لا خلاف ؛ ان اسرائيل تمثل صورة مشرقة من صور الحضارة المادية الغربية والشرقية في العالم ، وتمثل أيضا" صورة مظلمة لما هو مدوّن بين السطور الفاتنة ؛ بجمال زخرفة مفرداتها .
المستوطنون يعكسون الصورة الجميلة ؛ للدفيئات الزراعية المنتشرة فوق الأراضي المسلوبة ؛ تنهل من المياه المكبلة في باطن الأرض ، ويعكسون كذلك الصورة المعتمة لحرمان الفلسطينيين من خيرات ما تبقى من ارض أو ماء او هواء .
فاز اليهود بمسعاهم لاقامة دولة اسرائيل على أرض فلسطين عام 1948 ؛ وغدا كيانهم كرة ثلج يزداد حجمها ويزداد ثقلها وتأثيرها ؛ كلما تدحرجت على مزيد من الأراضي العربية . لم يعترضوا على قرار التقسيم في بداية وجودهم ثمّ تعدوه وكانه لم يكن ، ولم يمانعوا عودة اللاجئين الفلسطينيين ؛ ثمّ تجاوزوها ؛ واحتلوا ما تبقى من فلسطين عام 1967 – الضفة الغربية لنهر الاردن ؛ بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة .
قرار مجلس الامن 242 الذي ينص على الانسحاب الاسرائيلي ؛ وافقت عليه اسرائيل على ان يبقى مصلوبا" على خشبة مجلس الأمن الدولي ؛ بين حياة ( أل ) التعريف في الاراضي ؛ وموتها في أراض ؛ مما فتح لهم الذرائع لزراعة الارض المحتلة مستوطنات ؛ وضمّ القدس الشرقية ؛ عاصمة ابدية ، وحفروا الانفاق طولا" وعرضا" تحت الأقصى ؛ تحت ذريعة البحث عن هيكل سليمان ، ثم حرّض وزراؤهم على اقتحام باحات الأقصى ؛ وكانوا السبّاقين تحت حماية الشرطة ورجال الأمن في رعاية الاعتداءات المتواصلة ؛ على المصلين المسلمين المتواجدين في اروقة المسجد .
اتجه الشبان والشابات والرجال والنساء نحو المرابطة في حرم المسجد لحمايته ؛ الا أن الاسرائيليين صعّدوا من اقتحاماتهم ؛ حتى فرضوا أمرا" واقعا" ؛ باقتسام المسجد زمانيا" في الفترة الصباحية لليهود ؛ وفي الفترة المسائية للمسلمين ؛ تحت المراقبة والتضييق والمطاردة والاعتقالات والتنكيل ؛ بمن يثير وجوده غضب احد المستوطنين او الجنود ؛ الحائزين على مباركة رئيس الوزراء ؛ بحرية التسلّح واطلاق اليد لتتصرّف كيف شاء لها الهوى لاشفاء الغليل .
الصدامات تواترت بشكل تلقائي ؛ وبدون رعاية جهات سياسية او امنية رسمية فلسطينية او تنظيمات فدائية ، قاد التصعيد الفلسطيني شبان يشعرون بالاحباط ؛ رئيس الوزراء الاسرائيلي يرجع اسبابه الى الوجود اليهودي في فلسطين ؛ لكنه تجاهل أسباب اصابة الوجود الفلسطيني في مقتل ؛ جرّاء حرمانه من البيت والأرض وأسباب الامن ، ما يقوم به المستوطنون من اعتداءات وتلفيق التهم لضحايا رصاصهم وما امتلكت أيمانهم من انابيب معدنية أو سيوف خشبية ، وما تقوم به الشرطة من استخدام قنابل الغاز المسيل للدموع والسام والرصاص الحي والمطاطي وأنياب الكلاب المدربة للاذى باتقان ؛ برّره : بأن أية دولة تتعرض لاحداث مشابهة ستقوم بتنفيذ اجراءات امنية أشدّ وطاة مما تقوم به اسرائيل ؛ لكنه تناسى أن اسرائيل تعيش في دوامة عنف لها بداية ؛ ما قبل تاسيسها لانها تناست خطا المكان والزمان ومصدر الحكمة - في محاولة يائسة - لبناء دولة لشعب على انقاض شعب له جذوره التاريخية وله تفرّعاته القومية والعقائدية ؛ في محيط احتضنه لم يسمح بالذوبان فيه .
