مصادر فلسطينية تتحدث عن مرونة غير مسبوقة في ملف البنى التحتية العسكرية، بينما تتمسك الرؤية الإسرائيلية بالتفكيك الكامل للسلاح والأنفاق وإبعاد حماس عن إدارة غزة
دخلت مباحثات التهدئة المتعلقة بقطاع غزة مرحلة جديدة من الاتصالات المكثفة، وسط حديث عن تقديم حركة المقاومة الإسلامية «حماس» مقترحات محدثة لمعالجة ملفي السلاح والموظفين، اللذين شكّلا خلال الفترة الماضية أبرز نقاط الخلاف التي حالت دون التوصل إلى اتفاق شامل.
وفي الوقت الذي قالت فيه مصادر فلسطينية إن الحركة أبدت مرونة إضافية بهدف تجاوز العقبات ونزع الذرائع الإسرائيلية، نقلت قناة i24NEWS عن مصادر مشاركة في الاتصالات أن الوسطاء و«مجلس السلام» يطرحون شروطًا تتعلق بالتفكيك الكامل للبنية العسكرية في القطاع، ونقل الصلاحيات تدريجيًا إلى إدارة تكنوقراطية.
وبحسب مصدرين مطلعين تحدثا إلى صحيفة «القدس العربي»، لا يزال إحراز تقدم نهائي في المباحثات مرهونًا بالرد المنتظر من الحكومة الإسرائيلية على المقترحات التي حملها وفد «حماس» إلى القاهرة، بعد مناقشتها مع الوسطاء في مصر وقطر وتركيا، ومع عدد من قادة الفصائل الفلسطينية المشاركة في مشاورات التهدئة.
مقترحات جديدة من حماس
قال مصدر من حركة «حماس» لـ«القدس العربي» إن وفد الحركة المشارك في مباحثات القاهرة قدّم رؤية جديدة لحل ملفي السلاح والموظفين، بعد رفض إسرائيل الصيغ السابقة التي طُرحت لمعالجة هذين الملفين.
وأضاف أن الحركة ناقشت المقترحات قبل وصول وفدها إلى القاهرة، ثم واصلت بحثها مع ثلاثي الوساطة، الذي يضم مصر وقطر وتركيا، إلى جانب فصائل المقاومة والقوى الفلسطينية الشريكة في المباحثات.
ووفق المصدر، كانت الحركة قد سلّمت ردها على المقترحات السابقة إلى ممثل «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف، إلا أن الجانب الإسرائيلي لم يقدم رده في الموعد المتوقع، وهو ما اعتبره المصدر مؤشرًا إلى استمرار الخلاف حول شروط معالجة ملفي السلاح والموظفين.
وأشار إلى أن «حماس» عادت وقدمت أفكارًا إضافية في محاولة لإنهاء الأزمة، في ظل الأوضاع الإنسانية الصعبة التي يعيشها سكان قطاع غزة واستمرار الهجمات والخروقات العسكرية رغم التهدئة الهشة.
صيغة «الحصر والجمع والتخزين»
في ملف السلاح، أوضح المصدر أن المقترحات السابقة للحركة قامت على مبدأ «حصر وجمع وتخزين» السلاح الثقيل، بدلًا من نزعه بصورة كاملة، بينما تمسك الجانب الإسرائيلي، وفق الرواية الفلسطينية، بتفكيك جميع القدرات العسكرية والبنى التحتية التابعة لفصائل المقاومة.
أما الصيغة الجديدة، فتقترح استمرار عملية حصر السلاح الثقيل وجمعه وتخزينه، مع بقاء السلاح الفردي في المناطق التي لا ينتشر فيها الجيش الإسرائيلي، على أن يخضع للقانون الفلسطيني والسلطة الإدارية التي ستتولى إدارة القطاع.
كما أبدت الحركة، بحسب المصدر، استعدادًا لمناقشة ملف «البنى التحتية» العسكرية، بعدما كانت ترفض في السابق إدراجه بهذه الصيغة ضمن المفاوضات.
غير أن الخلاف ما زال قائمًا بشأن تعريف مصطلح «البنى التحتية». فبينما تعتبره الفصائل الفلسطينية مرتبطًا بالأنفاق الهجومية والصواريخ المحلية ومواقع تصنيع وتخزين الأسلحة، تتبنى إسرائيل، وفق المصدر، تعريفًا أوسع يشمل مختلف مكونات النشاط العسكري، من الأنفاق والصواريخ والأسلحة الثقيلة والخفيفة إلى المنشآت والمعدات والملابس العسكرية.
وبناء على ذلك، اقترحت «حماس» مناقشة كل عنصر من عناصر هذا الملف بصورة منفصلة، بدلًا من الموافقة المسبقة على تعريف إسرائيلي شامل، وهو ما وصفه المصدر بأنه تطور ملحوظ في موقف الحركة التفاوضي.
