في مشهد جميل وعرس وطني كبير جسد صورة من صور الفرحة الجماعية داخل قطاع غزة، تجمع "162" عريسا وعروسة من عوائل الشهداء والأسرى ، في صالة فندق "الشاليهات" على شاطئ بحر مدينة غزة ، يكسوهم الأمل بالحياة بعد ان تمكنوا من إحياء حفل زفافهم رغم الآلام والأوجاع التي عاشوها في سنواتهم الماضية.
حفل الزواج الجماعي الأول الذي جاء برعاية جمعية الأنصار الخيرية ، ومؤسسة شهيد فلسطين وبدعم وتمويل من الجمهورية الاسلامية الايرانية، بدأ ليلة الخميس - الجمعة ، بدخول العرسان برفقة عرائسهم الفراشات اللواتي ارتدين الثوب الفلسطيني التقليدي المطرز ،على أصوات الزغاريد التي جاءت لتشاركهم فرحة زفافهم ، فيما امسك الحضور بالورود لاستقبالهم وترحيبا بهم.
فرحة عارمة غمرت عوائل الشهداء والأسرى ، فهذه الخطوة عززت صمودهم على ارض الوطن رغم مشقات الحياة والظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشونها بسبب الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة منذ أكثر من سبع سنوات .
العريس الأسير المحرر عبد الكريم أبو حبل (24 عاما)، يصف شعوره أثناء جلوسه بين زملائه العرسان فوق منصة الفرح (الكوشة)، حاملاً بيده إكليلاً من الورود ومرتديًا العلم الفلسطيني المدمج بالكوفية السمراء ، بـ"الفرحة التي لا توصف" .
ويقول أبو حبل "انا ولِدَت مرتين ، المرة الأولى عندما خرجت من السجون الإسرائيلية قبل شهرين ، بعد ان قضيت قرابة 10 سنوات داخل السجون ، حيث اعتقلت وانا طفلاً وكان عمري في حينها 14 عاما ، والمرة الثانية اليوم في فرحي بزواجي ".
ويسرد أبو حبل جزء من مشهد فترة اعتقاله حيث يضيف " عمر بالكامل راح مني اعتقلت وأنا طفل من منزلنا في مخيم جباليا للاجئين ، لفيت كل السجون الإسرائيلية وقبل خروجي كنت في سجن أيشل، ومعاناتي مختلفة عن باقي الأسرى كوني كنت صغير السن في ذلك الوقت ".
ويؤكد أبو حبل ، انه تغلب على السجن والسجان ، حيث أكمل أثناء فترة اعتقاله دارسته حتى تمكن من الحصول على شهادة الثانوية العامة ، معبرا في هذا اليوم عن شكره العميق لجمعية الأنصار ومؤسسة شهيد فلسطين بتقديهم يد العون للأسرى المحررين وعوائل الشهداء.
فيما ثمن العريس محمود عقيلان (24عاما) ، من سكان مخيم الشاطئ للاجئين بغزة ، " هذه الفرصة الكبيرة التي أتاحت له الزواج بعد شهور عديدة من الخطوبة ، حيث تأخر بالزواج بسبب الظروف المالية الصعبة لديه ".
وعبر عقيلان وهو اخ الشهيد اكرم عقيلان احد عناصر الجهاد الإسلامي والذي استشهد في ميدان المعركة اثر اجتياح للاحتلال الإسرائيلي بحي الشجاعة شرق مدينة غزة عن "فرحته بمناسبة زواجه متقدم بالشكر إلى القائمين على الحفل " .
الحاجة ام إسماعيل سليمان ، وهي والدة لشهيدان استهدفهم الاحتلال في "حرب الفرقان" في عام 2009م ، رغم حزنها الشديد لفقدان اثنين من أبنائها ، لم يمنعها ذلك من مشاركة ابنها محمد في فرحته وتقول " من بعد استشهاد اثنين من أبنائي لم اخرج من البيت لفرح ، لكن اليوم الحزن بروح ، وفرحتي في زواج محمد شالت الحزن من قلبي"
وتضيف الحاجة ام إسماعيل ، " بشكر يلي فتحولنا هاد المجال ودخلوا الفرحة علينا ، انا فرحانة إني زوجت محمد ، انا ما قدرت إني اعمل فرح لابني ، وما في رواتب إلنا ، ما مناخد فلوس إلا من جمعية الأنصار واليوم فرحتي في زواج ابني محمد كبيرة ".
بدوره عبر العريس محمد لبد (25 عاما )، عن سعادته العارمة بزفافه ، قائلا " نشكر جمعية الانصار الخيرية ومؤسسة شهيد فلسطين ، على جهودهم الجبارة وعلى إحياء هذا العرس الوطني ، وعلى تقديمهم المساعدة المالية وقدرها 2000 دولار أمريكي " .
