها في المناطق الخاضعة لإدارتها داخل قطاع غزة، وأنها تعمل على إعادة بناء جانب من قدراتها العسكرية والأمنية والمالية.

وبحسب تلك المصادر، استؤنفت عمليات محدودة لإنتاج بعض الوسائل القتالية، اعتماداً على المواد المتاحة داخل القطاع. وأضافت أن فرقاً هندسية تابعة للحركة تعمل على استخراج ذخائر وصواريخ إسرائيلية لم تنفجر، وإعادة استخدام مكوناتها، إلى جانب جمع الحديد والمواد التي يمكن الاستفادة منها في تصنيع الصواريخ وقذائف الهاون والعبوات الناسفة والمقذوفات المضادة للآليات.

وقالت المصادر إن الحركة أصدرت تعليمات داخلية تشدد على أهمية استعادة قدرات دفاعية يمكن استخدامها في حال استأنفت إسرائيل عمليات عسكرية واسعة، مع توجيهات بعدم تنفيذ هجمات مفاجئة ضد أهداف إسرائيلية في محيط ما يعرف بـ«الخط الأصفر».

كما أفادت المصادر بإعادة تأهيل عدد من الأنفاق الدفاعية في مناطق داخل القطاع، إلا أنه لم يتسن التحقق بصورة مستقلة من حجم هذه الأنشطة أو مدى تقدمها.

وتحدثت المصادر أيضاً عن استمرار عمل الأجهزة الأمنية التابعة لـ«حماس»، بما في ذلك ملاحقة أشخاص تشتبه الحركة في تعاونهم مع أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، إلى جانب توقيف معارضين وناشطين ينتقدونها عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

وزعمت المصادر أن بعض المعتقلين تعرضوا لسوء معاملة أو تعذيب على أيدي أجهزة أمنية تابعة للحركة خلال الأشهر الماضية. ولم يصدر تعليق تفصيلي من «حماس» على هذه الاتهامات المحددة، كما لا تتوافر آلية مستقلة قادرة على التحقق من ظروف جميع حالات الاحتجاز داخل القطاع.

الوضع المالي والإداري للحركة

على الصعيد المالي، قالت المصادر إن حركة «حماس» تمكنت من استعادة جانب من قدرتها على دفع مخصصات مالية منتظمة للعاملين ضمن أجهزتها السياسية والعسكرية والدعوية والاجتماعية.

ووفقاً للمصادر، يحصل بعض العاملين على نحو 70 في المئة من مخصصاتهم، بما لا يقل عن 400 دولار شهرياً في بعض الحالات، بينما تواجه الحركة صعوبة أكبر في دفع مستحقات الموظفين المدنيين العاملين في المؤسسات الحكومية.

وأشارت المصادر إلى أن الحركة تتلقى دعماً من الخارج، إضافة إلى اعتمادها على أنشطة تجارية وصناعية محلية لتوفير التمويل. كما اتهمتها بالحصول على جزء من الأموال التي يجمعها ناشطون ومبادرون لصالح السكان، من خلال توقيف بعضهم أو التفاوض معهم بشأن اقتطاع نسب من التبرعات.

وفي هذا السياق، تحدث ناشطون فلسطينيون عن شبهات فساد وخلافات مالية داخل «كتائب القسام»، الجناح العسكري لحركة «حماس»، تتعلق بتلقي بعض المسؤولين أموالاً من شخصيات تعمل في جمع التبرعات.

ونقلت المصادر أن تحقيقات داخلية أجريت بشأن هذه الادعاءات، وأن بعض عمليات تلقي الأموال تمت بتعليمات من مسؤولين ميدانيين في الحركة. غير أن هذه المعلومات تستند إلى مصادر غير معلنة وشهادات متداولة، ولم تُنشر نتائج رسمية مستقلة تثبت تفاصيلها.

إسرائيل تعلن قتل شخص اتهمته بالتهريب

وفي حادثة منفصلة، أعلن الجيش الإسرائيلي أنه قتل مصطفى العويصي في جنوب قطاع غزة، متهماً إياه بمحاولة تهريب معدات عسكرية إلى القطاع.

وقال الجيش إن العويصي شارك خلال الحرب في تهريب وسائل قتالية، وإنه واصل خلال الفترة الأخيرة محاولاته إدخال معدات تهدف إلى إعادة تأهيل الجناح العسكري لحركة «حماس».

