اذا كان حكم الله : أن يعيش اليهود في الشتات ؛ نتيجة لعصيانهم اياه ؛ وتمردهم عليه ؛ هو معتقد الكثير من رجال الدين عندهم وخاصة في جماعة ( ناطوري كارتا ) ؛ هذه الجماعة تؤمن بأن الله أمرهم : ألا يضطهدوا وألا يقتلوا ولا يسرقوا ، الا أن الصهيونية العالمية ؛ لم تجد بديلا" عن اقامة دولة اسرائيل ؛ على أرض فلسطين ؛ المأهولة بسكانها ؛ سرقتها من اهلها ؛ وأنشأت جيلا" يؤمن بكذبة : أن فلسطين أرض بلا شعب ؛ رسى عليها الرهان ؛ بعد أن أسدلوا الستار على حرية الاختيار بينها وبين محمية بتاغونيا في الارجنتين أو اوغندا او كينيا .
تم تشريد اهلها واضطهاد من تبقى وقتل من استعصى عليهم ؛ بقلة تدريبه وشح في عتاده ونقص في تموينه ، وأباح الصهاينة لانفسهم البحث عن صفقات او تحالفات ؛ تارة مع تركيا واخرى مع المانيا الى ان استقر بهم الحال الى بريطانيا ، وكالوا التهم الغلاظ لمن اجتهد الدفاع عن نفسه ؛ حتى أن تهمة اعطاء الاوامر لهتلر بحرق اليهود ؛ ألصقوها بمفتي القدس الحاج امين الحسيني ؛ على الرغم من تأكيد المؤرخين ؛ أن قتل اليهود بدا تنفيذه في حزيران 1941 ، بينما كان اللقاء الاول بين المفتي وهتلر في تشرين ثاني ؛ أي بعد خمسة شهور كاملة من بدء الجريمة ؛ هذا من ناحية ؛ ومن ناحية اخرى ؛ وكأنّ التاريخ قد دوّن في سجلّاته ؛ انّ هتلر كا ن عاجزا" عن اتخاذ القرار المناسب ؛ لمواجهة الانحياز الصهيوني العلني الى عدوه الانجليزي ، وتسخير عشرة ملايين يهودي ؛ عملاء لبريطانيا ؛ كانوا منتشرين في شتات العالم .
الادعاء الكاذب ؛ صرّح به رئيس الحكومة الاسرائيلة ؛ رافقه تغطية اعلامية اسرائيلية مهزوزة ؛ تراوحت بين التصديق والتكذيب ؛ والارتكاز على حقائق تاريخية أوالتغاضي عنها ؛ في أجواء تصاعد الهجمة الاسرائيلية على الفلسطينيين ؛ بسرعة الضغط على الزناد ؛ والاعدامات الميدانية العاجلة ؛ والانتشار المكثف في شوارع القدس وفي احيائها العربية المحاصرة وفي باحات المسجد الاقصى ؛ وتفتيش الحقائب والتدقيق في بطاقات الهوية ومنع المصلين من الدخول الى المسجد ؛ وعزل الأحياء العربية وتطويقها بالجدران العازلة واردافها بمكعبات اسمنتية واسلاك شائكة ؛ اضافة الى طوق المستوطنات والشوارع الالتفافية والاعتقالات ؛ تنفيذا" لسياسة امنية اسرائيلية ؛ تستهدف تخفيض نسبة الفلسطينيين في القدس المحتلة الى 12 % فقط .
المسجد الاقصى في دائرة الضوء الاسرائيلية ؛ استهدف على مدار أربعة عقود ؛ من خلال حفر الانفاق المتواصل تحت جدرانه واساساته ؛ ثم اقتحام أروقته وساحاته ؛ حتى كانت شرارة الانتفاضة الثانية قد انطلقت منه ؛ لدى اقتحامه من قبل شارون رئيس الوزراء في ذلك الوقت عام 2000 ؛ لم تتوقف السلطات الاسرائيلية عن دوّامة اجراءات التضييق والاستفزاز والصدامات ؛ وبالذات مع الفتيان والشبان ؛ الى أن زجّت بهم الى زاوية المواجهة المباشرة ؛ كتفا" الى كتف ووجها" الى وجه وكفا" الى مخرز وآلة حادة الى بندقية وبراءة الأطفال الى قساوة التدريب العسكري وروحا" يحملها طفل على راحته ؛ يلقيها في مهاوي الردى ؛ في وجه من يحرصون على حياة .
نزل الاطفال الى الميدان ؛ حينا" ؛ ترى طفلا" يشهر سكينا" ؛وأحيانا" ؛ جنود الاحتلال والمستوطنون المدججون بالسلاح المرخص ؛بتحريض من رئيس الوزراء ؛ دون مواربة ؛ يتراأى لهم أن أشباحا" تحمل المعاول والمدى ، يضغطون على الزناد بلا قيود ؛ فيكون الحصيد شبانا" وأطفالا" وشيوخا" ونساء" ؛ جرحى ينزفون حتى الموت ، أو ينكّل بهم لساعات ؛ ثم تسحل أجسادهم المثخنة بالجراح ؛ بما تبقى من لباس يستر ما تبقى من اجساد عارية .
