ألبانيا: الشيوعيون يعيدون الاعتبار إلى المساجد

في البلقان ظاهرة اسمها "مدن الوقف" أو المدن التي ارتبط تأسيسها بالوقف خلال الحكم العثماني ونمت بعد ذلك لتصبح بلدات وعواصم، منها في البوسنة "غورني وقف" (الوقف الفوقاني) و "دونيي وقف" (الوقف التحتاني) و "اسكندر وقف" (وقف اسكندر) وغيرها. العاصمة سراييفو نفسها قامت على وقف بناه الوالي عيسى بك في 1462 تضمّن نواة عمرانية جديدة إلى جانب الجامع الذي بناه في 1457 (حمام وسوق وزاوية لتقديم الطعام)، وقد توسّعت هذه النواة العمرانية بسرعة لتصبح بلدة، ثم مدينة معروفة باسم "السراي" الذي بناه عيسى بك. وبالاستناد إلى ذلك احتفلت سراييفو في 2012 بالذكرى الـ550 لتأسيسها وأقيم معرض صور بالمناسبة ضمّ كتاب الوقف أو الوقفية المؤسسة لسراييفو.

وكما في البوسنة كذلك في ألبانيا نجد أن الوزراء أو الولاة من أبناء البلاد الذين صعدوا في الهرمية العثمانية كانوا مع تقدّمهم في السن يعودون إلى مسقط رأسهم ويشيدون هناك المنشآت العمرانية (جوامع ومدارس وخانات وجسور إلخ). ومن هؤلاء كان من أحسن اختيار المكان وأقام فيه نواة عمرانية متكاملة (جامع ومدرسة وحمام وخان ودكاكين إلخ) تحولت بسرعة إلى بلدة، ثم إلى مدينة. ومن ذلك، في ألبانيا، أربع مدن ارتبط تاريخها أو تأسيسها بالوقف، وهي بالترتيب التاريخي لظهورها: كورتشا Korca وكافايا Kavaja وتيرانا Tirana وبتشيني Peqini.

وفي ما يتعلق بتيرانا فقد كان اسمها يطلق على السهل الذي تمتد فيه المدينة الحالية، بينما ورد اسمها للمرة الأولى عام 1583 في الدفاتر العثمانية كقرية صغيرة تضم ثمانية بيوت تعيش فيها سبع أُسر مسلمة وواحدة مسيحية. لكن هذه القرية دخلت في منعطف تاريخي في 1614 حين اختارها سليمان باشا بارجيني، وهو أحد رجالات الدولة العثمانية من قرية بارجيني المجاورة، لبناء وقف له تضمن نواة عمرانية متكاملة (جامع ومدرسة وخان ودكاكين). ويبدو أن الموقع الذي اختاره سليمان باشا كان مناسباً لأن النواة العمرانية نمت بسرعة وأصبحت بلدة معروفة. فبعد نصف قرن فقط (1662) جاءها الرحالة العثماني المعروف أوليا جلبي فوجدها مدينة تضم جوامع وحمامات وخانات وأسواق عدة. وفي ما بعد اغتنت تيرانا بجامع آخر أصبح رمزاً لها، هو جامع أدهم بك الذي يقع اليوم في الساحة المركزية لتيرانا بجوار البلدية ومقابل المكتبة الوطنية.

بقيت تيرانا محافظة على طابعها العثماني حتى مطلع القرن العشرين، حين اندلعت الحرب البلقانية في تشرين الأول (أكتوبر) وتحولت ألبانيا إلى ساحة للمعارك بين جيوش التحالف البلقاني (صربيا والجبل الأسود واليونان) والدولة العثمانية. وفي هذه الظروف قام الزعماء الألبان في 28 تشرين الثاني (نوفمبر) 1912، بإعلان استقلال ألبانيا عن الدولة العثمانية في مدينة فلورا Vlora على ساحل البحر الأدرياتيكي قبل أن تسيطر عليها الجيوش المتقاتلة. ومع تعيين الدول الكبرى النبيل الألباني فون أميراً على ألبانيا اختار في ربيع 1914 المدينة الساحلية دورس Durres مقراً لإقامته لتصبح بذلك العاصمة الثانية لألبانيا. ولكن، مع اندلاع الحرب العالمية الأولى ضاعت الحدود وكثرت الجيوش المتقاتلة إلى أن قامت حركة وطنية في نهاية الحرب واختارت تيرانا عاصمة موقتة لكونها في وسط البلاد بعيداً من الساحل الذي كانت تحتله إيطاليا. ومع استقرار ألبانيا وانضمامها إلى عصبة الأمم أُعلنت الجمهورية وكرّس الدستور الجديد في 1925 تيرانا عاصمة دائمة للبلاد. وكان على رأس الجمهورية آنذاك الضابط العثماني السابق أحمد زوغو الذي سعى على نمط مصطفى كمال في تركيا إلى نقل ألبانيا من الشرق إلى الغرب أو من أوروبا في الجغرافيا إلى "الحضارة الغربية"، فأخذت معالم تيرانا تتغير بالتدريج، لكن جامع سليمان باشا الذي يرمز إلى تأسيس المدينة بقي في مكانه الذي أصبح مركز المدينة.

