حكومة اليمين الإسرائيلي المتطرف تناور

تبدو الحكومة الإسرائيلية في ظل الهبّة الفلسطينية وكأنها تلعب لعبة "الاستغماية". فهي من جهة تعلن أنها لا تريد تغيير الوضع القائم في الحرم القدسي ولا ترغب في التصعيد والأهم أنها مستعدة للتفاهم مع السلطة الفلسطينية في رام الله. وبالمقابل فإنها بعد الحرب الأخيرة في غزة تشير لكل العالم أنها لا تحاصر قطاع غزة وتحاول التخفيف من ضائقة أهلها بل وعلى استعداد لبلورة تفاهمات مع سلطة حماس لا ترقى لمستوى اتفاق. ولكن حكومة إسرائيل من الجهة الأخرى تفعل كل ما بوسعه تغيير الوضع القائم في الحرم والتصعيد الميداني في الضفة وصولاً إلى الحرب في غزة وتمنع كل احتمالات لتحقيق حل الدولتين.
ولا يمكن النظر إلى كلام رجالات الحكومة الإسرائيلية من دون النظر إلى أفعالهم ومراقبة عواقبها. فزيارة الحرم القدسي محرّمة لدى أغلب حاخامات اليهود وتياراتهم وتزداد هذه الحرمة عندما يتعلق الأمر أيضاً بالصلاة. ولكن اليمين القومي وخصوصاً المتدين صار يجد بين الحاخامات من يستند إلى سوابق ضعيفة من أجل تأكيد جواز الوصول للحرم والصلاة هناك بل وتشجيع جهات على الدعوة لهدم المساجد وإنشاء الهيكل الثالث. واليمين القومي المتدين هذا لم يعُد مجرد حزب في الحلبة السياسية بل صار شريكاً كبيراً يتواجد ليس كحزب وإنما أيضاً كتيار في باقي أحزاب اليمين.
وعدا ذلك فإن الصهيونية التي بدأت علمانية مستندة إلى أيديولوجيا سلفية تدّعي الحق الديني والتاريخي سرعان ما ارتدت الرداء الديني. وبسرعة كبيرة، وبتشجيع من كل أحزاب الحكم، من العمل إلى الليكود وما بينهما، جرى تشجيع الاستيطان لأغراض أيديولوجية في الضفة الغربية. وكثيراً ما حاول بعض عقلاء الصهيونية الإشارة للتطور الذي أبعد أبناء الكيبوتسات عن مكان الطليعة ليحلّ مكانهم أبناء المستوطنات. ويتذكّر الكثيرون دعوات أرييل شارون عندما كان وزيراً في حكومة بيغين للمستوطنين لاحتلال كل تلة وهضبة في الضفة الغربية. وبديهي أن مثل هذه الدعوات أنتجت "صبية التلال" الذين باتوا يستخفّون ليس فقط بأرواح العرب فيحرقون زرعهم وأملاكهم وصولاً إلى حرق عائلة الدوابشة، وإنما أيضاً يستخفون بسلطة القانون الإسرائيلي.
ومنذ توقيع اتفاقيات أوسلو نشأ تيار لا همّ له سوى منع تحقيق التسوية بين إسرائيل والفلسطينيين. والمدهش أن هذا التيار هو مَن يمسك حالياً بدفة الحكم في إسرائيل وليس من يجلس في مقاعد المعارضة. فأوري أرييل، وهو من مؤيدي اقتحام الحرم القدسي وتغيير الوضع القائم فيه عن طريق التقاسم الزماني تمهيداً للتقاسم المكاني يرى في ذلك مجرد خطوة مرحلية. فهو من أنصار بناء الهيكل والذي يعني جوهرياً هدم المسجد الأقصى وقبة الصخرة. وهذا الكلام يُقال علناً وليس داخل الغرف المغلقة. وعندما ائتلف نتنياهو مع البيت اليهودي كان يعرف ما تحويه هذه الكتلة. لكن مَن يحوي في داخل حزبه، الليكود، أشخاصاً مشابهين مثل وزيرة الثقافة ميري ريغف ونائب وزير الخارجية تسيبي حوتبولي فضلاً عن داني دانون وسواهم لا يستطيع الاشمئزاز من التحالف مع أمثال أرييل. وربما أن الفارق بين نتنياهو وكل هؤلاء ليس إلا ضئيلاً لا يكاد المرء أن يميّزه وهو في أحسن الأحوال يتعلق بطريقة الكلام وليس بمحتواه.
وكل هؤلاء يؤيّدون الاستيطان ليس فقط في القدس وإنما في كل أرجاء الضفة وجميعهم عارض في حينه خطة الفصل التي فكّك بموجبها أرييل شارون المستوطنات في قطاع غزة. ورغم حدة القلق جراء الهبّة الشعبية الفلسطينية التي تتّسع بشكل يومي وتقود بشكل متواصل نحو الانفجار الكبير، فإن حكومة إسرائيل لا تفعل سوى الكلام. وهذه الحكومة أسيرة لطروحات المستوطنين الذين باتوا قادة الرأي العام في الوسط اليميني وهم مَن يتحكّمون في رفع وإنزال أعضاء الكنيست عن المسرح ويستطيعون معاقبة كل مَن يعاديهم.
وفي الأيام الأخيرة شنّ المستوطنون حملة دعائية قوية تظهر أنهم يحظون بدعم رئيس الكنيست ووزراء ليكوديين وآخرين من أحزاب أخرى وأنهم لا يطالبون بأقل من قمع الهبّة الشعبية الفلسطينية بقسوة واستعادة الأمن وزيادة الاستيطان بشكل واسع. والمستوطنون لا يريدون فقط للحكومة الحالية أن تمنع التسوية وحل الدولتين وإنما يريدون لها أن تحول عبر فرض وقائع على الأرض دون تمكّن أي جهة مستقبلاً من التوصل إلى حل.
وفقط أمس كشفت "هآرتس" النقاب عن أن أحزاباً في الحكومة الإسرائيلية تضع البنية التحتية لتحويل إسرائيل إلى دولة شريعة من خلال إدخال عناصر من الشريعة اليهودية إلى القضاء المدني الإسرائيلي. وتعتقد الصحيفة أن هذا سيفتح الباب أمام المشككين "بشرعية إسرائيل كدولة ديموقراطية". ولكن ما لا يقلّ أهمية عن ذلك أن أعداداً متزايدة من أعضاء الكنيست الإسرائيلي تؤيد ذلك.
وأمام هذا الواقع من المهم ملاحظة أن الرباعية الدولية ستصل في الأيام القريبة إلى المنطقة بأمل دفع الطرفين إلى طاولة المفاوضات. ولكن مَن يقرأ المعطيات على الأرض داخل الحلبة السياسية الإسرائيلية يدرك أن فرص تحريك العملية السياسية تكاد تكون معدومة. فليست في إسرائيل قوة قادرة على مجابهة المستوطنين واليمين المتطرف الذي يحظى بأغلبية متزايدة. تكفي نظرة لاستطلاعات الرأي لمعرفة أن أغلب الجمهور الإسرائيلي يعتقد أن السلطة الفلسطينية تقف خلف الهبّة الشعبية. الواقع أن نتنياهو هو مَن أطلق هذه الفرية وسرعان ما تراجـــع عنها بعدما صار يقــول إن السلطة ورئيسها جزء من الحل.
 

المصدر: تقديم وترجمة: حلمي موسى -