مرت نحو 66 عامًا على النكبة الفلسطينية، لكن تلك العقود لم تُنسي اللاجئ من بلدة "صرفند العمار" قضاء مدينة الرملة المحتلة غالب حسن نصر الله (71سنة) عذابات رحلة التهجير القسري لآلاف الفلسطينيين ومن بينهم عائلته من المدن والبلدات والقرى على يد العصابات الصهيونية.
ويستذكر المُسن اللاجئ نصر الله الذي كان يبلغ من العمر آنذاك (خمس سنوات) رحلة التهجير الممزوجة بشتى ألوان العذاب والتي أجمع الفلسطينيون لاحقًا على تسميتها "النكبة"، ولم ينسى قط معظم الأحداث التي تخللتها وتبعتها بسنوات طوال.
و "النكبة" مصطلح فلسطيني يبحث في المأساة الإنسانية المتعلقة بتشريد عدد كبير من الشعب الفلسطيني خارج ديارهم التاريخية وهدم معظم معالم مجتمعهم السياسية والاقتصادية والحضارية عام 1948م..
في تلك السنة( 1948) طرد الشعب الفلسطيني من أرضه وخسر وطنه لصالح، إقامة دولة إسرائيل على يد العصابات الصهيوينة، وتشمل أحداث النكبة، احتلال معظم أراضي فلسطين من قبل الحركة الصهيونية، وطرد ما يربو على 750 ألف فلسطيني وتحويلهم إلى لاجئين داخل وخارج الوطن.
ونزح نصر الله "كما يقول لمراسل "وكالة قدس نت للأنباء" مع عائلته وأهل قريته هربًا من البطش والغطرسة التي طالت معظم البلدات والقرى والمدن الفلسطينية، بعدما شاهدوا مجازر إبادة جماعية ترتكب بحق اللاجئين في دير ياسين وبيت دراس(..)، والفلسطينيون يفرون من هذا البطش..
وغادر نصر الله "صرفند العمار" للعيش في الضفة الغربية ويمكث نحو أسبوعين ويزيد بقليل، حتى وصل الجيش الإسرائيلي والعصابات الصهيونية، لتبدأ رحلة لجوء داخل الوطن، ليحط وعائلته بغزة وتحديدًا ببلدة جباليا، ومن ثم بخان يونس وبعدها بأسابيع لمدينة رفح والاستقرار بمخيم "الشابورة" للاجئين حتى يومنا هذا.
و"صرفند العمار" هي قرية فلسطينية تقع على السهل الساحلي من فلسطين التاريخية، وعلى بعد حوالي 5كم شمال غرب مدينة الرملة على الطريق بينها وبين يافا، وترتفع عن سطح البحر حوالي "50 مترًا"، وكان يبلغ عدد سكانها حوالي 10 ألاف نسمة عام 1948م..
وتبلغ مساحة أراضيها 13،267 دونم، وهجر سكانها عام النكبة 1948م، وكانت تلك القرية تعرف (صرفند الكبرى) وسميت بالعمار لتميزها عن (الخراب)، و كان بجوارها أكبر معسكر لقوات الانتداب البريطاني في الشرق الأوسط آنذاك.
ويصف نصر الله رحلة التهجير بالقاسية والصعبة والمؤلمة، "لأن الإنسان تركً وطنه وبيته هاربًا لجهة غير معلومة ولأجل غير مسمى، فالكثير كان ينزح مشيًا على الأقدام، والبعض على شاحنات توصله لمكان معين، وتعود لتنقل البقية، وآخرين على البغال والحمير والحصن والجمال..
ورغم صغر سنه (نصر الله) أنذالك إلا أنه يستذكر جيدًا كافة معالم تلك المرحلة "العصيبة" التي عاشها الأجداد والآباء، كذلك لم ينسى الخدعة العربية التي أوهمتهم بأنهم سيعودون لبلادهم بعد أيام وأسابيع، لكن ذلك لم يحدث وتحول الأمر لمأساة وأمر واقع، وتمزق شمل العائلات.
فهرب من هرب للعيش بالأردن، وآخرين لسوريا، ولبنان، ولقطاع غزة، والضفة الغربية، ودول أخرى، ليعيشوا داخل خيام صغيرة وبيوت من الطين والشعر والصفيح "الزينجو" أقاموها مؤقتًا، حتى تأسيس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين "الأونروا" كوكالة تابعة للأمم المتحدة عام 1949م، حيث أقامت بيوتًا ومخيمات للاجئين.
