المرابطون في الاقصى . . جرح ينزف . . من يداويه ؟

بقلم: بديع عويس

أحداث دموية استدراجية تتجدّد في رحاب المسجد الاقصى ؛ ترتفع فيها وتيرة النزف الدموي أو تنخفض ؛ تبعا" لما تؤول اليه ردّات فعل المرابطين فوق ساحات المسجد ، ومدى الشجب والاستنكار والتحذير العربي والاسلامي المتواصل .
لايكترث الاسرائيليون ؛ اثخنت جراح المرابطين ؛ او علت أصوات الشاجبين أو حشرجت أصوات النائحين ؛اوساح المنعمون على فرش مبسوطة ؛ فوزير الزراعة الاسرائيلي المتطرّف أوري ارئيل يتقدم عشرات المستوطنين ؛ بحماية قوّات الاحتلال ، ويدخلون الى باحات الأقصى .
الشرطة الاسرائيلية تتقدم المستوطنين ؛ وتحول دون اعتراض المرابطين المسلمين لاندفاعهم المذعور ، لكنها تقف شاهد زور ؛ لاتحرك ساكنا" ؛ عند مباغة الشبان المستوطنين لنساء مرابطات ؛ والاعتداء عليهن بالشتائم والضرب والسحل ؛عندما كن يقفن على جانب الطريق الآمن بحماية اسرائيلية .
قوات الاحتلال استخدمت القنابل الصوتية و قنابل الغاز المسيل للدموع ؛ فحرقت سجاد المسجد في 12 موقع ؛وتسبّبت بحريق آ خر في غرف الحرّاس ؛ واصابت عشرات المواطنين بحالات اختناق ؛ وحطمت 32 نافذة من نوافذ المسجد التاريخية ؛ فألحقت بها اضرارا " الى درجة تحطيمها تحطيما" تاما" ؛ودمّرت الابواب الخشبية ؛ الى درجة اقتلاع أحدها اقتلاعا" كاملا" ؛ فهوى على الأرض ، ودمّرت الانذار المبكّر للحرائق في المصلى القبلي ؛ تدميرا" .
هذه الاحداث ليست وليدة الساعة ؛ سبقتها اعتداءات تجاوزت حوالي 90 اعتداء" اسرائيليا" ؛ حتى تاريخ 31 تموز الفائت . فاتحة الاعتداءات ؛ عام 1967 ؛ أي بعد حرب حزيران 1967 ؛ قام الجيش الاسرائيلي باحتلال حائط البراق ؛ ومصادرة جزء من اوقاف المسجد الاقصى ؛ و تدمير 138 مبنى من مبانيه ،اضافة الى مدرسة الافضلية وجامع البراق ومسجد المغاربة ، كما قام بهدم حي المغاربة . مرورا باحراق منبر صلاح الدين في آب 1969 ، واقتحام أرييل شارون للمسجد الاقصى في أيلول 2000 ؛ وقد كان رئيسا" للوزراء آنذاك ؛ وزعيما" لحزب الليكود ؛ تسبب باندلاع انتفاضة الاقصى .
اسرائيل لم تتوقف عن حماية المستوطنين ورجال الدين والوزراء المتطرفين ؛ اثناء اقتحاماتهم المتكررة للأقصى ؛ بل ابقت على المسجد بؤرة توتّر تصعيدية ؛ لتحقّق نجاحات تراكمية في استلاب حق المسلمين في العبادة والاشراف وحمايته من الاعتداءات على حرمته وقدسيته ، وصولا" الى تثبيت امر واقع ؛ وبناء كنس في باحاته واقتسامه مكانا" بعد ان فرضوا اقتسامه زمانا" بقوة الاحتلال
رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لم يكن اقل اندفاعا" نحو تصعيد المواجهة مع المرابطين ؛ فقد نبه الى ان " من واجبنا ونحن قادرون على التحرك ضد مثيري الشغب لاتاحة حرية الصلاة في هذا المكان المقدس . سنتحرك بحزم ضد رماة الحجارة وزجاجات المولوتوف " . يفهم من اصطفافه الى جانب استخدام وسائل القوة والتي اضاف اليها حرية استخدام القناصة للرصاص في تفريق الاحتجاجات الشعبية الفلسطينية حول الاقصى وداخله ؛علاوة على رفع سقف احكام القضاة في المحاكم الاسرائيلية للمشاركين في الاحتجاجات على اعتداءات المستوطنين ؛ أنه والذين معه أوري أرئيل وموشيه يعلون والمستوطنون متحالفون في استخدام القبضة الحديدية ؛ أشداء على العارية صدورهم ؛ المدججين -فقط – بعزيمة التضحية في سبيل حماية الاقصى .
