تل أبيب تعترض على تفاهمات الوسطاء مع حماس، ومصادر في «مجلس السلام» تتحدث عن اتفاق محتمل خلال أيام وسط خلافات بشأن السلاح و«الخط الأصفر»
برز خلاف علني بين إسرائيل والولايات المتحدة بشأن ما دار في لقاء رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو والرئيس الأميركي دونالد ترامب في واشنطن، بالتزامن مع تضارب واسع في التقارير حول مصير المفاوضات الجارية في القاهرة للانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة.
ففيما زعم مسؤول سياسي إسرائيلي رفيع أن قضية غزة «لم تُطرح إطلاقًا» خلال لقاء نتنياهو وترامب، أكد مسؤول أميركي للقناة الإسرائيلية 12 أن الملف نوقش بالفعل، وأن المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف قدّم خلال الاجتماع عرضًا حول تطورات الاتصالات مع حركة «حماس» بشأن ملف السلاح والترتيبات المستقبلية في القطاع.
وجاء تبادل الروايات المتناقضة في وقت تتحدث فيه مصادر فلسطينية ودولية عن تقدم غير معتاد في مفاوضات القاهرة، بينما أعلنت إسرائيل رفضها الصيغة المتداولة، وتمسكت بإخراج جميع الأسلحة من القطاع وتفكيك القدرات العسكرية لحركة «حماس» قبل تنفيذ أي انسحاب إضافي.
إسرائيل: لا انسحاب قبل نزع السلاح
قال مسؤول سياسي إسرائيلي، مساء الخميس 30 تموز/يوليو 2026، إن تل أبيب تطالب بـ«نزع سلاح حماس بصورة كاملة»، بما يشمل إخراج الأسلحة من قطاع غزة وتجريد القطاع من السلاح، باعتبار ذلك شرطًا مسبقًا لأي عملية سياسية أو أمنية لاحقة.
وأضاف المسؤول أن وثيقة النقاط الـ15، التي يجري تداولها في إطار اتصالات الوسطاء و«مجلس السلام»، لا توفر استجابة كافية للمطالب الإسرائيلية، مشيرًا إلى أن إسرائيل نقلت تحفظاتها إلى رئيس الوزراء البريطاني الأسبق وعضو المجلس توني بلير.
وشدد على أن الجيش الإسرائيلي لن ينسحب من مواقعه على امتداد ما يعرف بـ«الخط الأصفر» قبل إتمام نزع سلاح الحركة وتجريد القطاع من قدراته العسكرية.
ولا تكتفي إسرائيل، وفق التقارير العبرية، بتخزين السلاح الثقيل أو وضعه تحت إشراف فلسطيني أو دولي، بل تطالب بإخراج جميع وسائل القتال من غزة، بما فيها الأسلحة الخفيفة، ومنع أي جهة فلسطينية مستقلة من الاحتفاظ بها.
واشنطن تنفي الرواية الإسرائيلية
بعد وقت قصير من صدور موقف المسؤول الإسرائيلي، نقلت القناة 12 عن مسؤول أميركي قوله إن قضية غزة طُرحت خلال اجتماع نتنياهو وترامب الذي عُقد في البيت الأبيض يوم الثلاثاء 28 تموز/يوليو.
وأوضح المسؤول أن ويتكوف قدم إحاطة بشأن التقدم المحرز في المحادثات غير المباشرة مع «حماس»، بما في ذلك المفاوضات المتعلقة بتفكيك القدرات العسكرية وترتيبات المرحلة الثانية.
لكن المسؤول الأميركي أشار، في الوقت نفسه، إلى أن إسرائيل ليست مطالبة في المرحلة الحالية بالانسحاب من «الخط الأصفر»، وهو ما يعني أن الخلاف بين الجانبين يتركز على ترتيب خطوات التنفيذ وطبيعة نزع السلاح، وليس بالضرورة على الانسحاب الفوري.
ويكشف هذا التضارب عن فجوة سياسية بين حكومة نتنياهو والإدارة الأميركية؛ إذ تسعى واشنطن إلى دفع مسار المرحلة الثانية وإظهار تقدم في خطة ترامب الخاصة بغزة، بينما تحاول إسرائيل تثبيت تفسير أكثر تشددًا لبنود الخطة، يقوم على نزع السلاح الكامل قبل الانسحاب.
