يحمل المزارع الفلسطيني يحيى أبو جميزة "45سنة" من سكان بلدة القرارة شمال محافظة خان يونس جنوبي قطاع غزة حاوية بلاستيكية صغيرة على كتفه وهو يلهث من التعب وينضح العرق من جبينه، ويسير بها نحو مكب خصصه لجمع "البلح" الفاسد وهو بمكيات كبيرة.
ولم يكن فساد وتلف تلك الكميات الكبيرة، لأسباب عرضية، بل نتيجة أمراض وقلة اهتمام من قبل أبو جميزة، الذي حرمه العدوان الأخير على قطاع غزة، من الاعتناء بأرضه وحتى الوصول لها من شدة القصف الجوي والبري، عدا أن الآليات الإسرائيلية أثناء الاجتياح البري، دمرت جزء كبير منها.
وتبلغ مساحة الأرض التي يمتلكها أبو جميزة حوالي 100 دونم (الدونم 1000متر)، مزروعة بمحاصيل مختلفة، فمنها حوالي 50دونم نخيل، والبقية زيتون ورومان، وخضروات موسمية مثل "الكوسا، والباذنجان، والفلفل.."، تعرضت نحو 10 دونمات للتجريف والقصف، خلال العدوان.
وقال أبو جميزة لمراسل "وكالة قدس نت للأنباء" : " هذا العام الانتاج ضعيف جدًا، بسبب العدوان على غزة، الذي تسبب بتلف وتدمير كثير من أشجار النخيل، خاصة في مزرعتي، التي تعرضت للقصف الجوي والتجريف الذي أدى لاقتلاع عشرات الأشجار".
وأضاف "كذلك واجهنا هذا العام الكثير من المشاكل في موسم قطف (البلح الحياني الأحمر)، متعلقة بانتشار الأمراض بقطوف البلح، ما أدى لتلف الكثير منها، وانتشار سوسة النخيل بكثير من الأشجار، وتدميرها، ما يجعل مزرعتي عرضة للانقراض بالكامل".
وتابع أبو جميزة "القصف الجوي العنيف من قبل الطائرات الحربية، أدى لاقتلاع أشجار نخيل مثمرة ومعمرة عمرها ما بين 30_40سنة، والجرافات الإسرائيلية قامت بتجريف وتدمير شجر مثمر أيضًا يتراوح عمره ما بين 10_15سنة، كذلك كثير من أشجار الزيتون المعمرة".
ولفت إلى أنه يقوم في هذه الفترة بتنظيف الثمر التالف، وجمع الصالح وبيعه بالسوق المحلية، قبل أن يتعرض للتلف على الرغم من أن موسم قطفه لم يبدأ بعد، فهو بحاجة لأسبوعين إضافيين، كذلك في كل عام نقوم بالقطف ووضع الثمر بثلاجة نمتلكها لحفظه، وهذا العام الكهرباء سيئة، وهذا مشكلة تضاف للمشاكل السابقة.
وأشار المزارع أبو حميزة إلى أن كميات الإنتاج هذا العام لن تتعدى نصف ما يتم انتاجه كل عام، ففي كل عام تبلغ كمية الإنتاج حوالي (80طن) الطن (1000كجم)، لكن هذا العام لن تتعدى (40طن)، موضحًا إلى أن حاوية البلح الأحمر تُباع بالسوق المحلية بـ (15شيقل إسرائيلي) ما يعادل حوالي (4.5دولار أمريكي).
وبين "أما حاوية الرطب فتباع بحوالي (30شيقل إسرائيلي) ما يعادل حوالي (9دولار أمريكي)، وهذه الأسعار متدنية، لا تعوض خسارة المزارع الكبيرة، مرجئًا ذلك لكثرة المُنتج الذي يفوق حاجة السوق المحلية في القطاع، وضعف التصدير، وعدم وجود طرق لتصديره للخارج..".
ونوه أبو جميزة "عدا عن تفضيل كثير من المستهلكين (البلح البرحي الأصفر) المتسورد من إسرائيل أو مدينة أريحا ، وهو عالي الجودة، وثمنه مرتفع فالكيلوا جرام لا تقل عن (5شيقل) ما يعادل حوالي (2.5دولار أمريكي)، وعلى الرغم من ذلك يُقبل على شرائه المستهلك".
وشدد على أن المطلوب من وزارة الزراعة الفلسطينية دعم المنتج الوطني، من خلال وقف استيراد البلح من الخارج، والعمل على فتح قنوات للتصدير، وتوفير كهرباء لثلاجات حفظ الثمر، وأدوية لرش الحشرات الضارة التي تهدد بانقراض النخل، مثل (سوسة النخل)..
ولا يختلف حال أبو جميزة كثيرًا عن حال سالم الأغا مالك قطعة أرض مزروعة بحوالي 100 نخلة مثمرة عمرها يزيد عن 20 سنة، بمنطقة السطر الغربي شمال محافظة خان يونس، والتي طالها الضرر نتيجة عدم تمكنه من رعايتها خلال العدوان..
وقال الأغا لمراسل "وكالة قدس نت للأنباء" : "لم أتمكن من الوصول لأرضي طيلة فترة العدوان، بسبب خشيتنا من القصف والاستهداف كما تعرض كثير من المزارعين، ما تسبب بتلف كثير من البلح، لأنه يحتاج لرعاية بالفترة التي تسبق قطفه، ولم نتمكن من الوصول له".
وأضاف "وبالتالي فسدت كميات كبيرة، عدا ذلك نتيجة العدوان وأوضاع الناس الاقتصادية المتردية، تدنت الأسعار فبكسة (حاوية) الرطب التي تزن حوالي 12لـ 15 كجم، لا تتعدى 30شيقل، والبلح ما بين 10لـ 15شيقل البكسة، وتعتبر هذه السنة الأسوأ منذ 15 سنة، ونطالب وزارة الزراعة وكافة الجهات بالتدخل لمساعدتنا..".
وتبلغ مساحة الأراضي المزروعة بأشجار النخيل في قطاع غزة حوالى 7660 دونم، مزروع بها 153 ألف نخلة، منها 4345 دونم مثمر وحوالي 3320 دونم غير مثمر، وبلغت كمية الإنتاج العام الماضي من 6500 طن بزيادة 1500 طن عن عام 2012م الذي بلغت فيه 5000طن، بحسب فتحي أبو شمالة نائب مدير عام الإدارة العامة للإرشاد والتنمية الزراعية في وزارة الزراعة.
وأعلنت وزارة الزراعة وشبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية مطلع الشهر الجاري في مؤتمر صحفي أن الخسائر للقطاع الزراعي تجاوزت 550 مليون دولار منها 350 مليون دولار أضرار و خسائر مباشرة و200 مليون دولار خسائر غير مباشرة.
وأكد الخبير الاقتصادي ماهر الطباع أن كثافة الصواريخ التي تحمل المواد السامة والمتفجرة الموجهة التي استهدفت الأراضي الزراعية، سوف تضر بالتربة الزراعية وتجعلها عرضة للتلف, كما لحق بالمزارعين خسائر فادحة، نتيجة عدم تمكنهم من الوصول لأراضيهم الزراعية للقيام بعمليات الري والتسميد وجني المحاصيل المثمرة، ما تسبب في تلف تلك المحاصيل.