لكن نتنياهو والذين معه رحماء فيما بينهم ؛ حين يقتضي الأمر ؛ تراجعه عن مواقف متشددة تبناها ؛ وقد افرغ كل ما في جعبته من سهام المواجهة مع الرئيس الامريكي باراك أوباما ؛ والمؤيدين له في التوقيع على الاتفاق النووي مع ايران ؛ بغرض افشاله ؛ حتى اذا تيقن ان السهام ارتدت اليه واثبتت خيبته في اصابة اهدافه ؛ لم يغلق الباب امام محادثات اسرائيلية أمريكية ؛ بمستوى موظفين ؛ لتنتقل فيما بعد الى محادثات بين مستويات سياسية عليا في الأسابيع القريبة المقبلة . كذلك كان جاهزا؛ للرد على نائب مدير عام وزار ة الخارجية الاسرائيلية جيرمي بسخاروف ؛ عندما طرح سؤالا" : " ألم يحن الوقت للبدء في مداولات مع الاميركيين حول المقابل الذي ستحصل عليه اسرائيل في اعقاب الاتفاق النووي ؟ " اجاب نتنياهو : " سنبدا بمحادثات كهذه بعد ان يتضح أن الاتفاق النووي سيمرّ في الكونغرس " . أي انه مستعد لكل المتغيرات ؛ يصعد صقرا" الى قمة الشجرة ؛ اذا اقتضى الامر حزما"وعنفا" ومغامرة ؛ ويركن الى الحمائم على اي فرع من فروع الشجرة ؛ اذا اقتضت المصلحة العليا للوجود الاسرائيلي على ارض فلسطين ، على ان تبقى اسرائيل متاهبة على مدار أربعة فصول ؛ وعلى مدار ساعات الليل والنهار ؛ توفر للمستوطنين المتدينين حقوقا" كاملة في التعبئة الروحية والسياسية والتجهيز الامني والعسكري ؛ وعلاوة على ذلك الحماية القانونية والامنية من المؤسسة العسكرية ، وتوفير القدسية والتأهيل والترفيه للبقاء على وجه الأرض أو تحت الارض ؛ للعلمانيين والمثليين والمعتقلين الجنائيين والأحياء والاموات والحجر والشجر .
على الجانب الآخر من المواجهة في ساحات الاقصى ؛ المرابطون المسلمون تسحقهم رحى طاحون المتدثرين بثياب الوفاء كذبا" وظلم ذوي القربى الذين غدروا بشعوبهم واسلموهم الى سماسرة الموت في البحار والغابات ووعورة الطريق ؛ لا بل استدرجوهم الى القس مارتنز غوتفريد ؛ ليطرح عليهم سؤاله الرباني الملهم :" هل ستبتعد عن الشيطان وأعماله الشريرة ؟ هل ستهجر الاسلام ؟
ليس المقصود أن يزيد عدد المسلمين في العالم اوينقص ؛ لكن الداعي للشعور بالمرارة والتامّل هو : كيف تتلاقى شراهة المرجفين والمتعفنة قلوبهم ؛ مع غطرسة المستعمرين وهمجية المحتلين ؛ عندما تحين فرص الاستغلال لقلة حيلة المثخنين بجراح القهر ؛ والغربة والتشرد والجوع ؟
المرابطون في ساحات الاقصى ؛ شيوخ ونساء ، شبان وشابات ، ليسوا قادة يمتلكون عتادا" عسكريا" اعتلاه صدا السنين ؛ حتى اذا ترنحت عروشهم امام غضب الشعوب ؛ انبعث عتادهم العسكري الصدئ من مخابئه ؛ ودبت فيه الحياة ، وانبعثت الخلايا النائمة من الابطال المجهزين بآليات وادوات قمع الشعوب .
