تقرير انتخابات إسرائيل تعقّد تشكيل الحكومة.. نتنياهو بلا أغلبية وآيزنكوت يطرح حكومة تجنيد وسط صعود العرب

بنيامين نتنياهو وغادي آيزنكوت | تصوير: يوناتان زيندل، حاييم غولدبرغ، Flash90
بنيامين نتنياهو وغادي آيزنكوت | تصوير: يوناتان زيندل، حاييم غولدبرغ، Flash90

 دخلت إسرائيل مرحلة جديدة من التجاذبات السياسية عقب انتخابات الكنيست السادسة والعشرين، التي أُجريت الثلاثاء 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026، بعدما أظهرت نتائج فرز الأصوات العادية عجز معسكري رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ومنافسه غادي آيزنكوت عن حسم الأغلبية البرلمانية، ما وضع تشكيل الحكومة المقبلة أمام معادلة معقدة تتداخل فيها حسابات المقاعد مع الخلافات الأيديولوجية والتعهدات الانتخابية ومواقف الأحزاب العربية.

وبينما تصدر حزب الليكود نتائج الانتخابات، لكنه بقي بعيدًا عن ضمان أغلبية ائتلافية، أعلن آيزنكوت، رئيس حزب «يشار»، تمسكه بالسعي إلى تشكيل ما وصفها بـ«حكومة تجنيد صهيونية»، معتبرًا أن نتائج الاقتراع تعكس رغبة الناخبين في التغيير ورفض استمرار الحكومة الحالية وسياساتها المتعلقة بالخدمة العسكرية.

في المقابل، دعا الرئيس الإسرائيلي يتسحاق هرتسوغ الأحزاب المنتخبة إلى التعامل بانفتاح مع مشاورات تشكيل الحكومة، محذرًا من الانزلاق إلى جولة انتخابية جديدة في حال عجز المعسكرات السياسية عن التوصل إلى تفاهمات ائتلافية.

نتائج الانتخابات: 53 مقعدًا لنتنياهو و48 لمعارضيه

وفق النتائج المرحلية التي نشرتها وسائل الإعلام العبرية، وفي مقدمتها القناة 12 الإسرائيلية، بعد استكمال فرز الأصوات العادية، حصل معسكر نتنياهو على 53 مقعدًا، مقابل 48 مقعدًا لمعسكر التغيير المناوئ له، فيما حصدت القائمتان العربيتان 19 مقعدًا.

وتصدر حزب الليكود بزعامة نتنياهو النتائج بحصوله على 26 مقعدًا، تلاه حزب «يشار» بقيادة آيزنكوت بـ21 مقعدًا، ثم القائمة المشتركة وحزب «بياحد» بقيادة نفتالي بينيت بـ12 مقعدًا لكل منهما.

وحصل حزب «الديمقراطيون» بقيادة يائير غولان على ثمانية مقاعد، فيما نالت أحزاب «إسرائيل بيتنا» و«شاس» و«يهدوت هتوراه» و«عوتسما يهوديت» والقائمة العربية الموحدة سبعة مقاعد لكل منها، مقابل ستة مقاعد لتحالف «الصهيونية الدينية والهوية».

وتُظهر هذه الأرقام أن نتنياهو يحتاج إلى ثمانية مقاعد إضافية للوصول إلى أغلبية 61 مقعدًا، فيما يحتاج معسكر التغيير إلى 13 مقعدًا، وهو ما يمنح الأحزاب الواقعة خارج المعسكرين دورًا مؤثرًا في الحسابات البرلمانية، دون أن يعني بالضرورة استعدادها للمشاركة في أي ائتلاف حكومي.

وتبقى هذه النتائج غير نهائية، في انتظار استكمال فرز المغلفات المزدوجة والتدقيق في النتائج قبل اعتماد الحصيلة الرسمية.

ئيس حزب


 

آيزنكوت يرفع شعار التغيير والتجنيد العسكري

وفي أولى مواقفه عقب الانتخابات، أعلن غادي آيزنكوت أن حزبه سيعمل على ترجمة نتائج التصويت إلى تغيير سياسي، وتشكيل حكومة تقوم على ما وصفه بمبدأ التجنيد الصهيوني، في إشارة إلى الخلاف المتصاعد بشأن الخدمة العسكرية وإعفاءات قطاعات من المتدينين اليهود المتشددين «الحريديم».

ونقلت وسائل إعلام عبرية عن آيزنكوت اعتباره أن الجمهور الإسرائيلي عبّر عن فقدان الثقة بالحكومة التي كانت تتولى السلطة خلال هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وبالسياسات المرتبطة بالتهرب من الخدمة العسكرية.

