نيجيريا كما افريقيا الوسطى وبوركينا فاسو ( فولتا العليا ) ؛ واثنتين وخمسين دولة اخرى ؛ مستعمرات فرنسية ؛ ايام كان الاستعمار يتباهى بجماله الطبيعي ؛ بدون مساحيق التجميل الفاخرة ، تشكل بمجموعها المنظمة الدولية للفرنكفونية ؛ اضافة الى ثلاث عشرة دولة اخرى ؛ لها صفة مراقب .
تشرف المنظمة على عدة هيئات ، اتحاد جامعات ، جمعية للعمد ، جمعية لعمد البلديات ، هدفها ترويج اللغة الفرنسية ، ولها مآرب اخرى بريئة ؛ لذلك تسارع فرنسا الى اتخاذ القرارات الحاسمة اذا اقتضى الامر ؛ بغرض استتباب الأمن في هذه البلدان ؛ حتى هذه الساعة ؛ وبعد ان منّت عليها بالاستقلال المؤزّر ؛ الى درجة التدخل العسكري المباشر ؛ كما حصل في مالي وافريقيا الوسطى ودول اخرى .
في شمال نيجيريا ؛ جماعة بوكو حرام والتي تعني ( ضد التغريب ) أو كما يحلو للبعض ان يسميها : الدولة الاسلامية السمراء ؛ معاقلها تتمركز في حاضنة اجتماعية اسلامية ؛ يعاني المسلمون فيها من المظالم الاجتماعية والتهميش الاقتصادي والسياسي ؛ ولذلك خلقت هذه الأوضاع المعيشية بيئة مناسبة للتململ والاحتجاجات ؛ سرعان ما تحولت الى تمرد مسلح قادته الجماعة ؛ التي امتد نفوذها الى مناطق متعددة في دول الجوار ، من خلال تنفيذها هجمات دامية بشكل منتظم ، الامر الذي استدعى قرارا" بتشكيل قوة تدخل مشتركة متعددة الجنسيات " بمشاركة نيجيريا والنيجر وتشاد والكاميرون وبنين ؛ من اجل تنسيق تحركات الجيوش التي تصرفت سابقا" بشكل غير منتظم .
الهجمات التي تنفذها الجماعة تصاعدت بشكل ملحوظ ؛ الى درجة أنها قاربت على تهديد تدفق النفط النيجيري ومناجم اليورانيوم في النيجر ؛ الخاضعة الى استغلال الشركات الفرنسية ؛ مما يستدعي تحالفا" دوليا" يضع حدا" لذلك التهديد .
تماما" كما استدعى تهديد الدولة الاسلامية لأهم مخزون لمصادر الطاقة في العراق والشام ؛ أن يشن تحالف عربي دولي هجمات عسكرية على مواقع الدولة ؛ نظرا" لتداخل النفوذ الدولي . في الوقت الذي تتشابه فيه ظروف النشأة للدولة ؛ تتشابه فيه الفروع في عدة مواقع ؛ في المنهج والولاء والممارسات ؛ مع ان العالم يختلف في التعاطي مع هذه الفروع ؛ تبعا" لاختلاف المواقع ، ومع ذلك سيبقى الاهتمام الدولي مقتصرا" على التنسيق العام بشان خطر تصاعد الاعمال المسلحة في عموم افريقيا .
ما يتعرض له المسلمون في القارة الافريقية يتلخص في قول الصحفي الموريتاني المتخصص في الحركات الاسلامية محمد محمود ابو المعالي : ( ان الغبن الذي تعرض له شمال نيجيريا ؛ والعنف الذي مارسه الجيش والأمن ضد السكان المحليين ؛ في تصفية حساباته مع الحركة ( بو كو حرام ) أكسباها تعاطفا" كبيرا"؛ ووفرا لها الحاضنة الاجتماعية ) ويشير الى ان قبائل الهوسا المسلمة ؛ شكلت البنية الأساسية للحركة ؛ وهذا ما يفسر تمددها الى النيجر والكاميرون ؛ حيث تتواجد هذه القبائل في الأجزاء المحاذية لنيجيريا من الدولتين ، وهذا ينطبق بطبيعة الحال عل صور المعاناة المتكررة في عدد من الاماكن ؛ التي تتفجر فيها الاحداث الدموية بين حركات التمرد من جهة ؛ وبين القوى الامنية والمليشيات المسلحة المناهضة من جهة اخرى .
