حاول أبواي، وتلاهم زوجتي فيما بعد حاولوا جميعاً أن يعلموني بجد أن خطأين لا يخلقان حقاً. مع أنني أتفق مع الفكرة بشكل عام، إلا أنها لا تكون صحيحة في جميع الحالات. واحدة من هذه الحالات هو مبدأ المصالحة المجتمعية الحالية، فهو يسمح للأفراد التي تقع ضحية لفعل غير مشروع قانونياً وفقاً للدستور الفلسطيني والعرف العشائري وللدين الإسلامي، لإرتكاب خطأ قانوني آخر من أجل معالجة الوضع السابق، وبالتالي يمكن لخطأين أن يخلقا حقاً في مجتمع فوضوي، يتكون من تنظيمات مستقلة عن الدولة وأن تلعب الدور الأساس في تشكيل المنظومة القانونية المستقبلية والتي سوف تحكم وتنظم العلاقات مابين الأشخاص المكونين لهذا المجتمع.
ولحسن الحظ أن هذا لا يعني أن أغلب تصرفات التنظيمات هي تصرفات انفرادية من طرف واحد في اغلب الأوقات بل على العكس من ذلك فالتعاون كان هو الكلمة الرئيسة في معظم مجالات العلاقات النضالية والوطنية قبل أحداث الانقسام عام 2007، ولذلك عندما تقع الانتهاكات كان يتم حلها في كثير من الأحيان عن طريق التواصل بين التنظيمات، بالسبل الودية وهذا ينطبق على الحالة الفلسطينية منذ نشأة القوى المشكلة لهذه المقاومة والتي أخذت على عاتقها مقاومة الاحتلال البريطاني والاسرائيلي، فكثير هي الأحداث والاختلافات في الرأي على سبيل المثال لا الحصر( النشاشيبي- الحسيني- ديمقراطية غابة البنادق في لبنان)، إذاً فمعالجة الأمور والإشكاليات يجب أن تتم أيضا بالتوافق بين جميع القوى السياسية المكونة لهذا الشعب وعدم التفكير في رفع البندقية الفلسطينية مرة أخرى في وجه الفلسطيني، وبإعطاء الحقوق إلى الضحايا والمتمثلة في الحق المعنوي والحق المادي، وهو حق شخصي ومجتمعي في نفس الوقت.
فالحق المعنوي يتطلب من القيادة الوقوف والاعتذار للشعب أولا وللقضية ثانيا وللضحايا ثالثا وان يتم اعتمادهم شهداء من اجل القضية الفسلطينية وهذا سلوك العظماء والكبار .
أما الحق المادي فهو معاقبة كل من سولت له نفسه أن يرفع البندقية على أبناء شعبه من قبل المجتمع من اجل ضمان عدم تكرار ذلك في المستقبل، والعقاب المادي أيضا يفهم عبَر صناديق الانتخابات والتي سوف يكون للشعب كلمة الفصل والتأديب النفسي والإجرائي والعملي، هذا بالإضافة إلى أننا كمسلمين فان النسق العقيدي لتفكيرنا ا ن العقاب عند الله والرسول يوم القيامة. فالمصالحة المجتمعية يجب أن تكون بداية صفحة جديدة مشرقة ومشرفة للشعب وللقضية. ونحن نحمد الله بان القتال لم يستمر طويلاً- ونزع فتيل الأزمة في وقت قصير وأغلق الملف على هذا العدد القليل من الجرحى والقتلى و لم يزيد إلا قليل في فترة الانقسام بحوادث هنا وهناك. فجميع الشعوب التي دخلت في حروب أهلية، من اجل السيطرة على السلطة سألت نفسها بعد سنوات عجاف مرت عليها من اندلاع القتال ، عن السبب الحقيقي المفجر لهذه الحرب فوجدت أسباب غير مقنعة فجرت ومزقت النسيج المجتمعي وجعلت الدولة فاشلة غير قادرة على الوفاء بالتزاماتها تجاه شعبها ومثال على ذلك لا الحصر لبنان، الصومال، دول البلقان، اسبانيا، الخ .....، ففي الأصل هي دوامة غير متناهية ولعنة من الله على الدماء التي تسيل.
من هنا علينا أن ندرك ما يدور من حولنا وقبل أن تفلت الأمور من أيدينا جميعا في ظل التردد والإحجام، وان نرتقي بسلوكنا وحديثنا ونكون ايجابيين تجاه المصالحة، علينا تغيير مصطلحاتنا في مجالسنا ومكاتبنا وجامعاتنا ومساجدنا وفي غرف صناعة القرار، وإلا ما هو البديل عن الوحدة، بالتأكيد هو المزيد من الدماء والدمار والعذاب وضياع المشروع الوطني وخيانة عهد الشهداء والأسرى، الأمر الذي يتطلب منا جميعاً أن نغيير من سيكولوجية الحشد الإعلامي تجاه بعضنا البعض وان ننظر إلى الأمام دون تردد إلى مستقبل أبنائنا، وأن يكون العنوان فلسطين وان نتذكر دائماً بحرها وجبالها وسهولها ولاجئيها وأسراها وشهدائها وقدسها عندما نصنع أي قرار سواء على الصعيد الفردي أو المجتمعي أو القيادي فالكل مسئول والكل ربما يكون مشارك إما أن نكون من الأمم المتمدينة والمتحضرة وإما أن نكون من الأمم التي ذهبت ريحها عبر التاريخ ولم يذكرها احد.