وهاجم آيزنكوت نتنياهو، داعيًا إياه إلى الاعتراف بنتائج الانتخابات والتنحي عن الحياة السياسية، ومعتبرًا أن المرحلة المقبلة تستدعي تشكيل حكومة جديدة تستند إلى قاعدة سياسية مختلفة.

وتعكس هذه التصريحات محاولة آيزنكوت وضع قضية التجنيد الإلزامي في قلب المفاوضات الحكومية، باعتبارها إحدى نقاط الخلاف الجوهرية بين الأحزاب الصهيونية والأحزاب الحريدية، ولا سيما «شاس» و«يهدوت هتوراه»، اللتين تشكلان جزءًا من معسكر نتنياهو.

غير أن نجاح هذا التوجه يبقى مرتبطًا بقدرة آيزنكوت على جمع أحزاب تتباين مواقفها بشأن ملفات الأمن والدين والدولة والعلاقة مع الأحزاب العربية، وليس بمجرد إعلان الرغبة في تشكيل حكومة بديلة.

نتنياهو يتمسك بمعسكر اليمين ويبدأ اتصالاته

في المقابل، تشير التغطيات السياسية الإسرائيلية إلى تمسك نتنياهو بخيار تشكيل حكومة يمينية تستند إلى حلفائه التقليديين، رغم أن النتائج المرحلية لا تمنح هذا المعسكر الأغلبية المطلوبة.

وبحسب ما أوردته القناة 13 الإسرائيلية في التحديثات الواردة، أجرى نتنياهو اتصالات مع رئيس حزب «عوتسما يهوديت» إيتمار بن غفير، ورئيس حزب «الصهيونية الدينية» بتسلئيل سموتريتش، بينما لم يكن قد تحدث بعد مع قيادات الأحزاب الحريدية وقت نشر التقرير.

وتشير هذه الاتصالات إلى بدء التحركات السياسية داخل المعسكر اليميني، لكنها لا تعني التوصل إلى تفاهمات تضمن تشكيل ائتلاف حكومي.

وتكمن المعضلة بالنسبة لنتنياهو في أن الاحتفاظ بولاء شركائه الحاليين لا يكفي لتجاوز عتبة 61 مقعدًا، ما يفرض عليه البحث عن دعم إضافي من خارج تحالفه، أو التفاوض بشأن حكومة أوسع تتطلب تنازلات سياسية من أطراف سبق أن أعلنت رفضها المشاركة في حكومة برئاسته.

٢٧ أكتوبر ٢٠٢٦، الطيبة: المرشح الفلسطيني أحمد الطيبي (في الوسط) من القائمة المشتركة يتحدث إلى وسائل الإعلام بعد الإدلاء بصوته خلال الانتخابات التشريعية الإسرائيلية في بلدة الطيبة العربية. (حقوق الصورة: © جيل كوهين-ماجن/وكالة الأنباء الألمانية عبر زوما برس)


 

19 مقعدًا عربيًا تعيد رسم الحسابات البرلمانية

من أبرز التحولات التي أظهرتها النتائج المرحلية ارتفاع التمثيل العربي إلى 19 مقعدًا، بواقع 12 مقعدًا للقائمة المشتركة وسبعة مقاعد للقائمة العربية الموحدة «رعم».

ويمنح هذا الحضور القائمتين وزنًا برلمانيًا مؤثرًا في مشهد لا يمتلك فيه أي من المعسكرين الصهيونيين الأغلبية بمفرده، خصوصًا في ما يتعلق بتوصيات تكليف رئيس الحكومة والتصويت على الثقة والتشريعات اللاحقة.

ومن الناحية الحسابية، يبلغ مجموع مقاعد معسكر التغيير والقائمتين العربيتين 67 مقعدًا، لكن هذا المجموع لا يمثل تحالفًا سياسيًا قائمًا، ولا يمكن التعامل معه بوصفه أغلبية حكومية مضمونة.

فالخلافات بشأن مشاركة الأحزاب العربية في الائتلافات الحكومية أو دعمها من الخارج لا تزال من أبرز العقبات السياسية، إلى جانب التباينات بين القائمتين العربيتين نفسيهما حول العلاقة مع الحكومات الإسرائيلية.

وبذلك، فإن ارتفاع التمثيل العربي يزيد من أهمية هذه الأحزاب في الحسابات البرلمانية، لكنه لا يحسم الجهة التي ستتمكن من تشكيل الحكومة المقبلة.