في العراق ؛ تدحرجت كرة الاحتجاجات السنية على الاوضاع المعيشية والامنية والسياسية المتردية ؛ حتى تبلورت الى الاعلان عن تشكيل فصيل مسلح ، ثم دولة العراق الاسلامية ، فالدولة الاسلامية في العراق والشام ، وصولا" الى الدولة الاسلامية ( دولة الخلافة ) .
تطور التشكيلات الادارية في الشئون المدنية و العسكرية ؛ رافقه تدرّج في الأساليب القتالية ؛ ابتدأت في ساحات الحرب في العراق ؛ من خلال عمليات قتالية متفرقة ضد الاحتلال الامريكي ؛ تمثلت بحرب العصابات ؛ حتى وصلت الى مرحلة الجيوش النظامية المتطورة والمتميزة عن غيرها من الجيوش النظامية التقليدية ؛ مما هيّأ الاجواء الملائمة للاعلان عن اقامة دولة الخلافة .
لم يكن الاعلان عن الخلافة امرا" اعتباطيا" ؛ غير مدروس ؛بل أجمعت أقوال الخبراء والسياسة على انهم أمام اغنى واقوى تنظيم جهادي عرفه العالم ، اكتسب خبراته من خلال الحروب الطويلة التي خاضها مقاتلوه ؛ ويمتلك مقومات الاستمرار من خلال عمل المجموعات كانها حركة تمرد ؛ قد تنكفئ في منطقة ما ، وتتوسع في منطقة اخرى ؛ خاصة البيعات ؛ رغم انها لم يكتب لها النجاح والثقل كما الحال في نيجيريا وافغانستان ؛ حيث اصبحت هاتان المنطقتان تشهدان عمليات تمدد للتنظيم ؛ شبيهة بما يحدث في العراق وسوريا .
شبه اجماع دولي ؛ على ان التنظيمات الاسلامية ؛ تنظيمات ارهابية ؛ متطرفة كانت او وسطية او حتى متصوفة ؛ وأن الضرورة تقتضي تمزيق أي جسد اسلامي معافى من آفة التبعية ورذيلة السمسرة لنهب خيرات البلاد ؛ والضرورة تبيح همجية الاستعمار القديم ؛ كما هو الحال في مينمار ؛ وأفريقيا الوسطى ، وتبيح أساليب استعمارية حديثة ؛ كما يجري في رقع الجسد الاسلامي الممزق ؛ سواء كانت الرقع عربية او اعجمية في افغانستان وباكستان مرورا" بالدول العربية ، والتوقف في تركيا .
في الوقت الذي يدرك فيه المسلمون أن رقع بلدانهم تصلح لأن تكون حاضنات اجتماعية ملائمة لظهور الجماعات الجهادية لمقاومة أدوات الاستعمار في بلدانهم ؛ حتى لو كانوا بعيدين عن الالتزام بقواعد الشريعة الاسلامية في عقود متتالية ؛ يدركون كذلك ان هذه الجماعات تتعرض الى قصف عربي دولي متواصل ؛ جعل مقاتلي الدولة الاسلامية في بعض المناطق في موقف دفاع ؛ سرعان ما تحول الى انسحاب من مناطق كانوا قد سيطروا عليها سابقا" ؛ مثل مدينة تكريت وكوباني وتل ابيض ؛ لكن التنظيم سرعان ما يعود الى تلك المناطق ؛ ويقوم بعمليات عسكرية واشتباكات مع القوى المتواجدة بداخلها .