العروسة تحرير أبو القمبز (22 عاما) ، لم تخف تفاجئها بحجم الاستعداد الكبير للفرح ، واعتبرت ان ما يميز الفرح الجماعي هو الفلكلور الفلسطيني والأغاني التراثية ، والتي تبعث في النفس السعادة وفي قلوب جموع الحاضرين رغم كثرة عددهم .
بدورها وصفت العروسة سمر أبو المعزة ، فرحتها بهذا اليوم بأنها لا توصف ، وهي فرحة جماعية بامتياز وعرس وطني لكل أهالي فلسطين ، مشيرة إلى ان مثل هذه الأفراح تعبر عن روح التكافل والتعاون بين الشعب الفلسطيني والأمة العربية الإسلامية .
وتقدمت سمر التي كانت ترتدي الثوب الفلسطيني المطرز ، إلى جمعية الأنصار وكل القائمين على الحفل بالامتنان والشكر ، لتقديمهم مساعدة مالية ، وقالت "إنها سوف تستغلها لشراء لوازم للبيت" .
وتخلل حفل الزفاف الجماعي الذي بث مباشرة عبر قناة (هنا القدس) الفضائية وصلات من الدبكة الشعبية والاغاني الوطنية، وأناشيد الأفراح من التراث الفلسطيني ، وسط مشاركة فاعلة من ذوي العرسان والعرائس والجمهورالحاضر، فيما قدمت الطفلة إلياء حميد قصيدة بعنوان ( عاهدت نفسي ان ابتسم مهما كان الحزن كبير) ، كما وتضمن الحفل القاء كلمات عدة كانت أبرزها لعضو المكتب السياسي لحركة حماس محمود الزهار ، وأبو خالد نائب رئيس جمعية الانصار الخيرية .
واعتبر الزهار هذا الحفل عرس وطني وشكل من أشكال المقاومة والصمود في فلسطين .وقال في كلمته من على منبر منصة الحفل المزينة بالعلمين الفلسطيني والإيراني"يسعدني ان تكون كلمتي نيابة عن العرسان والعرائس وان يقبلوا ان أكون أباً لكل واحدا منهم وكل واحدة منهن ، فأنا فقدت اثنين من أبنائي شهداء ، لكن هذا هو التعويض الذي عوضني إياه ، الله سبحانه وتعالي ".
وأضاف " أتقدم بالشكر لكل من دعم هذا العرس الوطني ماديا ومعنويا ، وأتمنى ان تكون الأمة الإسلامية في كل مكوناتها المذهبية امة واحدة ".
واعتبر الزهار ان هذا اليوم يوم مميز قائلا " نحن اليوم في حدث مميز يستدعي فينا الأمل ، فنحن كعوائل شهداء اليوم نفرح لأننا مشروعنا مشروع بناء ، ومشروع الاحتلال مشروع حزن ان شاء الله ، ونحن كعوائل شهداء اليوم نبني اسر ونفتح بيوت جديدة ".
وتابع " اليوم نمد أيدينا الى كل الفصائل الإسلامية وخصوصا مع الإخوة في حركة الجهاد الإسلامي ، ومع كل من يقول لا إله إلا الله ، لنعزز موقفنا الإسلامي في كل مكوناته ونحن على قناعة باننا ذاهبون إلى انتصار كبير ، إلى مشروع تكتمل فيه الفرحة لتصبح الابتسامة في حجم العالم الإسلامي الحر ، يوم يعود كل فلسطيني إلى دياره ونحرر كل فلسطين ، ونقضي على السرطان المسمي العدو الصهيوني في فلسطين ".
وتطرق الزهار إلى الأسرى الفلسطينيين داخل السجون الإسرائيلية قائلاً " كما وفقنا الله في إخراج جزء منكم وكما وفقنا في زواجكم ، سنستكمل تحريركم من السجون وسنضع بدلكم الخونة والعملاء واليهود ".
واكد الزهار في تصريح خاص لمراسل "وكالة قدس نت للأنباء "على هامش كلمته ، " انه لا يوجد خلاف مع اى من مكونات الأمة الإسلامية بالمنقطة في (إشارة إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية )، قائلاً " عشنا في ظروف صعبة من حولنا تغيرت الكثير من الجغرافيا السياسية من حولنا ، تغيرت قيادات ، ولكن يحنوا للبعض وضع توصيفات لأمانيهم ليست على ارض الواقع ، ونحن نتقدم بالشكر لكل من يساعدنا في العالم الإسلامي لنواصل صمودنا على أرضنا الفلسطينية ".
