تقرير تعديلات في المناهج السعودية تقلّص حدة الخطاب تجاه إسرائيل وتفتح باب التأويل بشأن مسار العلاقات

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، أرشيف وكالة أسوشيتد برس.webp

أظهر تقرير حديث لمنظمة "إمباكت-سي"، المعنية برصد وتحليل المناهج التعليمية في المنطقة، إدخال سلسلة تعديلات على الكتب المدرسية السعودية للعام 2025-2026، شملت طريقة تناول إسرائيل والقدس واليهود وبعض الأقليات الدينية، في تغييرات أثارت اهتمامًا في الأوساط الإسرائيلية وربطتها بتساؤلات أوسع حول الاتجاه السياسي للمملكة ومستقبل علاقاتها مع إسرائيل.

وبحسب التقرير، الصادر في 29 تموز/يوليو 2026، تواصل المناهج السعودية مسارًا تدريجيًا من التعديل بدأ خلال السنوات الماضية، مع إزالة أو إعادة صياغة مضامين تتصل بالصراع العربي الإسرائيلي وقضايا دينية واجتماعية، من دون أن يعني ذلك اعترافًا بإسرائيل أو تغييرًا معلنًا في الموقف السعودي من القضية الفلسطينية.

ومن أبرز التغييرات التي رصدها التقرير حذف عبارة تفيد بأن "المسلمين لن يتخلوا أبدًا عن القدس" من أحد كتب اللغة العربية للمرحلة الثانوية، وهي خطوة حظيت باهتمام إسرائيلي باعتبارها جزءًا من تخفيف تدريجي للغة المستخدمة في تناول الصراع.

كما تغيرت طريقة الإشارة إلى إسرائيل في بعض المواد. ففي نسخة سابقة من أحد الكتب ورد تعبير "العدو الصهيوني" لدى تناول الدعم السعودي لمصر وسورية عقب حرب عام 1973، بينما استُبدل في النسخة الأحدث بتعبير "الاحتلال الإسرائيلي".

ورأت "إمباكت-سي" أن هذا التعديل يمثل خفضًا في حدة المصطلحات المستخدمة، لكنها أشارت في الوقت نفسه إلى أن المناهج لا تزال لا تقدم إسرائيل بوصفها دولة معترفًا بها، وتواصل توصيفها في عدد من المواضع باعتبارها قوة احتلال.

ورصد التقرير كذلك تعديلات على خرائط كانت تضع اسم "فلسطين" فوق كامل الأراضي التي تشمل إسرائيل والأراضي الفلسطينية، إذ أزيل الاسم من خرائط إضافية في النسخ الجديدة، بينما بقيت المنطقة في تلك الخرائط من دون تسمية "إسرائيل".

وكان تقرير سابق للمنظمة حول المناهج السعودية قد أشار بالفعل إلى هذا الاتجاه، مع التأكيد على استمرار حضور القضية الفلسطينية في الكتب المدرسية وعدم ظهور إسرائيل باسمها على الخرائط، ما يجعل التغييرات أقرب إلى تعديل صياغة الخطاب منها إلى إقرار تمثيل جغرافي أو سياسي جديد.

وفي الجانب الديني والاجتماعي، قال التقرير إن المناهج واصلت حذف مضامين اعتبرتها المنظمة سلبية تجاه اليهود والمسيحيين وبعض الطوائف الإسلامية، بما في ذلك إزالة آخر أمثلة صنفتها المنظمة باعتبارها معادية لليهود، إلى جانب تقليص بعض العبارات المتعلقة بغير المسلمين والمشركين.

كما أشار إلى استمرار تخفيف بعض المضامين المرتبطة بالخلافات المذهبية، وإن بقيت في الكتب مواقف دينية محافظة، من بينها انتقادات للإلحاد وربطه في بعض المواضع بمشكلات أخلاقية واجتماعية. ويأتي ذلك امتدادًا لتغييرات وثقتها المنظمة منذ أعوام في المناهج السعودية.

وفي المقابل، لا تزال المناهج تصنف جماعات وتنظيمات، من بينها تنظيم "داعش" و"القاعدة" وجماعة الإخوان المسلمين وحزب الله والحوثيون، في سياقات تتصل بالتطرف والإرهاب، بحسب التقرير.

أما إيران، فيبقى حضورها المباشر محدودًا نسبيًا، فيما تظهر إشارات غير مباشرة إليها في سياقات إقليمية، ولا سيما ما يتعلق بالحرب في اليمن والحوثيين.

ووصف ماركوس شيف، الرئيس التنفيذي لـ"إمباكت-سي"، مسار التغييرات بأنه استمرار لعملية إصلاح في المناهج السعودية تهدف، وفق تقييم المنظمة، إلى تعزيز الاعتدال والتعايش والتفكير النقدي وتقليص المضامين المتشددة.

وتربط المنظمة هذا المسار بالتحولات الاجتماعية والثقافية الأوسع التي تشهدها السعودية في إطار "رؤية 2030"، معتبرة أن المناهج باتت تعكس بصورة متزايدة توجهات رسمية نحو الانفتاح وإعادة صياغة عدد من المضامين الدينية والاجتماعية.

لكن الجانب السياسي لهذه التعديلات يبقى محل تفسير أكثر منه مؤشرًا حاسمًا على تغير في السياسة الخارجية السعودية. ففي إسرائيل، تحظى أي تعديلات تمس طريقة تناول إسرائيل أو القدس أو الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بمتابعة خاصة في ظل النقاش المستمر حول احتمال إقامة علاقات دبلوماسية بين الرياض وتل أبيب.

ولا يتضمن التقرير ما يثبت أن التعديلات التعليمية جاءت تمهيدًا للتطبيع، كما لم يصدر موقف سعودي رسمي يربط هذه التغييرات بمسار العلاقات مع إسرائيل. كذلك، لا تزال الرياض تربط إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل بشروط سياسية تتصل بالقضية الفلسطينية، ما يجعل قراءة التعديلات باعتبارها تحولًا سياسيًا مباشرًا تتجاوز ما يمكن استخلاصه من مضمون الكتب وحده.

وبذلك، تعكس التغييرات بصورة أوضح مسارًا ممتدًا لإعادة صياغة المناهج السعودية وتخفيف عدد من التعبيرات العقائدية والسياسية الحادة، بينما تبقى دلالاتها على مستقبل العلاقة مع إسرائيل مفتوحة أمام التأويل، في ظل استمرار الفجوة بين التغيير في لغة الكتب وبين أي تحول رسمي معلن في الموقف السياسي السعودي.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - وكالات