يقال إن عباس يستعد لإلقاء خطاب رئيسي، والذي يضع خطوطا استراتيجية جديدة للنضال الوطني الفلسطيني، على الرغم من أن المقربين منه يقولون إنهم ليسوا متأكدين هم أنفسهم مما قد يقوله بالضبط. أو أنه ربما يكون بصدد مجرد محاولة استعادة الشرعية للمؤسسات الفلسطينية المتعثرة عن طريق استبدال الأعوان والمقربين القدماء بوجوه شابة جديدة.
تعج الطبقة السياسية في رام الله بالتفسيرات المتضاربة لتحركات السيد عباس الأخيرة، والتي تركز على دعوته لعقد اجتماع هذا الشهر للمجلس الوطني الفلسطيني؛ الهيئة المكونة من أكثر من 700 عضو، والتي لم تعقد جلسة منتظمة منذ العام 1996.
يوم الثلاثاء الماضي، قال أمين مقبول، القيادي في حركة فتح التي يتزعمها الرئيس، إن السيد عباس، الذي أصبح عمره 80 عاماً هذا العام، أبلغ اللجنة المركزية للمجلس بأنه لن يترشح ثانية لمنصب رئيس منظمة التحرير الفلسطينية. ولكن هذه التصريحات التي تبدو واضحة خضعت هي نفسها للتأويل.
تقول ديانا بوتو، وهي محامية في
رام الله، كانت تعمل في السابق مع السيد عباس وأصبحت الآن منتقدة دائمة له: "كان يستقيل دائماً، على الأقل منذ العام 2009، لكن ذلك ربما يعود قبل ذلك إلى العام 2006؛ من الصعب أخذ هذه الأقوال على محمل الجد". وأضافت بوتو: "قال فقط إنه لن يقوم بترشيح نفسه، لكنه لم يقل إنه لن يقبل أن يتم ترشيحه من آخرين. إنه يترك دائماً باباً مفتوحاً".
ومن جهته، أصر قدورة فارس، وهو قيادي في حركة فتح، يوم الثلاثاء الماضي على أن "هذه ليست حيلة". وقال السيد قدورة لراديو إسرائيل: "إنه (عباس) يصل إلى نهاية حياته المهنية. وهذا شأن جدي. هذه ليست تهديدات. يبدو أن أبو مازن ضاق ذرعاً".
منذ أشهر عدة، لم يستجب السيد عباس لطلبات إجراء مقابلة معه. وقال العديد من الناس الذين التقوا به مؤخراً إنه محبط ومنهك، لكنه مصمم أيضاً ومركز على جلسة المجلس الوطني الفلسطيني الجلسة المقرر عقدها في 14 و15 أيلول (سبتمبر) الحالي، ثم الاجتماع السنوي للجمعية العامة للأمم المتحدة المقرر في وقت لاحق من هذا الشهر، وكذلك خلوة حركة فتح المقررة في تشرين الثاني (نوفمبر).
بسبب غياب الانتخابات الوطنية، أصبح السيد عباس في السنة الحادية عشرة مما كان يُفترض أن يكون فترة رئاسية مدتها أربع سنوات. وقد فقد ثقة الجمهور به؛ حيث أظهر استطلاع للرأي نشر يوم الثلاثاء الماضي أن مستوى الثقة به هبط إلى 16 في المائة، من 22 في المائة في شهر آذار (مارس) الماضي.
عملية السلام مع إسرائيل التي ميزت قيادته أصبحت ميتة. ووعد المصالحة بين حركتي فتح وحماس، الحركة الإسلامية المنافسة التي تحكم قطاع غزة، أصبحت تقف هي أيضاً على أبواب المقبرة. ويبدو أن السلطة الفلسطينية تعيش أزمة مالية مقيمة، في حين تغرق اقتصادات كل من الضفة الغربية وقطاع غزة.
مع استغراق الولايات المتحدة وأوروبا والعالم العربي في مسألة الاتفاق النووي الإيراني، والمعركة ضد مجموعة "الدولة الإسلامية"، انخفضت أهمية موضوع الدولة الفلسطينية على قائمة الأولويات العالمية. كما اختفى اقتراح فرنسي سابق لاستصدار قرار جديد من مجلس الأمن الدولي بغرض إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية من الأجندة.
وهكذا، تحول السيد عباس إلى الداخل. ويقول مساعدوه إنه يعتزم إقالة أعضاء قدماء من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، ومن المراتب العليا في حركة فتح؛ وينظر المنتقدون إلى هذه الخطوات على أنها عملية تطهير لكل شخص قد يدعم منافسين بديلين على العرش، مثل محمد دحلان ومران البرغوثي.
هناك يافطة ظهرت مؤخراً في وسط ميدان المنارة في رام الله، والتي عرضت صور بالحجم الكامل للرئيس وسلفه المحبوب أكثر، ياسر عرفات، مع شعار يقول: "سنقف مع الشرعية ضد كل المؤامرات الداخلية والخارجية".
وقال زياد أبو عمرو، نائب رئيس الوزراء الفلسطيني، الذي يلتقي السيد عباس بشكل متكرر: "يحتاج الفلسطينيون إلى مراجعة استراتيجياتهم وإعادة خلط أوراقهم، وهذا يتطلب تجديداً في القيادة وتعزيز مؤسساتنا. إن ما نفعله بمنظمة التحرير الفلسطينية هو جزء من جعل أنفسنا أكثر استعداداً للمشاركة في متابعة ثوابت هذا النضال التاريخي".