لجنة فنية لمعالجة ملف الموظفين
وفي ملف الموظفين، تقترح رؤية «حماس» تشكيل لجنة فنية تضم ممثلين عن اللجنة الوطنية المكلفة بإدارة غزة، إلى جانب شخصيات مهنية وخبراء قانونيين، على أن تتولى اللجنة دراسة أوضاع الموظفين الذين جرى تعيينهم خلال سنوات حكم الحركة للقطاع.
وبحسب المصدر الذي تحدث إلى «القدس العربي»، ستبحث اللجنة إمكانية استمرار الموظفين المدنيين وأفراد الشرطة المدنية في وظائفهم، وفق الاحتياجات والمعايير القانونية والمهنية.
كما تشمل الصيغة المقترحة إنشاء صندوق مالي أو نظام تقاعد لتعويض الموظفين الذين يتقرر عدم إعادتهم إلى وظائفهم، سواء كانوا من العاملين في المؤسسات المدنية أو في جهاز الشرطة.
وكانت «حماس» قد طالبت، وفق الخطة الأولى المنسوبة إلى ملادينوف، باستمرار الموظفين المدنيين وأفراد الشرطة في أعمالهم، في حين أصر الجانب الإسرائيلي على إبعاد الموظفين الذين عُينوا خلال فترة حكم الحركة.
تسليم المقترحات إلى ملادينوف
ووفق «القدس العربي»، عقد وفد من «حماس» برئاسة زاهر جبارين لقاءً مع نيكولاي ملادينوف بترتيب من الوسطاء، وسلّمه المقترحات الجديدة المتعلقة بملفي السلاح والموظفين.
ومن المقرر، بحسب المصدر، عرض هذه الصيغ على «مجلس السلام» قبل نقلها إلى الجانب الإسرائيلي للحصول على رد رسمي.
وأشار المصدر إلى أن المجلس أبدى في مراحل سابقة انفتاحًا على استمرار عمل الموظفين المدنيين، وعلى التوصل إلى معالجة تفاوضية لسلاح الفصائل، لكنه اعتبر أن العقبة الأساسية تتمثل في الموقف الإسرائيلي وما يرافقه من شروط إضافية.
حديث عن إنجاز معظم بنود الخطة
وتتقاطع هذه المعطيات مع تصريحات أدلى بها القيادي في تيار الإصلاح الديمقراطي في حركة «فتح» سمير المشهراوي لقناة «الغد»، تحدث فيها عن إحراز تقدم في عدد من النقاط الخلافية.
وقال المشهراوي إن معظم بنود الخطة المنسوبة إلى ملادينوف، والمكونة من 15 بندًا، أُنجزت، فيما بقي الخلاف قائمًا حول البندين المتعلقين بالسلاح والموظفين.
وأشار إلى أن «حماس» قدمت صياغات وصفها بالإيجابية والمرنة، معربًا عن اعتقاده بأن الأطراف باتت قريبة من التوصل إلى اتفاق نهائي، ومشددًا على أن الأولوية يجب أن تكون لوقف نزيف الدم وبدء مرحلة التعافي والحفاظ على وحدة الضفة الغربية وقطاع غزة.
مطالب بوقف الخروقات وإدخال المساعدات
في المقابل، قال مصدر في أحد الفصائل الفلسطينية المشاركة في المشاورات لـ«القدس العربي» إن فرص التقدم باتت مرتبطة بصورة أساسية بالموقف الإسرائيلي، بعد المرونة التي قدمتها الفصائل في القضايا الخلافية.
وأكد أن المباحثات تضمنت تجديد المطالبة بوقف كامل لإطلاق النار، ومنع الخروقات العسكرية، وتنفيذ البروتوكول الإنساني المنصوص عليه في اتفاق المرحلة الأولى، بما يشمل إدخال 600 شاحنة مساعدات يوميًا والبدء في برامج الإغاثة والتعافي.
كما تطالب الفصائل، وفق المصدر، بربط الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق بانسحاب الجيش الإسرائيلي وفق الجداول المتفق عليها، والبدء بالانسحاب من المناطق التي دخلها بعد بدء تنفيذ المرحلة الأولى.
واتهم المصدر إسرائيل بتوسيع نطاق سيطرتها داخل القطاع من نحو 53% إلى قرابة 70% من مساحته، مؤكدًا أن الفصائل أبدت مرونة في ملفي السلاح والموظفين بهدف إزالة الذرائع التي قد تُستخدم لتعطيل جهود الوساطة.
وشدد على ضرورة حصول اللجنة الوطنية لإدارة غزة على الموافقات اللازمة للانتقال إلى القطاع ومباشرة مهامها، بعدما أعلنت «حماس» استعدادها لتسليم إدارة المؤسسات بصورة فورية.
وأضاف المصدر: «قدمنا كل ما علينا، ونخشى من استمرار سياسة المماطلة والتخريب»، داعيًا الإدارة الأمريكية إلى ممارسة ضغط مباشر على الحكومة الإسرائيلية لمنع عرقلة جهود الوسطاء.
i24NEWS: المفاوضات تتجه نحو حسم شامل
في رواية موازية، نقلت قناة i24NEWS عن مصدر مطلع على الاتصالات أن المباحثات الجارية في القاهرة لم تعد مجرد جولة عادية لتبادل الأفكار، بل تحولت إلى لقاء يستهدف حسم الملفات وإغلاق صفقة شاملة.
