حذّر المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، السبت 24 أكتوبر/تشرين الأول 2026 ، من التداعيات الإنسانية والقانونية لإجراءات عسكرية إسرائيلية واسعة في مدينة الخليل، جنوب الضفة الغربية المحتلة، قال إنها أدت إلى تهجير نحو 2500 فلسطيني قسرًا من منازلهم، وفرض قيود مشددة على حركة السكان، وتنفيذ عمليات هدم وتجريف ومصادرة ممتلكات، إلى جانب حملات اعتقال ومداهمة طالت أحياء سكنية ومناطق تجارية.
وقال المركز، في بيان حقوقي، إن نحو 500 عائلة فلسطينية اضطرت إلى مغادرة منازلها في مناطق مختلفة من المدينة، عقب أوامر إخلاء أصدرها جيش الاحتلال الإسرائيلي، بالتزامن مع انتشار عسكري مكثف وإغلاق الطرق والمفترقات، ما أدى إلى عزل أحياء سكنية وتعطيل حركة السكان ومنعهم من الوصول إلى ممتلكاتهم.
واعتبر المركز أن هذه الإجراءات تشكل، وفق تقييمه القانوني، عقوبات جماعية بحق السكان المدنيين، محذرًا من أن استمرارها واتساع نطاقها قد يؤديان إلى تكريس واقع من التهجير القسري والقيود طويلة الأمد على الحياة اليومية للفلسطينيين في الخليل.
إغلاق المدينة وعمليات هدم وتجريف
وبحسب المعلومات التي جمعها باحثو المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، بدأت العملية العسكرية عند الساعة الثامنة من صباح الجمعة 23 تشرين الأول/ أكتوبر 2026، عندما اقتحمت قوات كبيرة من جيش الاحتلال مدينة الخليل، وأغلقت مداخلها الرئيسية والفرعية، وفرضت قيودًا واسعة على حركة الفلسطينيين والمركبات.
وأدت الإجراءات، وفق المركز، إلى تقطيع أوصال مناطق داخل المدينة وفصلها عن القرى والبلدات المحيطة، وسط انتشار مكثف للآليات العسكرية وإقامة حواجز على الطرق والمفترقات.
وجاءت العملية عقب حادثة إطلاق نار قرب المدخل الشمالي للخليل، بمحاذاة الطريق الالتفافي رقم 35، أسفرت، بحسب البيان، عن مقتل فلسطينيين اثنين من عائلة الجعبي وجنديين إسرائيليين.
وبعد نحو ساعة ونصف من بدء الاقتحام، دفعت قوات الاحتلال بتعزيزات عسكرية مصحوبة بجرافات وآليات حفر إلى منطقة فرش الهوى، القريبة من المدخل الشمالي للمدينة، وشرعت في تنفيذ عمليات هدم وتجريف طالت منشآت تجارية وممتلكات خاصة.
وأوضح المركز أن أعمال التجريف شملت ساحة تبلغ مساحتها نحو 17 دونمًا، تتبع لأحد مراكز بيع البلاط والسيراميك المملوكة لعائلة القواسمي، حيث هدمت قوات الاحتلال الأسوار المحيطة بها، وألحقت أضرارًا بالموقع.
كما هدمت القوات منزلًا مكونًا من ثلاثة طوابق، يعود للفلسطيني رياض عزات محمود امريش، رغم حصوله، وفق المركز، على أمر احترازي من المحكمة عقب تلقيه إخطارًا سابقًا من الإدارة المدنية الإسرائيلية.
وشملت عمليات الهدم كذلك منشأة تجارية مخصصة لبيع قطع غيار السيارات، فيما صادرت قوات الاحتلال المركبات الموجودة داخل الساحة والمرآب، ونقلتها بواسطة شاحنات إلى جهة غير معلومة.
وأشار المركز إلى أن القوات أغلقت الطرق المؤدية إلى المنشآت المستهدفة، ومنعت أصحابها من الوصول إلى ممتلكاتهم، بالتزامن مع استمرار عمليات الهدم والتجريف.
إخلاء مئات العائلات خلال ساعات الليل
ومع حلول الساعة الحادية عشرة والنصف من مساء الجمعة، اتسعت العملية العسكرية لتشمل مناطق دير بحة ودوار خباب ودوار الجلدة، حيث وصلت تعزيزات إضافية من قوات الاحتلال، وبدأ الجنود مطالبة السكان، عبر مكبرات الصوت، بإخلاء منازلهم بصورة فورية.