المغلفات المزدوجة.. هل تتغير موازين القوى؟

تتجه الأنظار إلى نتائج فرز المغلفات المزدوجة، التي تشمل أصوات الجنود وجنود الاحتياط وفئات أخرى تصوت خارج مراكز اقتراعها المعتادة، بعد انتهاء فرز الأصوات العادية.

ووفق القناة 12 الإسرائيلية، تتراوح التقديرات المحدثة لعدد هذه المغلفات بين 430 و480 ألفًا، على أن تتضح نتائجها مع استكمال الفرز المتوقع مساء الخميس.

ونقلت القناة عن الباحث في المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، أساف شابيرا، أن أنماط التصويت السابقة تشير إلى استفادة نسبية لبعض أحزاب اليمين الديني من هذه الأصوات، مقابل انخفاض الوزن النسبي للأحزاب الحريدية والعربية.

لكن هذا النمط التاريخي لا يضمن تكرار النتائج نفسها في الانتخابات الحالية، كما أن التغيرات المحتملة قد تحدث داخل المعسكر الواحد بدلًا من انتقال مقاعد بين المعسكرات المتنافسة.

وتمثل المغلفات المزدوجة جزءًا من الأصوات الإجمالية، ولا تضيف مقاعد جديدة إلى الكنيست الذي يضم 120 مقعدًا.

٢٧ أكتوبر ٢٠٢٦، القدس: رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (في الوسط) يجلس على مقعد بعد الإدلاء بصوته في الانتخابات التشريعية الإسرائيلية في مركز اقتراع بالقدس. (حقوق الصورة: © جويل صمد/وكالة الأنباء الألمانية عبر زوما برس)


 

هرتسوغ يدعو إلى تسويات ويتحرك لمنع انتخابات جديدة

وسط هذه الحسابات، دعا الرئيس الإسرائيلي يتسحاق هرتسوغ الأحزاب والقوائم المنتخبة إلى التحلي بالمرونة السياسية والانفتاح خلال المشاورات المقبلة، مشددًا على ضرورة تجنب العودة إلى صناديق الاقتراع.

وقال هرتسوغ، خلال لقاء عقد الأربعاء في مقر الرئاسة، إن المشاركة المرتفعة في الانتخابات تعكس اهتمام الجمهور بالعملية الديمقراطية، داعيًا الأحزاب إلى تحمل مسؤوليتها في تشكيل حكومة جديدة.

وأوضح أنه سيتسلم النتائج الرسمية الأسبوع المقبل من رئيس لجنة الانتخابات المركزية، القاضي نوعام سولبرغ، قبل بدء المشاورات مع ممثلي الأحزاب لتحديد عضو الكنيست الذي سيُكلف بتشكيل الحكومة.

ولا يلزم القانون الإسرائيلي الرئيس بتكليف زعيم الحزب الأكبر، وإنما يتيح له تكليف عضو الكنيست الذي يقدّر أنه يمتلك القدرة على تشكيل حكومة تحظى بثقة البرلمان، بعد الاستماع إلى توصيات الأحزاب.

وهنا تتحول المنافسة من عدد المقاعد التي حصل عليها كل حزب إلى حجم التأييد السياسي الذي يستطيع المرشح تجميعه خلال مشاورات التكليف والمفاوضات الائتلافية.

أربعة مسارات أمام الحكومة الإسرائيلية المقبلة

تضع النتائج الحالية إسرائيل أمام أربعة مسارات سياسية ودستورية محتملة، تتفاوت في متطلباتها وفرص التوصل إلى اتفاقات بشأنها.

يتمثل المسار الأول في محاولة نتنياهو توسيع معسكره الحالي من خلال استقطاب أحزاب من خارج الائتلاف اليميني، بما يتيح له الوصول إلى أغلبية برلمانية مستقرة. ويتطلب هذا السيناريو تغييرًا في مواقف بعض خصومه أو التوصل إلى تفاهمات جديدة بشأن الملفات الخلافية.

أما المسار الثاني، فيتمثل في سعي آيزنكوت إلى تشكيل حكومة بديلة بالتعاون مع أحزاب المعارضة الصهيونية، مع احتمال الاستفادة من دعم برلماني خارجي أو امتناع بعض الأحزاب عن معارضة الحكومة عند التصويت على الثقة.

ويبرز في هذا السياق خيار حكومة الأقلية، الذي يسمح به النظام البرلماني الإسرائيلي من حيث المبدأ، شريطة حصول الحكومة على ثقة الكنيست، حتى إذا لم تضم ائتلافاتها 61 نائبًا، ما دام عدد المؤيدين في التصويت يتجاوز عدد المعارضين.

