أميركا تسعى لخفض التوتر مع تل ابيب

بعدما نشرت صحف أميركية الغسيل الوسخ للعلاقات مع حكومة بنيامين نتنياهو حان دور التهدئة في مسلسل متصاعد من التسخين.
فقد بادرت الإدارة الأميركية لترطيب الأجواء مع إسرائيل، بإعلان أن ما نشر على لسان مسؤولين أميركيين في مجلة "أتلانتك"، وخصوصا اتهام رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو بالجبن "ضار" ولا يعبّر عن الموقف الرسمي.
وقال وزير الخارجية الأميركي جون كيري، أمام منتدى في واشنطن "ندين أي شخص يستخدم مثل هذه اللغة التي استخدمت في هذا المقال. هذا لا يعبر عن الرئيس ولا يعبر عني. إنه أمر مشين وغير مقبول وضار". وأضاف "لم أسمع هذا المصطلح أبدا حولي في البيت الأبيض. ولا أعلم من هؤلاء المجهولين الذين تنسب لهم التصريحات لكنهم يجعلون الحياة أكثر صعوبة".
وتعهد كيري ان تواصل الولايات المتحدة العمل "بصمت وفاعلية" لإعادة إطلاق عملية السلام مع الفلسطينيين، مؤكدا أنها "قابلة للتحقق لكنها تتطلب شجاعة وقوة".
واعتبر كثيرون أن أميركا بعد أن أوصلت الرسالة وضعت سلما للنزول عن شجرة الأزمة، وستستقبل وفدا إسرائيليا رفيع المستوى للبحث في تدهور العلاقات، لكن مراقبين يرون أن مساعي التهدئة لا تعني أن حدة الخلافات ستتراجع، كما لا تمنع تفاقم الأزمة.
ومن المقرر أن يصل وفد إسرائيلي رفيع المستوى برئاسة مستشار الأمن القومي الإسرائيلي يوسي كوهين إلى البيت الأبيض للاجتماع مع مستشارة الأمن القومي الأميركي سوزان رايس. وقال المتحدث باسم البيت الأبيض جوش أرنست إن هذا الاجتماع يشهد على "مستوى لا سابق له في التعاون الأمني بين الولايات المتحدة وإسرائيل". وأشار أرنست إلى عدم صلة البيت الأبيض بالاقتباسات التي نشرت في مجلة "أتلانتك"، لكنه قال إنه لا نية لمحاولة إخفاء الخلافات مع إسرائيل. وأضاف أن "البناء في المستوطنات ليس مشروعا، وفقط يعقّد المساعي للتوصل إلى حل الدولتين".
وكانت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية جين بساكي قد أعلنت ـ في إشارة إلى الأوصاف المنسوبة لمسؤولين أميركيين ـ أن "الرئيس (باراك) أوباما ووزير الخارجية كيري لا يريان أنها دقيقة أو مناسبة"، وشددت على أنها ضارة وغير نافعة. وقالت إن من تحدث في تلك المقابلة تحدث من دون إذن، وأنه "إذا أثير الأمر في المباحثات مع إسرائيل فسنوضح أن هذا لا يمثل موقف كيري". وترددت أنباء أن كيري اتصل هاتفيا بنتنياهو، وأوضح له أن ما قيل لا يعبر عن رأي الإدارة الأميركية.
وكتب المراسل السياسي لصحيفة "هآرتس" باراك رابيد أنه "لا ينبغي الحيرة تجاه اللفلفات وبلاغات التنصل من جانب المسؤولين الأميركيين، الذين حاولوا بكل السبل إطفاء الحريق الذي اندلع إثر كلمات المسؤول الأميركي المجهول، الذي ألصق برئيس الحكومة صفة جبان مريع وإهانات أخرى".
