مرت القضية الفلسطينية بمراحل متعددة في النضال، منذ أن قامت العصابات الصهيونية باحتلال فلسطين عام 1948، سواء على الصعيد العسكري أو السياسي أوحتى القانوني في أروقة الأمم المتحدة، فكان الدور الفلسطيني منذ البداية مقاومة المحتل الغاصب بعدة طرق، ومنها العمليات الفدائية غير المنظمة والمنظمة إلى أن جاءت حركة فتح وفصائل منظمة التحرير وأخذت على عاتقها تحرير فلسطين وخاضت معارك كثيرة، وأهمها معركة القرار الوطني الفلسطيني المستقل وكان لها ذلك عبر قمة الرباط عام 1974.
استمر النضال وتدفقت الدماء في سبيل عملية التحرر الوطني في الداخل المحتل وعلى الحدود المتاخمة لفلسطين ومنها الأردن ولبنان وسوريا، وغيرها من الساحات العربية والدولية، إلى أن جاءت انتفاضة القرن العشرين الأولى معبرة عن نقلة نوعية في العملية النضالية متميزة عن غيرها من المراحل السابقة بنقل الصراع إلى الداخل، ومن هنا بدأت البداية بظهور حركة حماس والجهاد الإسلامي على أرض الواقع العملي وإن كانا لهما جذور تضرب في عمق التاريخ من الناحية الإسلامية للصراع العربي الإسرائيلي.
مرحلة الاختلاف وتجربة الاندماج
فمنذ بداية التكوين والنشأة لحركة حماس كانت المحددات الأساسية جزء أصيل من العمل السياسي المعلن ضد توجهات رؤية منظمة التحرير،كما وأقامت حركة حماس تحالفات مناهضة لسياسة المنظمة ، وما زاد الطين بله اتفاق واسلوا مع الحكومة الإسرائيلية واتخاذ حركة حماس والجهاد الموقف المعارض، فبتالي الانقسام موجود أصلا منذ النشأة الأولي للحركات الفلسطينية على جميع القضايا الأساسية حتى في طبيعة نظرة تشكيل المجتمع والاختلافات قائمة أيضاً في النظرة المستقبلية لطبيعة الدولة بعد عملية التحرر.
نجح الرئيس محمود عباس في تقريب وجهات النظر منذ بداية حكمه مع الكل الفلسطيني تجاه إدارة الصراع مع الاحتلال وفقاً لمحددات الشرعية القانونية على قاعدة إتفاق أوسلو ورغبة من حركة حماس في إحداث عملية التغيير والإصلاح بعدما قدمت على مذبح الحرية الشهيد عبد العزيز الرنتيسي والياسين وشحادة والكثيرين من القادة ، كما نجحت القوى الدولية في تطويع وترغيب حركة حماس لدخول المعترك السياسي وفقًا لبرامج الانتخابات والعملية الديمقراطية، فكان الانتظار من جميع أطراف المعادلة نجاح هذه التجربة في الأراضي الفلسطينية والتي سوف تنسحب وتعمم على الدول العربية ضمن التوجهات نفسها ولكن في إطار مفاهيم الربيع العربي، وما يهمنا هنا واقع غزة بعد الانقسام والأحداث المؤسفة والمخجلة للكل الفلسطيني وخاصة بعد فشل حكم الإخوان في المنطقة العربية وقيام الثورات المضادة لهذا الحكم، فكانت التداعيات على غزة ومن أهمها أن الجميع يرفض غزة بمن فيها من ثقافة وحكم وفكر وفي نفس الوقت الأطراف كلها تحتاج الكثير من غزة معادلة صعب فهمها من الناحية الموضوعية والإجرائية فمصر تريد من غزة أن تكون محايدة في الصراع القائم مع الإخوان المسلمين وقضاياها الداخلية وأمنها القومي وهذا من حقها، و الضفة الغربية تريد أن تبقي الشعب متصل بالشرعية ومنظمة التحرير والمحافظة على الكيان السياسي الفلسطيني وهذا مشروع من الناحية الوطنية وإسرائيل تريد أن تبقي قاعدة التعامل مع غزة على إنها قضية إنسانية مجاورة لدولة إسرائيل بدلاً من أي التزام قانوني أو أخلاقي متجاهلة أنها دولة إحتلال عليها التزامات وحقوق للشعب الفلسطيني وفقا لمفاهيم القانون الدولي بأنها دولة إحتلال- أما الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي فهناك شروط الرباعية مازالت قائمة، وبعض الدول العربية تريد التنصل من واجباتها تجاه الشعب الفلسطيني لان التكلفة من منظورها عالية جداً ضمن حسابات الربح والخسارة مع القوى الغربية متجاهلة البعد القومي والعربي والإسلامي للقضية الفلسطينية.
فالمشكلة الحقيقية في التفكير الفردي والحلول الجزئية لدى التنظيمات الفلسطينية في حل القضايا التي تهم شعبنا بدأً من الاحتلال مروراً بالانقسام وتداعياته وصولاً إلى الكهرباء والمعابر لذلك تبقى الهموم تتسع وتضيق عند المواطن حسب إمكانياتنا جميعًا، فالجميع ينتظر ويترقب الحلول في الوقت الحالي.