وقبل أن ينزح نصر الله وعائلته من الضفة الغربية لقطاع غزة، كان شاهدًا على مجزرة ارتكبتها العصابات الصهيونية وقعت بمدينة "اللُد" وارتقى بها عدد كبير من الشهداء "نساء، أطفال، مسنين، شباب، رجال"، كذلك سرقة المصاغات الذهبية للنساء والأموال وما يجدوه بحوزة اللاجئين.
وظن نصر الله أن استقرارهم في قطاع غزة لن يطول وسيعودوا مُجددًا لبلدهم، وتنتهي المجازر البشعة التي كانت تحدث بالجملة بحق أبناء الشعب الفلسطيني على يد العصابات الصهيونية، عدا عن طرد اللاجئين من وطنهم لترهيبهم وطمس معالم الجرائم التي ارتكبوها بهدف عدم إبقاء أحد يستذكر ما حدث ويكونّ بيوم شاهد عليهم.
وعاصر نصر الله فصولاً من المعاناة التي لا حصر لها ويصعب وصفها متنقلاً بين مخيمات اللجوء الجديدة داخل الوطن في القطاع، ففي أشهر عاش بأكثر من خمس أماكن حتى استقر برفح، وأعينه ترنو لأن تتكحل برؤية الوطن المسلوب .
وعادت إسرائيل ترتكب مزيدًا من الجرائم بحقهم مُجددًا في مخيمات رفح، ففي الثاني عشر من نوفمير عام 1956م، قتلت العصابات الصهيونية ما يزيد عن 500 لاجئ فلسطيني رميًا بالرصاص، بعد تجميعهم في المدرسة العمرية وسط المدينة.
ويقول نصر الله : "أخرجوني مع ممن اعتقلوهم وأمروهم بالخروج من بيوتهم سيرًا على الأقدام نحو المدرسة، وبالطريق رآني جندي وقلي أنت صغير ارجع لبيتكم، ووقتها كنت أبلغ من العمر 12 سنة، وبعد ساعات وقعت المجزرة".
ويضيف "أبقوا على عدد من الشباب أحياء كي يساعدوهم بنقل جثامين الشهداء لمنطقة تعرف حاليًا (تل زعرب) لإلقاء جثثهم ببئر مياه ودفنهم، وقبل أن يتم دفنهم أعدمت العصابات الصهيونية الشباب الذين استعانوا بهم لنقل جثامين الشهداء، بهدف طمس معالم الجريمة، وحتى لا يبقى أحد شاهد على ما حدث".
ووسط زحمة الحديث عن المجازر الإسرائيلية وبشاعة ما حدث، نقلنا المسن نصر الله للحديث عن جزء يسير من حياتهم الجميلة التي كانوا يعيشونها في بلدتهم "صرفند العمار"، عندما كانت الناس تحب بعضهم البعض وتخاف على بعض والكل يحترم الأخر، وكلمة مختار البلد سيف على الجميع.
واشتهرت بلدتهم بزراعة البرتقال والفواكه خاصة العنب والخوخ والمشمش واللوزيات والزيتون والنخيل، وكان يعمل أهلها بالزراعة والنجارة والحدادة..، ويقول : "كنا نمتلك نحو 150 دونم مزروع بالبرتقال والعنب والخوخ، وكنا نقتات منها، ونقضي لحظات جميلة بها، ويُجبل عرقنا بطينها الطاهر".
ويشير إلى أن أشهر الأكلات التي كانوا يتناولوها الكسكسي "المفتول" والفتة "خبز الصاج بالأرز أو باللبن"، كذلك تتميز أفراحهم بإقامة السامر الفلسطيني، الذي يشمل الدحية والمربوعة واليرغول والطبل والمزمار والرقص على ظهر الخيول والجمال..".
ويشدد نصر الله على انه "لا يمكن لنا أن ننسى حق العودة ولا العذابات التي عشناها إبان النكبة ولا المجازر التي ارتكبتها العصابات الصهيونية بحقنا، ولا حتى الأيام الجميلة التي عشناها بالأرض" وإن كانت بالنسبة له قصيرة ويستذكر جزءًا منها، مشددًا "حتمًا سنعود، وإن لم يكن اليوم سيكون غدًا، وإن لم نعد نحن سيعود أحفادنا".