وبحسب المصدر الذي نقلت عنه القناة، يتمسك الوسطاء و«مجلس السلام» بمبدأ التفكيك الكامل للبنى التحتية العسكرية، ولا يقبلون بصيغة تقوم على تفكيك جزء من الأنفاق أو تسليم جزء من الأسلحة فقط.
كما نقلت القناة عن مصدر سياسي مشارك في تنفيذ ما سمته «خطة ترامب لغزة» أن النقاشات تستند إلى خارطة طريق تفصيلية، تتضمن نقل الصلاحيات تدريجيًا إلى حكومة تكنوقراط، بالتوازي مع تفكيك الأنفاق ومخازن الأسلحة ومنشآت التصنيع العسكري.
ووفق هذه الرواية، تهدف الخطة إلى إنهاء أي وجود عسكري مستقل لحركة «حماس»، ومنع الحركة من ممارسة دور رسمي أو غير رسمي في إدارة القطاع، بما في ذلك العمل من خلف الواجهة الحكومية.
وأضافت i24NEWS أن التصور المطروح ينص على نقل الأسلحة الثقيلة والخفيفة إلى سيطرة اللجنة التكنوقراطية، بالتنسيق مع قوة استقرار دولية، مع إنشاء آليات للرقابة والتحقق وربط تنفيذ الالتزامات بمبدأ المعاملة بالمثل.
مشروع أولي لإعادة الإعمار في رفح
وأفادت القناة الإسرائيلية بأن المجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية وافق على بدء خطة لإعادة إعمار قطاع غزة، تنطلق بمشروع تجريبي في رفح لإقامة مساكن مؤقتة لعشرات الآلاف من الفلسطينيين.
وبحسب التقرير، ستدخل اللجنة التكنوقراطية و«مجلس السلام» وقوة تثبيت متعددة الجنسيات إلى المناطق التي لا تخضع لسيطرة «حماس»، على أن تُجرى عمليات فحص أمني للسكان الذين سينتقلون إلى المناطق الجديدة.
وتحدث التقرير عن مشاركة مئات الجنود من دول بينها المغرب وكازاخستان وكوسوفو في تدريب قوة فلسطينية محلية تتولى حفظ الأمن والنظام، مع تزويدها بالمعدات الأساسية.
كما أشار إلى تأييد جهات داخل الجيش الإسرائيلي لمشروع إعادة الإعمار، شريطة اقترانه بتفكيك القدرات العسكرية لحركة «حماس»، مع اعتراض إسرائيلي على مشاركة قطر وتركيا في القوة الدولية أو في بعض الترتيبات الأمنية.
تحرك تركي واتصالات مع قيادة حماس
وتزامنت مباحثات القاهرة مع لقاءات سياسية في أنقرة، حيث استقبل وزير الخارجية التركي هاكان فيدان رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» خليل الحية والوفد المرافق له، وفق ما نقلته مصادر في وزارة الخارجية التركية.
وبحسب الرواية التركية، استعرض الحية تطورات الأوضاع في قطاع غزة والضفة الغربية، وأطلع الجانب التركي على مسار المفاوضات والجهود المتعلقة بالمصالحة الفلسطينية.
وأكد الحية، وفق المصادر ذاتها، أن الحركة تتبنى موقفًا بنّاء في المفاوضات، فيما جدد فيدان دعم بلاده للقضية الفلسطينية، واستمرار جهودها لإدخال المساعدات الإنسانية إلى القطاع ودعم المساعي الرامية إلى تثبيت وقف إطلاق النار.
كما ناقش اللقاء التطورات الإقليمية، والتوسع الاستيطاني الإسرائيلي والاعتداءات على المقدسات في القدس، بحسب ما أوردته المصادر التركية.
الاتفاق بانتظار الاختبار الإسرائيلي
تكشف المعطيات المتقاطعة عن وجود تقدم في صياغة تصورات لمعالجة ملفي السلاح والموظفين، لكنها تظهر في الوقت نفسه فجوة واسعة بين الطرح الفلسطيني القائم على الجمع والتخزين والتفاوض التفصيلي، وبين الرؤية الإسرائيلية التي تطالب بتفكيك شامل لجميع القدرات العسكرية.
وبينما تتحدث مصادر فلسطينية عن تقديم تنازلات ومرونة كافية لفتح الطريق أمام اتفاق، تصر الرواية التي نقلتها i24NEWS على أن أي تسوية نهائية يجب أن تنتهي بإزالة الأنفاق والأسلحة ومرافق التصنيع بالكامل، وإبعاد «حماس» عن إدارة القطاع.
لذلك، يبقى مصير الجولة الحالية معلقًا على الرد الإسرائيلي، وقدرة الوسطاء والإدارة الأمريكية على تقريب المواقف وضمان التزام الأطراف بوقف إطلاق النار، والانسحاب، وإدخال المساعدات، وبدء إعادة الإعمار.