وقال محمد اشتية، القيادي في حركة فتح والمقرب من السيد عباس أيضاً: "الرسالة إلى الفلسطينيين هي أننا نجلب دماء جديدة"، ولو أنه امتنع، مثل العديد من كبار المسؤولين الآخرين، عن ذكر أي أسماء. وقال السيد اشتية إن الرئيس سوف يتحدث إلى الجمهور أثناء أو قبل مؤتمر المجلس الوطني الفلسطيني.
وأضاف متنبئاً: "إننا بحاجة إلى استراتيجية جديدة، هذا ما سيقوله". وفي الرد على سؤال عن ماهية هذه الاستراتيجية الجديدة، أجاب: "لا أعرف بعد".
لكن البعض يشعرون بالقلق من أن تهدف هذه الاستراتيجية الجديدة بشكل أساسي إلى إعادة ترتيب الكراسي على متن نفس السفينة الغارقة، بما لا يُحدث أي أثر يذكر. وقد استخدم توفيق الطيراوي، عضو اللجنة المركزية لحركة فتح على مدى العقود الثلاثة الماضية، مثلاً قروياً عربياً؛ حيث قال: "إن ما يجري الآن هو عملية طحن للسمسم"، وليس واضحاً بعد أي نوع من الزيت هو الذي سينتج عن هذا الطحن.
وأضاف السيد الطيراوي، وهو معاون سابق لعرفات، والذي يشكو منذ مدة طويلة من تركيز السيد عباس على المفاوضات وحدها: "تغيير الناس من أجل تنفيذ خطط واستراتيجيات سياسية مختلفة، هذا شيء جيد. أما إذا كان لمجرد تغيير الناس من دون تغيير الخطط والاستراتيجيات، فهو ليس شيئاً جيداً".
ولكن، حتى تغيير الأشخاص الذين يجلسون إلى الطاولة ربما لا يكون بسيطاً كما يبدو. وكان السيد عباس قد عمد في وقت سابق من هذا الصيف إلى إقالة ياسر عبد ربه من منصبه كأمين عام لمنظمة التحرير الفلسطينية، واستبدله بصائب عريقات، كبير المفاوضين منذ وقت طويل. لكن السيد عبد ربه ربما يرفض تقديم استقالته من اللجنة التنفيذية، كما أنه ربما لا يتم ترشيح السيد عريقات، الذي يقدم استقالته من بين 10 أشخاص من أصل 18 عضواً للجنة التنفيذية، لولاية أخرى.
يقول نمر حماد، المستشار السياسي للسيد عباس، إن أحد الأهداف الرئيسية من ترتيبات القيادة المقبلة هو تعيين نائب للرئيس في نهاية المطاف. ويشكل السيد عريقات أحد الاحتمالات؛ وماجد فراج، رئيس جهاز المخابرات الفلسطينية، هو احتمال آخر.
لكن كل هذا قد لا يعني شيئاً بالنسبة للفلسطينيين القلقين بشأن ارتفاع معدلات البطالة والفقر، وإعادة البناء المتعثرة لقطاع غزة بعد حرب الصيف الماضي المدمرة بين إسرائيل وحماس. وقد بثت صحيفة "القدس"، أكثر الصحف الفلسطينية تداولاً، شريط فيديو نشر في الأسبوع قبل الماضي، والذي يتم فيه إيقاف الناس وسؤالهم في شوارع رام الله، ويعجزون عن تسمية حتى عضو واحد من أعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، أو شرح دورها.
وقال خليل الشقاقي، مدير المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، الذي أظهرت استطلاعاته الفصلية، إن شعبية السيد عباس تراوحت بين 35 و44 في المائة على مدى العام الماضي: "أعتقد على الأغلب أن الجمهور لا يشتري كل ذلك".
وقال السيد الشقاقي إن السيد عباس لا يملك أجوبة عن الأسئلة الملحة عند الجمهور: "لماذا يفشل في توحيد الضفة الغربية وقطاع غزة؟ لماذا يفشل في مواجهة الإسرائيليين والأميركيين؟ لماذا يفشل في التعامل مع الفساد في الوطن؟ لماذا يختار خوض معارك مع الناس من داخل حركة فتح وخارجها؟".
وبذلك، وبدلاً من مواجهة كل هذه القضايا، فإن السيد عباس "يجمع المجلس الوطني الفلسطيني من أجل محاولة تعزيز السلطة".
ويبقى السؤال: إذا كان هذا هو الهدف، فلأي غاية؟ هل يكون تعزيز السلطة من أجل البقاء في المنصب أم لترتيب خلافة منظمة لخليفة يكون من اختياره؟ للدفع قدماً ببرنامج سياسي جديد، أم لخنق المعارضة التي تنتقد عدم وجود هذا البرنامج؟
يقول علي الجرباوي، الوزير الفلسطيني السابق الذي يعمل الآن أستاذاً في جامعة بير زيت قرب رام الله، متحدثاً عن السيد عباس: "إن كل من يقول لك إنه يعرف ما يدور في عقله، إنما يضللك".
وأضاف السيد الجرباوي: "الأمر لا يتعلق بالأفكار، إنه يدور حول الشخصيات. إنه في الأساس مجرد صراع على السلطة. أنا لا أعتقد أن أحداً في موقع السلطة، إذا كان الأمر متروكاً له، سيتركها من تلقاء نفسه في الأساس".
*أسهم رامي نزال في إعداد هذا التقرير.
*نشر هذا التقرير تحت عنوان: In West Bank, Speculation Abounds Over Mahmoud Abbas’s Plans
