لم تعد تعج محال بيع الزهور والورود في قطاع غزة كما كل عام بآلاف الزهور والورود ذات الألوان الجميلة والروائح العطرة، فبدت شبه خالية، سوى من قلة من الزهور والورود المزروعة بكميات قليلة، على غير العادة في مثل هذا التوقيت من كل عام "عيد رأس السنة الميلادية" التي تكثر الحاجة فيه لشراء الورود.
محمد حجازي "28عامًا" من سكان منطقة رفح الغربية جنوبي قطاع غزة، يعتبر واحدًا من المزارعين القلائل الذين زرعوا كميات محدودة من زهور "القرنفل" الأكثر استهلاكًا في القطاع وخارجه للهدايا، خاصة في الأعياد والمناسبات.
ويُمسك حجازي بمقص حديدي، ويتجول داخل حقله الزراعي الذي لا تتعدى مساحته خمسة دونمات، مزروعة بألوانٍ مختلفةٍ من زهور (القُرنفل)، بحثًا عن زهور صالحة مُتفتحه يقطفها للسوق المحلية، من داخل تلك المساحة اليتيمة، بعدما باتت نظيرتها جرداء لعدم زراعتها.
ولم يستطع حجازي خلال عمله على مدر نحو ساعة ونصف من جمع زهور تعبئ الحاوية الكرتونية التي جلبها، وكأن الزهور التي كانت تحلُم سنويًا بأن تُصدر للدول الأوروبية، وتتفتح تجد نفسها منافسة لغيرها في الأسواق الأوروبية، تخشى أن تتفتح فتجد نفسها في واقعٍ مؤلم، يجعلها تُباع بأثمان بخسة في الأسواق المحلية في القطاع.
وبدت علامات اليأس والتعب على وجه المزارع، وهو يجمع الزهور ذات الجودة المتدنية ويحملها بين يديه، داخل حقله الوحيد المزروع بالزهور بمنطقته، نتيجة عدم اعتنائه بها كثيرًا، لعدم تغطية أسعار مبيعاتها قيمة نفقاتها، كون الأسعار متدنية بالسوق المحلية.
وأعلنت وزارة الزراعة الفلسطينية في قطاع غزة قبل أسبوعين عن توقف زراعة الزهور، لهذا العام، تفاديًا للخسائر الاقتصادية المتوقعة، وقالت الوزارة في بيان صحفي: "إنّ المزارعين في قطاع غزة، أحجمّوا هذا العام عن زراعة الزهور، لغياب دعم الحكومة الهولندية، ومؤسسات أوروبية أخرى لمزارعي الزهور".
وأضافت الوزارة "إن الحكومة الهولندية كانت تدعم مزارعي الزهور، بمبلغ 3 آلاف دولار لكل ألف متر مربع، غير أنها قلصت هذا العام الدعم، ليصبح 700 دولار لكل ألف مترا ما أدى إلى انتقال المزارعين لزراعة محاصيل تقليدية لبيعها في الأسواق المحلية، وفق البيان".
وقال المزارع حجازي لـ مراسل "وكالة قدس نت للأنباء" : "زرعنا العام الماضي زهور، ولم يتم تصدير كميات كبيرة، وتكبدنا خسائر فادحة، فاقت (500ألف دولار أمريكي)، وهذا العام الحرب لم تمكنا من الوصول لدفيئاتنا الزراعية وزراعتها، كذلك الدعم الهولندي توقف عنا، ما حذا بنا للإحجام عن زراعتها".
وأضاف حجازي "العام الماضي زرعنا بمنطقة رفح لوحدها حوالي 400_700دونم، هذا العام لم تتعدى خمسة دونمات"، مشيرًا إلى أن تكلفة الدونم تزيد عن (11ألف دولار أمريكي)، تشمل (الأشتال، التسميد، الأدوية، المبيدات، تعقيم التربة، الكهربا، المياه..).
وتابع "نضطر في كل عام لترحيل كميات كبيرة من الزهور للأغنام، لعدم تصديرها، لأن الزهرة لو تفتحت تصبح غير صالحة للتصدير، فيما بيعها محليًا أو ترحيلها للأغنام، وبالتالي لم يعد تُجني تكاليفها زراعة الزهور، والسبب الرئيس الحصار ومنع التصدير وتوقف دعم المُنتج المحلي.
ولفت حجازي إلى أنه بالعادة يزرعون الزهور بعد استيراد الأشتال من إسرائيل، في يوليو ويونيو، ونبدأ بالقطف في شهري نوفمبر وديسمبر حتى مايو، وهذه الأشهر يتخللها مناسبات تُباع فيها الزهور في الخارج وغزة، مثل "أعياد الميلاد (رأس السنة)، الحب، الأم"، في كل العالم، لكن في الأخيرة الأسعار متدنية والإقبال محدود.
وأشار إلى منع إسرائيل التصدير هذا العام، وبالتالي ما يتوفر لا يكفي حتى للسوق المحلية، رغم أنه قليل ولا يُباع سوى بأثمان متدنية، حتى أننا لا نعتني به كثيرًا، فيتم فرز الصالح من الفاسد، وتقليمه وجعله جميل، ووضعه في بوكيهات مخصصة، يتم داخل محال بيع الزهور بالقطاع، ليس كما التصدير، فنعتني به نحن، ولو اعتنينا بالكميات التي تُباع محليًا لا تُجني تكاليفها.
وتضررت زراعة الأزهار والورود في قطاع غزة، جراء الحصار الإسرائيلي المفروض على القطاع صيف عام 2007م، ويغطي القطاع الزراعي وفق إحصائيات وزارة الزراعة حوالي 11% من نسبة القوى العاملة في قطاع غزة، أي ما يقارب 44 ألف عامل.
وتسبب الحصار الإسرائيلي بخفض حجم صادرات الورود والأزهار إلى أوروبا، بسبب إغلاق معابر القطاع التجارية، وتدنت النسبة من 40 مليون زهرة سنويا قبل فرض الحصار إلى 4-5 مليون زهرة فقط في العام الواحد.
وتقلصت بفعل نقص الوقود وتداعيات الحصار المساحات المزروعة بالورد من 500 ألف متر مربع إلى 100 ألف متر مربع فقط، فيما يعمل يستفيد أكثر من 5 ألاف عامل فلسطيني من زراعة الورود والزهور سنويًا في القطاع، وانضموا بعد توقف الزراعة لجيش البطال.