ووفق إفادات وثقها باحثو المركز، اضطرت مئات العائلات إلى مغادرة منازلها على عجل، حاملة ما تمكنت من جمعه من مقتنيات شخصية واحتياجات أساسية، دون الحصول على معلومات واضحة بشأن مدة الإخلاء أو الموعد المتوقع للسماح لها بالعودة.
وأغلقت قوات الاحتلال المنطقة بالكامل، ونصبت حواجز عسكرية عند المفترقات المؤدية إليها، وأخضعت المركبات والفلسطينيين الذين غادروا سيرًا على الأقدام للتفتيش والتدقيق في الهويات.
ونقل المركز شهادة أحد السكان، الذي أفاد بأنه غادر منزله برفقة أفراد عائلته فور سماع أوامر الإخلاء، قبل أن توقفهم قوات الاحتلال عند أحد المفترقات وتفتش مركبتهم وتدقق في هوياتهم.
وأوضح أنه اضطر إلى الانتقال مع عائلته للإقامة لدى أحد أقاربه، بعدما غادر منزله دون معرفة موعد العودة إليه.
وبحسب شهادته، أبلغت قوات الاحتلال بعض السكان بأن انتشارها العسكري سيستمر عدة أيام، فيما تحدثت أمام آخرين عن احتمال استمرار الإجراءات لمدة تصل إلى ستة أشهر، الأمر الذي أثار حالة من القلق والخوف بين العائلات التي فقدت، ولو بصورة مؤقتة، إمكانية الوصول إلى منازلها.
2500 فلسطيني خارج منازلهم ومنطقة عسكرية مغلقة
واستنادًا إلى التقديرات الأولية لبلدية الخليل التي أوردها المركز، فقد أجبرت الإجراءات العسكرية نحو 500 عائلة، تضم قرابة 2500 فلسطيني، على النزوح من منازلها داخل منطقة تبلغ مساحتها نحو 350 دونمًا.
وأوضح المركز أن المنطقة المشمولة بالإخلاء تقع ضمن الحدود التي حددتها خارطة نشرها منسق جيش الاحتلال، قبل أن تفرض القوات عليها إجراءات عسكرية مشددة وتمنع السكان من العودة إليها.
وأشار إلى أن القوات واصلت اقتحام المنازل السكنية وتفتيشها والعبث بمحتوياتها، كما وضعت أعلامًا على بعض المنازل التي دخلتها، وإشارات حمراء على منازل انتهت من تفتيشها، وفق ما وثقه الباحثون.
وحذر المركز من التداعيات الإنسانية لاستمرار إبعاد هذه العائلات عن مساكنها، لا سيما في ظل غياب معلومات واضحة بشأن مدة الإجراءات العسكرية، وعدم وجود ضمانات تتيح للنازحين العودة الآمنة إلى منازلهم وممتلكاتهم.
اعتقالات واسعة وإفادات عن اعتداءات على محتجزين
وفي موازاة عمليات الإخلاء والهدم، شنت قوات الاحتلال، مع ساعات الفجر الأولى من السبت 24 تشرين الأول/ أكتوبر، حملة اعتقالات واسعة في مركز مدينة الخليل وعدد من البلدات والقرى والمخيمات المحيطة بها.
وقال المركز إن الاعتقالات طالت عشرات الفلسطينيين، الذين نقلتهم القوات إلى معسكرات ومواقع عسكرية على أطراف المحافظة، وأخضعتهم للاستجواب قبل الإفراج عن عدد منهم في ساعات الصباح.
ووثق المركز شهادة أحد السكان، الذي رمز إلى اسمه بالأحرف (م.ش)، أفاد فيها بأن قوات الاحتلال داهمت منزله قرابة الساعة الواحدة فجرًا، واقتادته إلى آلية عسكرية كان يوجد بداخلها عدد من المعتقلين.
وأضاف أن القوات نقلتهم لاحقًا إلى نقطة عسكرية قرب مدخل مخيم الفوار للاجئين الفلسطينيين، جنوب الخليل، حيث ظل محتجزًا حتى الساعة السابعة صباحًا.
ووفق شهادته، تعرض عدد من المعتقلين للاعتداء خلال احتجازهم، كما وجه جنود الاحتلال تهديدات إليهم قبل الإفراج عنهم من الموقع ذاته.
واعتبر المركز أن الإفادات المتعلقة بالاعتداءات على المحتجزين، إلى جانب حملات المداهمة والاعتقال وإجراءات الإخلاء، تستدعي التحقيق والمساءلة القانونية، وضمان حماية الفلسطينيين من المعاملة القاسية أو المهينة.