وأضاف أن المعدات المزعوم تهريبها كانت مخصصة للاستخدام في المجالين البحري والجوي، واعتبر أن هذه الأنشطة تمثل انتهاكاً لاتفاق وقف إطلاق النار.

ولم يقدم البيان الإسرائيلي تفاصيل عن الأدلة التي استند إليها في توجيه الاتهامات، كما لم يصدر تعليق فلسطيني مستقل يؤكد أو ينفي الرواية الإسرائيلية.

شهداء وجرحى في هجمات متفرقة

ميدانياً، استشهد فلسطينيان وأصيب 16 آخرون، الاثنين، في غارات وإطلاق نار إسرائيلي استهدف مناطق متفرقة من قطاع غزة، وفق حصيلة أعدتها وكالة الأناضول استناداً إلى مصادر طبية وأمنية وشهود عيان.

وقالت المصادر إن طائرة مسيرة إسرائيلية استهدفت دراجة نارية في حي تل الهوى جنوب مدينة غزة، ما أدى إلى استشهاد أسامة نعيم شملخ، البالغ من العمر 28 عاماً، وإصابة تسعة مدنيين.

وفي شمال غربي مدينة غزة، أصيب أربعة من عناصر الشرطة جراء قصف استهدف نقطة أمنية قرب دوار التوام. وأعلن مصدر طبي لاحقاً وفاة ثائر رمزي فياض، البالغ من العمر 36 عاماً، متأثراً بجراحه التي أصيب بها في الغارة.

وفي وسط القطاع، أصيب شاب بجروح طفيفة بعد استهداف شقة سكنية داخل مبنى في مخيم المغازي. كما أفادت مصادر محلية بأن آليات عسكرية إسرائيلية أطلقت النار باتجاه منازل شرقي مخيم البريج، وباتجاه مخيم يؤوي نازحين شرق بلدة جباليا، من دون الإعلان عن وقوع إصابات في الحادثين.

وتقول وزارة الصحة في غزة إن العمليات الإسرائيلية والخروقات المسجلة منذ بدء سريان وقف إطلاق النار في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول 2025 أسفرت عن ماستشهادقتل أكثر من ألف فلسطيني وإصابة آلاف آخرين. ولا يمكن التحقق بصورة مستقلة من جميع الأرقام في ظل القيود الميدانية وصعوبة الوصول إلى عدد من مناطق القطاع.

تعثر المسار السياسي

وتأتي هذه التطورات فيما لا تزال المحادثات الرامية إلى تثبيت وقف إطلاق النار والتوصل إلى تسوية طويلة الأمد تواجه عقبات كبيرة.

وتتركز الخلافات حول عدد من القضايا، من بينها مستقبل سلاح حركة «حماس»، وآليات إدارة قطاع غزة، وانسحاب القوات الإسرائيلية، والترتيبات الأمنية في المناطق الحدودية، وضمان دخول المساعدات وإعادة الإعمار.

وترى إسرائيل أن منع «حماس» من إعادة بناء قدراتها العسكرية شرط أساسي لأي ترتيبات مستقبلية، في حين تؤكد الحركة أن أي اتفاق دائم يجب أن يتضمن انسحاب القوات الإسرائيلية ووقف العمليات العسكرية ورفع القيود المفروضة على القطاع.

وفي غياب تقدم سياسي واضح، يبقى المدنيون الأكثر تأثراً باستمرار التوترات. فإلى جانب مخاطر الغارات وإطلاق النار، تواجه المنظمات الإنسانية تحديات أمنية ولوجستية متزايدة، تشمل صعوبة حماية العاملين، وتأمين المستودعات ونقاط التوزيع، وضمان عدم الاستيلاء على المساعدات أو استخدامها في عمليات التهريب.

وتعكس التطورات الأخيرة تعقيد المشهد في قطاع غزة، حيث تتداخل الأزمة الإنسانية مع الصراع العسكري، والنزاع حول إدارة القطاع، والاتهامات المتعلقة بإعادة التسلح والتمويل والرقابة على المساعدات. وبينما يقدم كل طرف رواية مختلفة للأحداث، تظل الحاجة إلى تحقيقات مستقلة وضمانات لحماية المدنيين والعاملين في المجال الإنساني عاملاً أساسياً لتحديد المسؤوليات ومنع مزيد من التدهور.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - غزة