ماذا يقول اتراب الطفل علي دوابشة وزملاء الفتى محمد ابو خضير ؟ كيف يتصّرف طلاب المدارس - رغم المناهج الدراسية المقننة - وطلاب الجامعات أمام مشاهد الدراما الدموية الصاخبة ؛اطلاق رصاص ونهش بانياب الكلاب المسعورة وآلة تحريض لم تتوقف ؛ على صعيد وزاري وحاخامي واعضاء كنيست ؛ مما جاء فيه : ( هؤلاء – عرب الداخل – الذين يعادوننا ؛ لا يوجد ما يمكن أن نفعله بهم سوى أن نلتقط الفؤوس ونقطع بهارؤوسهم ؛ لولم نفعل ذلك لما بقينا على قيد الحياة هنا ) هذا ما ورد على لسان افيغدور ليبرمان ؛ من حزب ( اسرائيل بيتنا ) خلال حملة انتخابات الكنيست من عام 2015 . مبرّر له ان يصرّح بهذه الاقوال ؛ لأنها تصب في توفير الحماية للوجود الاسرائيلي ؛ ولو كانت تدفع بالاسرائيليين الى الانحدار للتفكير بعقلية العصور الحجرية ؛ في استخدام الفؤوس وقطع الرؤوس ؛ في بداية القرن الحادي والعشرين ، ولا ضير عليهم ؛ حتى لو عادوا الى سنوات التيه في سيناء مرة اخرى ، وأعادوا العرب الى رحلة الشتاء والصيف ؛ في بيادي الجزيرة العربية وصحاري بلاد الشام .
ازاء التوتر القائم ؛ هل ترضى الرأسمالية اليهودية ونظيرتاها الغربية والشرقية ؛ باستمرار الاسلوب التصعيدي الا نفعالي ؛ لمواجهة الاحداث الدائرة ؟ بالتأكيد ؛ الرأسمالية عنصر هام في ابقاء الوجود الاسرائيلي تحت السيطرة ؛ وابعاده عن شبح التدهور ؛ ولذلك سارعت الممثلة العليا للأمن والسياسة الخارجية للاتحاد الاوروبي فيديريكا موغريني الى دعوة الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو لضبط النفس وضرورة التهدئة .
كما أكد المتحدث باسم الخارجية الأمريكية : أن عدم الحفاظ على الوضع الذي كان قائما" في المسجد الاقصى لسنوات ؛ هو الذي ادى الى احتدام العنف ، وقال : ان وزير الخارجية الامريكي جون كيري ( ما زال قلقا" للغاية ) وأنه قال بوضوح : يريد ان يتخذ الطرفان اجراءات ملموسة لخفض التوتر واعادة الهدوء ومحاولة التقدم باتجاه حل الدولتين .
من جهة اخرى ؛ أعلن وزير الخارجية الامريكي ؛ أنه سيصل الى المنطقة قريبا" ؛ في مسعى لاعادة الهدوء واستئناف المفاوضات ؛ الا ان الجانب الاسرائيلي لن يدع فرصة للاستغال الا واستثمرها حتى الرمق الاخير .
نتنياهو يريد لجم الغضب الفلسطيني من رأس الناقورة حتى رفح ؛ ومن البحر حتى النهر ، بفعل التمادي الاسرائيلي والتضييق على الفلسطينيين واستهداف حياتهم المعيشية ، واستفزاز مشاعرهم الانسانية والوطنية والدينية الاسلامية في ساحات المسجد الاقصى ، والاعتداء على النساء بكشف النقاب عن وجوههن وتمزيق جلابيبهن وسحلهن في الشوارع قبل رميهن بالرصاص او بعد الرمي ، لا بل بفعل الافق المسدود الذي أوصلتهم اليه السياسة الاسرائيلية الممنهجة ؛ سواء بالتعنت في المفاوضات أو القيود الامنية المشددة أو جدران الفصل المتزايدة وكان آخرها جدران في داخل القدس الشرقية ، أو الحصار الاقتصادي او التمدد الاستيطاني .
الاسرائيليون يلجأون الى القوى العالمية لانقاذهم عند الازمات ؛ بمنطق جنون العظمة الهجومي .القيصر الروسي بوتين يفهم المغزى ؛ ولذلك ؛ انحنى القيصر لمصافحة نتنياهو ؛ وقد كان الاخير جالسا"لاستقباله .
وادان رئيس الامن الداخلي جلعادأردان الادارة الامريكية ؛ ووصف الموقف الامريكي بالمنافق حيال الاحداث الدائرة في فلسطين ، ثم طالب الادارة الامريكية بالتراجع عنه . لابل دعا الى رحيل الرئيس الفلسطيني محمود عباس .
الاستعلاء الاسرائيلي ؛ لم يكن حدثا" عابرا" ؛ بل هو متاصّل في معتقدهم بأنهم شعب الله المختار ؛ حتى كان هاجسهم ايام عاشوا من طيب خاطرهم ؛ او فرض عليهم العيش في غيتوهات ؛ حماية الذات من الذوبان مع المجتمعات الجرمانية ؛ وهي في معتقدهم اقل شأنا" منهم ؛ ولذلك تميّزوا باحترافهم مهنة التجارة الربوية في زمن الاقطاع ؛ حتى غدت سلاحهم الفتّاك لاستدراج واغواء ملوك وامراء الاقطاع ؛ لتسهيل معاملاتهم التجارية ؛ وحتى يغضوا الطرف عن تذمر افراد الشعب ونقمتهم على المرابين ؛مقابل دفع الضرائب لهم .
رضخ امراء الاقطاع الاوروبي وملوكهم ؛ للاستعلاء والابتزاز اليهودي ؛ ثم أخضعت الشعوب الاوروبية لقهر الربا اليهودي وبطش الامراء .
.................................................................................................................
بقلم : بديع عويس