ومع احتلال إيطاليا الفاشية ألبانيا في نيسان (أبريل) 1939 وضمها إلى الإمبراطورية الجديدة بنت في تيرانا بعض المنشآت التي زادت في طابعها الأوروبي خلال 1939 - 1943. ولكن، مع بروز المقاومة المسلحة التي قادها الحزب الشيوعي ضد الاحتلال الإيطالي، ثم الألماني (1943 - 1944) جاء دور معركة تيرانا في تشرين الثاني 1944، حيث تعرض بعض مباني المدينة لأضرار نتيجة القصف المتبادل، ومن ذلك جامع سليمان باشا.

ومع انسحاب القوات الألمانية وتسلم الحزب الشيوعي للحكم لم تنظر السلطة الجديدة بعين التقدير إلى هذا المبنى التاريخي الذي تضرر (جامع سليمان باشا) فقامت بتدميره وتركت فقط ضريح المؤسس سليمان باشا!

وعلى نمط الثورة الثقافية في الصين 1965 - 1966 أطلق أنور خوجا في ألبانيا "الثورة الثقافية" في 1967 التي كانت أكثر راديكالية من أُمّها الصينية. فقد قام الشباب "في شكل عفوي"، كما كان يقال، بالهجوم على الجوامع والكنائس وإهانة رجال الدين وانتهى الأمر إلى تدمير بعضها، على رغم قيمتها التاريخية وتحويل بعضها الآخر إلى منشآت عامة (مسارح ومتاحف ومعارض إلخ) ولم يبقَ أي معبد ديني مفتوحاً وأُرسل رجال الدين إلى معسكرات العمل ليتعلموا "مهناً مفيدة" بعدما "لم يعد لهم عمل" مع "مرسوم إلغاء الدين" الذي صدر في خريف 1967. وفي ما يتعلق بتيرانا، لم ينج من هذا المصير سوى جامع أدهم بك الذي بقي في مكانه بمركز المدينة في جوار البلدية كأثر تاريخي يسمح بزيارته للضيوف القلائل الذي كانوا يزورون ألبانيا التي أعلنت عن نفسها آنذاك "أول دولة إلحادية في التاريخ".

مع سقوط جدار برلين انطلقت الحركة الاحتجاجية في ألبانيا أيضاً لتطالب بالديموقراطية وبادرت المعارضة إلى تأسيس الأحزاب الجديدة وفتح الجوامع والكنائس الباقية للصلاة فيها في نهاية 1990 وبداية 1991، إلى أن استسلم الحزب الشيوعي لسقوطه في 1992.

ومع تولي الحزب الديموقراطي برئاسة صالح بريشا الحكم فتحت الجوامع والكنائس كلها وبنيت أخرى. وقام الجيل الشاب في الحزب الشيوعي بمراجعة جارحة لأيديولوجية الحزب وحوّله إلى حزب ديموقراطي باسم "الحزب الاشتراكي" ليدخل في منافسة على الحكم مع الحزب الديموقراطي في ما يتعلق ببناء الجوامع. وفي سنة الانتخابات الحامية في 2013، كان كل من الحزب الديموقراطي والحزب الاشتراكي يجامل المسلمين بالوعود لبناء "جامع تيرانا الكبير" على اعتبار أن المسلمين كانوا يصلون صلاة العيد في الشارع الرئيسي لتيرانا الذي يطل عليه جامع أدهم بك. وقد انعكس هذا "التنافس" أيضاً في 2014 التي أُعلنت سنة الاحتفال بالذكرى الـ400 لتأسيس تيرانا. ونظراً إلى أن رئيس بلدية تيرانا هو لولزيم باشا رئيس الحزب الديموقراطي المعارض الآن، فقد اهتم كثيراً بهذه المناسبة وأقام معارض عدة لهذه المناسبة. وفي الوقت نفسه، بشّر إدي راما رئيس الحزب الاشتراكي بأنه آن الأوان لبناء "جامع تيرانا الكبير" ليتناسب مع نمو المدينة وزيادة عدد المسلمين.

لكن الروائي المعروف إسماعيل كاداريه الذي كان من رموز "الثورة الثقافية"، وأصبح نائب رئيس "الجبهة الديموقراطية" الواجهة السياسية للنظام الشمولي قبل سقوطه، أصدر في تشرين الثاني الماضي كتابه الجديد "صباحات مقهى روستاند" الذي يتضمن مقالات مختلفة له ينتقد فيها "خطف" ألبانيا إلى الشرق بسبب انضمامها إلى منظمة المؤتمر الإسلامي في 1994، وصولاً إلى استهجان الاحتفال في هذا العام "بتأسيس تيرانا على يد ضابط عثماني" مع أن سليمان باشا ألباني قح من قرية بارجيني التي أصبحت جزءاً من تيرانا بعد توسّعها.

نقلا عن/ الحياة اللندنية

 

المصدر: وكالات - وكالة قدس نت للأنباء -