التفاهم والانتصار
بعد أكثر من سبع سنوات عجاف مرَت على الشعب الفلسطيني وقضيته استطاعت حركة فتح وحماس توقيع اتفاق الشاطئ وكسر الجمود السياسي والحديث بشكل جدي عن إنهاء الانقسام وتداعياته من خلال خارطة طريق مستقبلية قاعدتها الأساسية ((اتفاق القاهرة واتفاق الدوحة)) الأمر الذي، أدى إلى ردود أفعال دولية وإقليمية وداخلية أغلبيتها كانت ايجابية ومواقف أخرى ستصدر من الدول تنتظر البيان الأول للحكومة القادمة، وما يهمنا كفلسطينيين هو شعورنا وإحساسنا بتطبيق الإجراءات على أرض.
فالفلسطيني ينتظر الخلاص ولو على أقل تقدير التحول الايجابي في الحياة اليومية والمتمثلة في فتح المعابر وحرية السفر والتنقل إلى العالم الخارجي، وإصلاح التيار الكهربائي، وتحسين مستوى المياه غير الصالحة للشرب في غزة، وإطلاق الحريات وشعور المواطن بالمواطنة ودخول مواد البناء وهي قائمة لا يمكن أن تنتهي من المطالب المشروعة، المهم أن نبدأ بالخطوات العملية كي نشعر المواطن بالفرق بين الوحدة الوطنية والانقسام.
ضبط الإيقاع الدولي
نحن نتفهم من الرئيس عباس والوفد المفاوض بأنه جعل خمسة أسابيع مدة تشكيل الحكومة، وهو أمر دستوري ولا غضاضة في ذلك من أجل تمرير شرعية هذه الحكومة على المجتمع الدولي وامتصاص غضب كل من يكره الخير للشعب الفلسطيني، ويحرج كل من تسول له نفسه بالوقوف عاجزاً أمام الوحدة الوطنية الفلسطينية، وهذا مستوعب من الناحية الدبلوماسية ولكن نتمنى ألا تكون هذه الفترة الزمنية فيها وقت فراغ من الممكن أن يقدم فيها الجزر لأحد الأطراف تجعله يتراجع عما وقع عليه، وبالتالي ننتظر المرة السابعة، اللهم أجعل السادسة نابته.
المخاوف غير المشروعية
المخاوف تبدأ بالملف الأمني وتشكيل الأجهزة الأمنية في غزة والضفة، والانتخابات القادمة ومدى اعتراف كل طرف بالنصر أو الهزيمة، وفهم كل طرف من الأطراف المشكلة للإطار القيادي للشعب الفلسطيني لطبيعة دور السلطة ودور المعارضة...... الخ من العمل الديمقراطي، إذًا كثيرة هي المخاوف ولكن عند صدق النوايا تزول الهموم والشكوك، وبالرجوع إلى ملابسات الحالة الفلسطينية الحالية نذكر الجميع إننا كشعب عندما انطلقنا بالثورة الفلسطينية كان الهدف الأساس هو التحرر الوطني وليس الانشغال بأمور الحكم والسلطة، فالمشكلة في غزة مختلفة تماماً عن الضفة الغربية لأن غزة تحتاج إلى مشاريع تنموية ولا يوجد بها قضايا كبرى مثل الضفة الغربية من مستوطنات وقضية مركزية كالقدس.
وبالتالي فمن الممكن أن ينظر للموضوع في غزة على أنه دور وظيفي وليس سيادي سياسي بالمفهوم الانفصالي لذلك فالمصالحة في طريقها إلى النور والقرار وصل الشاطئ ومر بمصر وسيرسو في قطر وبالتالي المخاوف غير مشروعة عند كل من يخشى على مستقبله الوظيفي والسياسي، كما أن المخاوف عند أهلنا من عدم تطبيق المصالحة مخاوف مشروعة وهذه قمة الانتماء للوطن في الفترة الحالية على اقل تقدير، كيف لا ونحن نمر في أصعب المراحل وأصبحنا ضمن المعادلة والمنظومة الدولية وعلينا استكمال هذا المشروع والانضمام إلى المؤسسات والمنظمات الدولية وفقا لما جاء به اجتماع المجلس المركزي الأخير، وخاصة أننا اتفقنا على معاقبة دولة إسرائيل وكشف عنها الستار، وجعل احتلالها مكلف تبدأ العملية بسمعتها الدولية، مروراً بالمعاقبة الجنائية ووصولاً إلى الزج بقادة الاحتلال في سجون العدالة الدولية، وهذا الأمر ليس صعباً علينا في حالة التوافق الفلسطيني الفلسطيني والمتمثل في التفاهم على مشروع التحرر الوطني ضمن حدود الدولة لعام 1967، فأغلبية الدول تعترف لنا بالدولة الفلسطينية على هذه الحدود، وبالتالي المقاومة مشروعة ومكفولة ضمن هذه الحدود وعلينا ألا نتجاوز هذه المعايير في الوقت الحاضر على الأقل فمن الممكن أن تستغل إسرائيل أي إجراء وان تقدم الحجج للمجتمع الدولي لضرب هذا المشروع الخلاق الذي استطاع إبداع الرئيس أبو مازن في ظل اختلال توازن القوى أن ينجوا به في ظل ضرب مشروع المفاوضات ومشروع المقاومة والحديث عن أزمة الحركة الوطنية الفلسطينية إلى أين؟
بقلم د. حسن السعدوني