في هذه الاجواء الفعمة بنشوة النصر عند رئيس الوزراء الاسرائيلي ؛ لا يليق بمقامه ؛ الا ان يقارع رئيس دولة عظمى كامريكا ، ولا يذلّ الّا رئيسا" روسيا" مهووسا" بجنون العظمة ؛ ثم يفخر بأنه رئيس اسرائيل ؛ لكنه يفقد صوابه أمام أ طفال يثيرون الفزع بين جنوده وغلاة المستوطنين ؛ أطفال تجاوزوا اعلاما" لاهثا"؛ يستجدي دولا" واحزابا" وتنظيمات ، أداروا ظهورهم لوعود كذّابة وقيادات مفلسة ، ثم القوا بجيوش عربية وقوى" وطنية من خلف ظهورهم وتقدّموا . تقدموا بصدور معمورة بعنفوان الصبا وقوة الايمان ؛ سواعدهم تعلو في المواجهة ؛ لا تملك الّا حجرا" أو زجاجة فارغة او عبوة حارقة ؛ أو مركبة غاضبة او حافلة مجنونة ؛ او سكينا" ناقما" على من يقف حجر عثرة أمام عودة لاجئ الى وطنه ؛ أو تحرير قيد سجين ؛ يرزح اعواما" تباعا" في سجنه ؛ او اقامة دولة له مستقلة في وطنه ؛ خالية من الفاسدين والمتآمرين .
على نهج رئيس الوزراء الاسرائيلي ؛ يتبارى الوزراء والحاخامات والقضاة للتغلغل في ساحات الاقصى ، والتهام المزيد من احياء القدس وتوسيع رقاع المستوطنات وزيادة اعدادها ، والحث على المزيد من الاعتقالات ورفض اقامة الدولتين والاعلان عن انتهاء زمن الدولة الفلسطينية التي لم تر النور بعد ، وسن قوانين تجيز اعتقال القاصرين ؛ كل على طريقته ؛وعلى الدور الفعّال الذي يلمع فيه نجمه .
نتنياهو ؛ سطع نجمه كرئيس وزراء ؛ من الادوار التي برع فيها : غطرسته وابتزاز الادارة الامريكية في ثلا ث محطات : الاولى : عندما نجح في منع زيارة كانت مقررة لوزير الخارجية الامريكي الى المنطقة ، والثانية : اجبار وزير الخارجية الامريكي على التراجع عن تصريحات سابقة له ؛ طالبت الطرفين بالهدوء في القدس ، والثالثة : عند تقديم موعد اجتماع ( لجنة الدفاع ) الامريكية الاسرائيلية ؛ التي تقر المساعدات العسكرية السنوية لاسرائيل ، وما زالت الفرصة مهيّأة لمزيد من الابتزاز ؛ ما دام الوقت آخذ في النفاذ امام الادارة الامريكية الحالية ؛ التي لم يتبقّ لها سوى عاما" واحدا" فقط .
كل الغطرسة الاسرائيلية والتفوق بلا حدود ؛ لم يحل دون تعقيد الحالة الامنية في الأرض المحتلة ؛ والشعور بالعجز ؛ الى درجة الارباك في اتخاذ القرارات ومواجهة الاحداث ، حتى ان اليهود ذووا الملامح الشرقية والبشرة السوداء ؛ لم يسلموا من الهجمات الاسرائيلية المسعورة ؛ ظنا" من المهاجمين ؛ أن الضحايا فلسطينيون ؛ تلصق بهم صفة الارهاب ومحاولات الطعن وحيازتهم ادوات حادة . حتى اذا كشف الغطاء عن جنسية الضحايا وتبين بأنهم يهود ؛ معترف بيهوديتهم او لم يحصلوا على تزكية من حاخاماتهم ؛ التجأوا الى فبركة الأكاذيب ؛ رغم أشرطة الفيديو الموثقة لدقائق الهجمات المجنونة ؛ بدون ( فوتو شوب ) .
مشاهد الهيجان الاسرائيلي ورعب الجنود قبل جنون المستوطنين ؛ يبرهن أن التحريض المنظم ؛ للنيل من الوجود الفلسطيني على ارضه ؛ لم يسفر الا عن توحيد الصف الفلسطيني ؛ رغم التراشق بعبوات المياه والأكواب في اجتماع اللجنة المركزية لفتح ؛ بين توفيق الطيراوي ومحمود العالول ، وكذلك تعزيز موقف الحركة الاسلامية في الداخل ؛ من خلال بث العنصر الديني وتاكيده في الصراع ،ثم اثبات جيل الشباب بأنهم قادرون على اكمال مسيرة النضال للجيل السابق .
لم ينحصر تأثير الصراع المتفجر في بيت المقدس واكناف بيت المقدس في داخل فلسطين فحسب ؛ بل تعداه الى اتخاذ رئيسة الارجنتين موقفا" ؛ باسقاط الجنسية الأرجنتينية عن منتسبي الجيش الاسرائيلي ؛ من حملة الجنسية المزدوجة ؛ بسبب مشاركتهم في مجازر ارهابية بحق الشعب الفلسطيني ، في حين أن رئيس مصرالعربية كان قد دعا الى توسيع معاهدة السلام مع اسرائيل ؛ لتضم الدول العربية الخجولة من الاعلان عن تطبيع علاقاتها المنسوجة باحكام تحت الطاولة .
اسرائيل لا تدّخر جهدا" في تنفيذ مخططاتها لبث الذعر والخوف في نفوس الفلسطينيين ؛ وبالذات المقدسيين منهم ؛ الا أن الشبان قابلوا انحسار حركة المواطنين باطلاق حملة ( مش خايفين ) وحملة ( متخافش – لا لتفريغ القدس ) ، وتداعت المجموعات الشبابية الى التواجد في محيط باب العامود – أحد الابواب السبعة المفتوحة في سور القدس ؛ لا لشيء الا لاثبات الوجود الفلسطيني في احلك الظروف التي تمر فيها القضية الفلسطينية ، وبرحابة صدر واقبال على التقاط الصور التذكارية ؛ وهم يوزعون التمر ويحتسون القهوة ويلعبون كرة القدم ؛ أمام باب العامود ؛ في القدس ولسان حالها يقول : في كفي قصفة زيتون وفي قلبي خنجر .
......................................................................................................
بقلم : بديع عويس