وأشار إلى أن شبه الاعتذار الأميركي من البيت الأبيض والخارجية الأميركية تشبه اعتذارات وزير الجيش موشي يعلون قبل بضعة شهور حين وصف كيري بـ"المسيحاني والمهووس"، مشددا على أن "الأزمة في العلاقات بين إسرائيل وأميركا حية وقائمة وباقية". وأشار رابيد إلى أن نتنياهو "واثق أن الحملة الدورية ضده تأتي من الدائرة الداخلية الأقرب للرئيس الأميركي. وحتى إذا لم يقف مستشارو أوباما خلف هذه الأوصاف، وحتى إذا كان من اقتبس عنهم الكلمات تحدثوا من دون إذن، فإن أقوالهم رغم ذلك تعبر جدا عن الموقف من نتنياهو في الغرفة البيضاوية".
وفي نظر رابيد فإن المسؤولين الأميركيين الواقفين خلف الحملة الحالية حاولوا كما يبدو "التأثير على الرأي العام الإسرائيلي، عن طريق كشف رأي أروقة الإدارة في نتنياهو، وأرادوا القول للجمهور الإسرائيلي إن رئيس حكومتهم يلحق ضررا بالغا بالعلاقات الإستراتيجية مع أميركا، وهو بذلك يعرض للخطر أمنهم القومي".
ويخلص إلى أنه عدا التنفيس عن إحباطات البيت الأبيض من نتنياهو خلال السنوات الخمس الأخيرة "يلمح الهجوم الأخير إلى السياسة التي ستنتهجها الولايات المتحدة تجاه حكومة نتنياهو بعد انتخابات الكونغرس القريبة، وفي العامين الباقيين لأوباما في البيت الأبيض. فالتعاون الأمني والاستخباري الوثيق سيستمر، لكن الحماية السياسية في الأمم المتحدة والمحافل الدولية لن تبقى فورية وبديهية".
وهكذا بعد تصريحات أميركية مهينة جدا لرئيس الحكومة الإسرائيلية اهتم المسؤولون في واشنطن وتل أبيب بتخفيض اللهيب. وسوف يصل وفد إسرائيلي رفيع المستوى برئاسة كوهين اليوم إلى واشنطن بهدف محاولة إنهاء الأزمة الشديدة بين الدولتين.
ويؤكد إسرائيليون مطلعون أن "المسؤولين الأميركيين يكرهون نتنياهو كراهية شخصية"، لكن الجديد هو أن الأمر وصل حدودا قد تلحق بالغ الضرر بإسرائيل وخصوصا في الأمم المتحدة.
وكان الصحافي جيفري غولدبرغ قد كشف في تقرير له مواقف مسؤولين أميركيين من نتنياهو وصفوه فيها "بالجبن" والمصاب بداء "اسبرغر" و"عديم الجرأة سياسيا" و"متغطرس، ومغلق"، وقالوا إنه "عار أن يكون رئيسا لحكومة إسرائيل".
واعتبرت "يديعوت أحرونوت" أن المشتبه به الرئيس في الأقوال التي نقلها غولدبرغ هو نائب مستشارة الأمن القومي الأميركي بن رودس. ونقلت الصحيفة قول رودس سابقا عن مهمته أن "مهمتي الأساسية هي أن أكون الشخص الذي يمثل رأي الرئيس".
وكان الصحافي الأميركي المتخصص في العلاقات الخارجية وإسرائيل نوا بولك أول من أشار في مقابلة مع "سي إن إن" بإصبع الاتهام لرودس، باعتباره المسؤول الذي وصف نتنياهو بالجبن لأن لغولدبرغ "علاقة مع نائب رئيس مجلس الأمن القومي ومع الرئيس".
وقالت "يديعوت" أن تقدير الأوساط الإسرائيلية هو أيضا أن بن رودس الرجل الذي يقف خلف هذه الأوصاف المهينة. وما يغيظ إسرائيل أكثر من أي شيء آخر أنها لا تستطيع اتهام رودس "باللاسامية" لأنه أحد اليهود الأشد قربا من أوباما في السنوات السبع الأخيرة.

 

المصدر: القدس المحتلة - وكالة قدس نت للأنباء -