وأية شعوب ؟ شعوب كالأيتام على مادبة اللئام ؛ المرابطون في الاقصى يدينون بدينهم ويتكلمون بلغتهم وينصهرون واياهم بتاريخ واحد وآلام وآمال واحدة وينزرعون على ارض واحدة ويستنشقون هواء" واحدا" ويشربون ماء" واحدا" ؛ حتى اذا اشتدت حرارة الشمس في آب وأيلول استبشروا بالحرية معا" ؛ واذا هبت عليهم عاصفة رملية ؛ تعفّروا بها جميعا" ؛ ولسان حالهم يقول : عسى ان يكون مع العسر يسرا" ( ان مع العسر يسرا" ) .
كل ما يتزود به المرابطون في الاقصى قلوب عامرة بالايمان ؛ بعدالة قضيتهم وحسن خاتمتهم وشدة باسهم في مواجهة العدوان الاسرائيلي ؛ المبرمج والمدعم بالتفوق العسكري ؛ والسيطرة على منابع الغاز والنفط والماء ومزاريب من الدعم المالي بلا حدود .
لهم صورة مشرقة في مواجهة المحتلين ؛ ولهم صور ماساوية ؛ في عشوائية جزيرة فاضل في المحافظة الشرقية في مصر ؛ وفي غيرها من عشوائيات المخيمات في كل قطر عربي ؛ يعانون من آلامهم كما يتالمون لاوجاع القابعين في بيوت منتشرة في عشوائيات العرب ؛ مهددة بيوتهم بالهدم في كل لحظة ؛ ومهدد أصحابها بالتشرد في كل حين ؛ على موعد مع جرافات السلطات الحاكمة ؛ لاقتلاع هياكل بيوت وتسويتها في الارض ؛ ثم تلقي بها في مكب النفاية .
ربما يستحدثون لهم عشوائيات في الصحاري ؛ تفتقر الى البنية التحتية ؛ من مواصلات وماء وكهرباء ؛ اضافة الى بعد المسافة التي تفصلهم عن المدارس والمشافي ؛ تصل في الغالب الى عدة كيلو مترات . يعيشون على أمل العودة الى عشوائياتهم الاولى ؛ لتعمل نساؤهم في بيع الخضار امام منازلهن ؛ او في خدمة بيوت الأحياء الراقية ؛ يطلق سراح الأطفال في الشوارع لممارسة الشحادة ، ليعيشوا حياة افضل تحت خط الفقر .
تحبط السلطات الحاكمة آمالهم بالعودة ؛ بعداغراقهم في بحر من رمال الصحراء ؛ لا يسمعون لهم شكوى ؛ ولا ازعاج للسائحين ؛ ولاوعورة في طرق المستثمرين ؛ سواء كانوا عربا" أو عجما" . لا بأس من صناعة اعداء تحت السيطرة ؛ ما دام خطرهم محصورا" في البلطجة والسرقة ؛ وتسيّب آلاف من اطفال الشوارع ، وانتشار الامية التي تقارب 40 % في بعض البلدان التي تغطي فضائياتها الاعلامية - الخاصة منها والعامة - مظاهر الحضارة المادية للراسمالية المتفشية في البلد ؛ على انها هي المشهد العام القائم .
مشهد خدّاع قابل للاشتعال في اية لحظة ؛ تماما" كمشهد المرابطين في ساحات المسجد الاقصى ؛ تصرّ اسرائيل على انها واحة الديموقراطية في الشرق الاوسط ؛ ولا تريد ان تقنع ذاتها ان النازية لم تستطع استئصال الوجود اليهودي في اوروبا ؛ حتى لا تراودها الشكوك باستحالة انهاء الوجود الفلسطيني في فلسطين .
الوجود الفلسطيني في فلسطين يتجسد بوجود المرابطين في الأقصى ؛ يقاومون ويتأ لمون من نزف جرح غائر في قلوبهم ؛ من يداويه ؟ هل يداويه المرابطون في عشوائيات الوطن العربي الكبير ؟ ام من يأخذون على عاتقهم مداواة كل مواطن عليل او جريح في اوطانهم ؟ !

.....................................................................................................


بقلم : بديع عويس