من جانبه كشف أبو خالد نائب رئيس جمعية الأنصار الخيرية ، عن جهود مضنية بذلت من اجل إحياء هذا الحفل ، قائلا " الجميع يدرك ان ظروف الدعم المالي للشعب الفلسطيني تغيرت في ظل الأوضاع العربية السائدة ، لكن بجهود حثيثة من إدارة جمعية الانصار الخيرية ومؤسسة شهيد فلسطين ، استطعنا توفير تمويل للمشروع ، وهذا المشروع يخص عوائل الشهداء والأسرى واستهدفنا 81 عريس وعروسة منهم خمسة اسرى قضوا ما يزيد عن عشرون سنة في السجون منهم أبناء شهداء وإخوة شهداء " .
وأضاف أبو خالد في كلمته من على منبر منصة الحفل التي كتب عليها "فلسطين وشهدائها تشكر الجمهورية الاسلامية وشعبها" قائلا "أعلن عن الحفل عن طريق مجموعة من الإعلانات التي انتشرت في كل محافظات قطاع غزة ، وعبر الإذاعات والفضائيات ، وفي مقدمتهم فضائية (هنا القدس )، وكانت بداية التسجيل وجمع المعلومات في تاريخ 20/8/2013."
وتابع " الإخوة في المؤسسة قاموا بإعداد استمارة تتضمن مجموعة من البيانات والمعلومات عن كل عريس وعروسة لضمان توفر شروط القبول للمشاركة في الحفل ، من ضمنها ان يكون المتقدم للحفل من عوائل الشهداء ذو القرابة من الدرجة الأولى ، ابن شهيد أو اخ شهيد ولا يزيد عقد زواجه عن ستة شهور حتى نستطيع زواج العرسان الجدد ."
وحول امكانية دعم مشاريع مماثلة بالمستقبل للتخفيف عن العائلات الغزية قال " نحن ننتظر النتائج المترتبة عن هذا الاحتفال، والبشائر تدلل على ان الفرحة تعم جميع الحاضرين ، وان شاء الله سنواصل جهودنا في توفير الدعم والتمويل من اجل إحياء سنة الزواج والتخفيف من معاناة أهالي قطاع غزة ".
واضاف " لا احد يستطيع ان ينكر ان قطاع غزة ، يعيش في حالة اقتصادية صعبة جدا ، بفعل حالة الحصار الذي يفرضه الاحتلال ، قطاع غزة يرزح تحت فقر شديد تكاد تصل النسبة فيه 60% من أهل القطاع يعيشون تحت خط الفقر ، تأتي هذه المساعدة من اجل رفع المعاناة ولو بشئ بسيط خصوصا للعوائل الأكثر تضررا من الاحتلال وهم عوائل الشهداء والأسرى" .
ودعا أبو خالد في سياق كملته الى ضرورة توحد قوى وفصائل الشعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال، معتبرا حالة الانقسام التي تشهدها الساحة الفلسطينية منذ عدة سنوات هي الضرر الاكبر على القضية الفلسطينية وعلى التضامن العربي والاسلامي معها.
من جانبه أكد عريف الحفل الاعلامي محمد أبو ناموس، ان "هذا الحفل هو الأول من نوعه الذي تنظمه جمعية الأنصار الخيرية ومؤسسة شهيد فلسطين، بدعم كريم من الجمهورية الإيرانية ، لتيسير زواج عوائل الشهداء والأسرى" .
وأوضح أبو ناموس انه في إطار الاستعدادات لإنجاح هذا الحفل، عمل القائيمن على الحفل منذ ساعات الصباح الأولى، وتم تجهيز المكان، وتوفير كل الأجواء بغرض إنجاح هذا العرس الوطني للمساعدة في رسم البسمة على وجوه جزء كبير من عوائل الشهداء والأسرى الفلسطينيين ".
وفي ختام الحفل الذي احيته الفرقة الوطنية للتراث الشعبي، وزعت جمعية الأنصار الخيرية ومؤسسة شهيد فلسطين ، مساعدة مالية بقدر 2000 دولار لكل العرسان، وكما أعلنتا عن مفاجأة الحفل بتقديمهما ثلاث رحلات عمرة لثلاثة عرسان مع زوجاتهم ، وكانت حسب القرعة التي اجرتها احدى الطفلات المشاركة في الحفل من نصيب كال من : العريس مدحت الدقران ، والعريس ايمن عقيلان، والعريس محمد السموني .
عدسة "وكالة قدس نت للأنباء" تابعت فقرات حفل الزواج الجماعي ورصدت الفرحة والأمل في عيون الحاضرين ..
تقرير: طارق الزعنون
تصوير: محمود عيسى