اعتراض إسرائيلي على تفاهمات القاهرة
جاء الموقف الإسرائيلي ردًا على تقارير تحدثت عن اقتراب حركة «حماس» والوسطاء وممثلي «مجلس السلام» من التوصل إلى صيغة لمعالجة الملفات العالقة، وفي مقدمتها سلاح الفصائل، وإدارة المؤسسات المدنية، وأوضاع الموظفين، ونشر قوة الاستقرار الدولية.
وتفيد المعلومات المتداولة بأن التفاهمات يجري إعدادها وفق خارطة طريق من 15 نقطة، ترتبط بالخطة الأميركية الأوسع المكونة من 20 بندًا، وتشمل انتقال إدارة القطاع إلى لجنة فلسطينية من التكنوقراط، ووقف النشاط العسكري للفصائل، ومعالجة ملف الأنفاق ومستودعات الأسلحة ومنشآت التصنيع.
إلا أن الخلاف الأساسي لا يزال قائمًا حول مصير السلاح؛ إذ تصر إسرائيل على تسليمه وإخراجه من غزة، بينما تتحدث مصادر فلسطينية عن تخزين السلاح الثقيل في مواقع خاضعة لرقابة فلسطينية ودولية، وإخراجه من الاستخدام من دون تسليمه إلى إسرائيل. وأكدت وكالة رويترز أن مسألة نزع السلاح الكامل لم تُحسم، رغم التقدم المسجل في المحادثات.
اتفاق خلال «ساعات أو أيام»
في المقابل، نقلت صحيفة «هآرتس» عن مصدر في «مجلس السلام» قوله إن المحادثات حققت تقدمًا ملحوظًا، وإن اتفاقًا قد يوقّع خلال ساعات أو أيام.
وبحسب المصدر، لم تعد هناك خلافات جوهرية، فيما تتركز الاتصالات على الصياغات النهائية وآليات التنفيذ، مع بقاء احتمال حدوث مفاجآت أو انهيار التفاهمات في اللحظات الأخيرة.
وأشار المصدر إلى أن الاتفاق قد توقعه «حماس» والوسطاء وممثلو «مجلس السلام»، فيما تصبح إسرائيل ملزمة بتنفيذه استنادًا إلى التزاماتها تجاه الولايات المتحدة وخطة ترامب.
كما تتحدث الصيغة قيد البحث عن انسحاب إسرائيلي تدريجي، يرتبط بتنفيذ الالتزامات الأمنية والتحقق من تخزين الأسلحة أو تفكيكها، بدل تنفيذ انسحاب شامل وفوري.
غير أن الموقف الصادر عن المسؤول السياسي الإسرائيلي أظهر أن حكومة نتنياهو لا تعتبر الصيغة الحالية ملزمة أو كافية، وأنها قد تعرقل الاتفاق ما لم تتضمن نصًا صريحًا بشأن إخراج جميع الأسلحة من القطاع.
روايات متناقضة بشأن مصير السلاح
تتباين التقارير الإسرائيلية نفسها بشأن مضمون التفاهمات. فبعضها يزعم أن الصيغة تشمل جميع الأسلحة الثقيلة والخفيفة، إلى جانب الأنفاق والمستودعات ومواقع التصنيع، وأن اللجنة الوطنية لإدارة غزة ستصبح الجهة الوحيدة المخولة بحيازة السلاح.
وتتحدث هذه الرواية عن تنفيذ يقوم على خطوات متبادلة وآلية تحقق مستقلة، بحيث يرتبط كل انسحاب إسرائيلي بإثبات تنفيذ جزء من عملية تفكيك القدرات العسكرية.
في المقابل، أفادت القناة الإسرائيلية 13 بأن نزع السلاح المقترح قد يمتد لعدة سنوات، وأن «حماس» لم تقدم التزامًا واضحًا بتسليم السلاح الثقيل، بما يناقض الادعاءات الإسرائيلية الأخرى بشأن موافقة الحركة على تفكيك شامل وفوري.
أما مصادر فلسطينية، فتتحدث عن صيغة تقوم على حصر السلاح الثقيل وجمعه وتخزينه، ووضعه تحت إشراف اللجنة التكنوقراطية أو جهة فلسطينية متفق عليها، بالتزامن مع وقف استخدامه وإغلاق منشآت التصنيع.