بين شبه الاجماع الدولي على ارهابية الدولة الاسلامية ؛ وبين ثبات وآلية حركة المجموعات المقاتلة للدولة ؛ التي تفتقر الى التغطية الاعلامية الكافية لمشاهد الاحداث الدرامية المتواصلة ؛ في ادارة الشؤون الداخلية للبلاد ، وادارة الحرب والعلاقات الخارجية . . . تعلو المشهد الاعلامي ضبابية لكثير من المسائل ؛ التي تقتضي اجابة على أسئلة ملحة على النحو التالي :
• كيف تجمع الدولة الاسلامية ؛ بين رحمة الاسلام بالمدنيين والأسرى من جهة ؛ وبين شدة بأس المقاتلين في المواجهات العسكري ؟
• كيف يعيش المسلمون في مناطق الدولة ؟
• ما هي حدود الحرية الشخصية لكل من الرجل والمرأة ؟
• عقدة الزام المرأة بارتداء الخمار ؛ هل هي حقيقة ؛ أم هي ادعاء البث الاعلامي الموجّه ؟
• المرأة التي لا تلبس الخمار ؛ هل يعاقب زوجها بأربعين جلدة ؟
• هل تجبر النساء غير المتزوجات على الزواج من مقاتلي الدولة ؟
• ما هي حدود توفير المأكل والملبس والمشرب والكهرباء للمواطنين ؟
• ما هي اسباب شعور الأهالي في الفلوجة بالسعادة في بداية " الفتح الاسلامي " ؟
• لماذا يجلد من يتخلف عن الصلاة في المساجد بأربعين جلدة ؟
• لماذا ابيح شرب الخمرة في السنوات الثلاثة الأولى ؛ من الحكم الاسلامي ؛ في عهد النبي محمد ؟
• لماذا يجوز للمقاتل بمضايقة بنات احد المواطنين ، والتحرّش بهن ؛ مرات عديدة ؛ لكون المواطن رفض طلب المقاتل ؛ عندما تقدّم ليطلب يد ابنته ؟
• الناس تفاءلوا خيرا" بقدوم الدولة الاسلامية ؛ وتخليصهم من الحكومة العراقية ؛ لكن تأييدهم لا يعني تأييدهم للدولة ؛ لماذا ؟
• ما الذي أباح للدولة الاسلامية حظر السجائر والشيشة والقمصان قصيرة الأكمام ؛ والتي تزيّن باللغة الانجليزية ؟
• لماذا لا يسمح للنساء بمغادرة المنزل الا برفقة أحد أقربائهن الذكور ؟ وأي قريب ؟
• ما مدى صحة اغتصاب النساء الايزيديات الأسيرات ؟ وما دواعي التحليل ؟
• ما مدى صحة اعدام بعض الاسرى ؛ مسلمين أو غير مسلمين ؟
• ما مدى صحة عقود الزواج ؛ لمدة اسبوع فقط ؟
• ما سرّ أشرطة الفيديو المصنوعة بمهارة بصرية وسمعية كبيرة ؛ والتي تظهر فيها عمليات الذبح وقطع الرأس ؟
• ما صحة محاولة هرب أحد المقاتلين من الدولة ؛ والذي تم القبض عليه ؛ وتم اعدامه بتهمة الخيانة ؟
الاجابة على هذه الأسئلة ؛ تثبت مدى تورط الدولة بالارهاب ، أو مدى كذب من تعمّد الصاق التهمة بها . البراءة تعني أنه يتعذّر الزجّ بها في قافلة أحفاد هتلر؛ الذي لم يغفر له جرائم الابادة الجماعية ؛ بأسلوب المحرقة للاحياء من اليهود .
ولن تكون على علاقات ودّية مع صنّاع محرقة البوذيين للأحيا ء من المسلمين في بورما؛ على صفيح ملتهب ؛ فوق نار مشتعلة ؛ وقودها الناس والحجارة .
تترك علاقات الودّ والصداقة الى اسرئيل اليهودية ؛ وعروس الديموقراطية الغربية في الشرق الأوسط ؛ تخلي السبيل لها لتحدي العقوبات المفروضة من الامم المتحدة على مينمار ؛ واستقبال قائد هيئة الأركان في الجيش البورمي ؛ لعقد صفقة لتزويد بلاده بما جدّ واستحدث من السلاح .
...........................................................................................................
بقلم : بديع عويس