ويقوم المسار الثالث على تشكيل حكومة وحدة أو ائتلاف واسع يضم أحزابًا من المعسكرين. غير أن هذا الخيار يصطدم بالتعهدات الانتخابية المتبادلة، ورفض قوى معارضة المشاركة في حكومة يقودها نتنياهو، فضلًا عن التباينات بشأن القضايا الأمنية والسياسية والخدمة العسكرية.

ويبقى المسار الرابع إجراء انتخابات جديدة، إذا فشلت جميع مراحل التكليف والمفاوضات، ولم يتمكن الكنيست من إنتاج حكومة تحظى بثقته ضمن المهل الدستورية.

المفاوضات قد تمتد لأسابيع

بموجب قانون أساس الحكومة الإسرائيلي، يُمنح عضو الكنيست المكلّف بتشكيل الحكومة 28 يومًا، ويمكن للرئيس تمديدها لفترات إضافية لا يتجاوز مجموعها 14 يومًا، لتصل المهلة الإجمالية إلى 42 يومًا.

وفي حال فشل المكلّف الأول، يستطيع الرئيس تكليف عضو كنيست آخر لمدة 28 يومًا دون تمديد، أو إبلاغ رئيس الكنيست بعدم وجود إمكانية لتشكيل حكومة.

ويمنح القانون أعضاء الكنيست فرصة إضافية مدتها 21 يومًا للتوافق على مرشح يحظى بتأييد 61 نائبًا على الأقل، على أن يُمنح المرشح 14 يومًا لتشكيل الحكومة إذا استوفى الشروط القانونية.

وفي حال استنفاد المسارات الدستورية دون نجاح، يُحل الكنيست وتُجرى انتخابات جديدة وفق المواعيد التي يحددها القانون، فيما تواصل الحكومة المنتهية ولايتها أداء مهامها إلى حين تشكيل حكومة بديلة.

قراءة سياسية: المقاعد وحدها لا تحسم هوية رئيس الحكومة

تكشف نتائج الانتخابات أن التحدي الأساسي أمام القوى الإسرائيلية لم يعد مقتصرًا على المنافسة بين الليكود وحزب «يشار»، بل انتقل إلى اختبار قدرة كل معسكر على تجاوز الانقسامات السياسية والاجتماعية التي انعكست في الخريطة البرلمانية.

فمن جهة، يحتفظ نتنياهو بمعسكر يميني وديني متقارب في قضايا عدة، لكنه لا يمتلك وفق النتائج المرحلية العدد الكافي لتشكيل حكومة مستقلة. ومن جهة أخرى، يطرح آيزنكوت مشروعًا لتغيير القيادة، لكنه يحتاج إلى تفاهمات مع أطراف تختلف في أولوياتها ومواقفها السياسية.

وتبرز قضية تجنيد الحريديم باعتبارها أحد الملفات القادرة على التأثير في المفاوضات، إلى جانب العلاقات بين الأحزاب العربية والمعارضة الصهيونية، والخلاف حول استمرار نتنياهو في رئاسة الحكومة.

كما أن تقدم الليكود في عدد المقاعد لا يمنحه التكليف تلقائيًا، في حين أن ارتفاع مجموع مقاعد الأحزاب المعارضة لنتنياهو لا يعني اتفاقها على مرشح واحد أو برنامج حكومي مشترك.

وبينما تنتظر الأحزاب النتائج النهائية وفرز المغلفات المزدوجة، يتضح أن شكل الحكومة المقبلة سيتحدد عبر التوصيات الرئاسية والاتفاقات الائتلافية والتصويت في الكنيست، وليس فقط من خلال ترتيب الأحزاب في نتائج الاقتراع.

وهكذا، تفتح انتخابات الكنيست السادسة والعشرين مرحلة من المفاوضات السياسية، تتقاطع فيها محاولات نتنياهو الحفاظ على السلطة مع مساعي آيزنكوت لتشكيل بديل حكومي، وسط حضور برلماني عربي مؤثر وخلافات داخل المعسكرات الصهيونية بشأن شكل الائتلاف والسياسات التي سيتبناها.

خريطة المقاعد وفق نتائج فرز الأصوات العادية

خريطة المقاعد وفق نتائج فرز الأصوات العادية


المصدر: التحديث الانتخابي للقناة 12 الإسرائيلية بتاريخ 28 أكتوبر 2026، الساعة 17:17.