تحذيرات حقوقية من امتداد الإجراءات إلى مناطق أخرى
وأعرب المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان عن خشيته من أن تتحول الإجراءات العسكرية المفروضة على مدينة الخليل إلى نمط متكرر يمكن تطبيقه في مدن وبلدات فلسطينية أخرى في الضفة الغربية المحتلة.
ولفت إلى أن تنفيذ عمليات الإغلاق والهدم والتهجير والاعتقال خلال أقل من 24 ساعة، إلى جانب المعلومات التي تحدث فيها بعض السكان عن احتمال استمرار القيود مدة ستة أشهر، يثير مخاوف جدية بشأن طبيعة الإجراءات وأهدافها ومدى استمرارها.
ورأى المركز أن ما يجري في الخليل لا يمكن فصله عن السياسات الإسرائيلية الأوسع في الضفة الغربية، بما يشمل هدم المنازل والمنشآت، والقيود المفروضة على حركة الفلسطينيين، وتهجير التجمعات السكانية، إلى جانب التوسع الاستيطاني.
وشدد على أن وقوع حادثة أمنية لا يبرر، من الناحية القانونية، فرض عقوبات على السكان المدنيين الذين لم يشاركوا فيها، أو إجبارهم على مغادرة منازلهم، أو تدمير ممتلكاتهم.
مخالفة للقانون الدولي الإنساني
وفي تقييمه القانوني، أكد المركز أن الفلسطينيين في الأراضي المحتلة يتمتعون بالحماية المقررة للسكان المدنيين بموجب اتفاقية جنيف الرابعة، وأن سلطات الاحتلال ملزمة باحترام حقوقهم الأساسية وحماية ممتلكاتهم وعدم تعريضهم للعقوبات الجماعية.
وتحظر المادة 33 من اتفاقية جنيف الرابعة العقوبات الجماعية وتدابير التهديد أو الإرهاب، كما تحظر أعمال السلب والانتقام من الأشخاص المحميين وممتلكاتهم.
كذلك، تفرض المادة 49 من الاتفاقية قيودًا صارمة على النقل القسري والإبعاد، فيما تحظر المادة 53 تدمير الممتلكات الخاصة، إلا في الحالات التي تستدعي فيها العمليات الحربية ذلك بصورة حتمية.
واستحضر المركز الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية في 19 تموز/ يوليو 2024، الذي خلص إلى أن استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة غير قانوني، وحدد التزامات تتعلق بإنهاء هذا الوضع ووقف السياسات التي تسهم في تكريسه، بما فيها الاستيطان.
واعتبر المركز أن استخدام حادثة إطلاق النار ذريعة لفرض إجراءات واسعة تطال آلاف الفلسطينيين لا يعفي سلطات الاحتلال من مسؤولياتها بموجب القانون الدولي الإنساني، ولا يوفر أساسًا قانونيًا لمعاقبة السكان بصورة جماعية.
مطالب بتحرك دولي وعودة العائلات إلى منازلها
وطالب المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان المجتمع الدولي بالتدخل العاجل لوقف الإجراءات العسكرية المفروضة على مدينة الخليل، والضغط من أجل إلغاء أوامر الإخلاء وتمكين العائلات المهجرة من العودة الآمنة إلى منازلها.
كما دعا إلى رفع الإغلاقات عن مداخل المدينة وطرقها، ووقف عمليات الهدم والتجريف ومصادرة المركبات والممتلكات، وضمان حماية السكان المدنيين من الاعتداءات والاعتقالات التعسفية.
وحث المركز الدول الأطراف السامية المتعاقدة على اتفاقيات جنيف على الوفاء بالتزاماتها بموجب المادة الأولى المشتركة، التي تنص على احترام الاتفاقيات وكفالة احترامها في جميع الأحوال.
وشدد على ضرورة اتخاذ تدابير دولية عملية لضمان حماية الفلسطينيين وممتلكاتهم، ومساءلة المسؤولين عن الانتهاكات، والعمل على إنهاء الاحتلال وتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقوقه غير القابلة للتصرف، وفي مقدمتها حق تقرير المصير.
وبينما لا تزال العائلات التي أُجبرت على المغادرة تواجه حالة من عدم اليقين بشأن موعد العودة، حذر المركز من أن استمرار الإجراءات العسكرية قد يفاقم الأوضاع الإنسانية في المناطق المتضررة، ويضاعف الأعباء المعيشية والاجتماعية على آلاف الفلسطينيين في الخليل.