وتظهر هذه التناقضات أن مصطلح «نزع السلاح» يحمل تفسيرات مختلفة؛ إذ تعتبره إسرائيل إزالة جميع الأسلحة والبنى العسكرية من غزة، بينما تتعامل معه أطراف فلسطينية باعتباره وقفًا للاستخدام وتخزينًا للوسائل القتالية الثقيلة تحت الرقابة.
خلاف على الاغتيالات والانسحاب
تشمل نقاط الخلاف أيضًا ربط وقف النشاط العسكري للفصائل بوقف الاغتيالات والهجمات الإسرائيلية.
فبينما تتحدث إحدى الصيغ عن التزام إسرائيلي بوقف الاغتيالات بالتزامن مع توقف «حماس» عن التجنيد والتدريب وإعادة بناء قدراتها، تتمسك إسرائيل بحق التحرك ضد ما تصفه بـ«التهديدات الناشئة».
كما تطالب الحركة والفصائل الفلسطينية بتنفيذ انسحاب إسرائيلي تدريجي ومتزامن مع خطوات معالجة السلاح، في حين تريد إسرائيل الاحتفاظ بمواقعها خلف «الخط الأصفر» إلى حين انتهاء العملية والتحقق الكامل منها.
وسبق أن نصت خطة ترامب على ربط الانسحابات الإسرائيلية بمدى التقدم في نزع السلاح وتجريد غزة من القدرات العسكرية، مع الإبقاء على ترتيبات أمنية إسرائيلية خلال المرحلة الانتقالية.
ليبرمان: يجب القضاء على حماس
على المستوى السياسي الداخلي، هاجم رئيس حزب «إسرائيل بيتنا» أفيغدور ليبرمان التفاهمات قيد البحث، معتبرًا أن أي اتفاق جديد مع «حماس» يمثل عودة إلى السياسة التي سبقت هجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023.
وقال ليبرمان إن البديل عن التوصل إلى تفاهمات مع الحركة يجب أن يكون القضاء عليها، محذرًا من أن تخزين الأسلحة بدل تفكيكها سيتيح للحركة إعادة بناء قدراتها في المستقبل.
بن غفير يرفض وقف الاغتيالات
بدوره، أعلن وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير رفضه أي اتفاق يتضمن وقف الاغتيالات أو تقديم التزامات لحركة «حماس».
وطالب بمواصلة العمليات العسكرية حتى القضاء على الحركة، مجددًا دعوته إلى ما يسميه «تشجيع الهجرة» من قطاع غزة، وهي مواقف كان قد كررها خلال اعتراضه على خطة إعادة الإعمار وإدخال اللجنة التكنوقراطية وقوة الاستقرار الدولية إلى رفح.
مفاوضات عند نقطة الحسم
تضع التطورات الأخيرة مفاوضات القاهرة أمام اختبار حاسم؛ فالوسطاء يتحدثون عن تقدم وصياغات نهائية، بينما ترفع إسرائيل سقف شروطها وتصر على أن تخزين السلاح أو إخراجه من الاستخدام لا يساوي نزع السلاح الكامل.
كما يظهر التناقض بين المسؤولين الإسرائيليين والأميركيين أن الخلاف لم يعد محصورًا بين إسرائيل و«حماس»، بل يمتد إلى تفسير واشنطن وتل أبيب لخطة ترامب وترتيب خطواتها.
وبينما تريد الإدارة الأميركية الانتقال إلى إدارة تكنوقراطية وبدء إعادة الإعمار بالتوازي مع تفكيك تدريجي للقدرات العسكرية، تحاول حكومة نتنياهو تثبيت معادلة معاكسة تبدأ بنزع السلاح الكامل، قبل الانسحاب من «الخط الأصفر» أو الانتقال إلى أي مرحلة سياسية جديدة.
وعليه، يبقى الإعلان عن اتفاق مرتبطًا بقدرة الوسطاء وواشنطن على تجاوز الاعتراض الإسرائيلي، والتوصل إلى تعريف متفق عليه لنزع السلاح، وآلية تربط بين تفكيك القدرات العسكرية والانسحاب ووقف الاغتيالات وتسليم إدارة القطاع.
