98عاماً مرت على "وعد بلفور"، الوعد السياسي الاستعماري المشؤوم الذي تجلبب بـ"وعد إلهي" مزعوم، تعبيراً عن تماهي السياسة "الغربية" الحديثة، في عهديها الاستعماري والإمبريالي، مع خرافات بائدة، لدرجة أن تتحالف معها لإقامة "وطن قومي لليهود في فلسطين".
بذلك يتجاوز "وعد بلفور" كونه "أعطى ما لا يملك لمن لا يستحق"، إلى كونه التمهيد والفاتحة لرعاية المشروع الصهيوني وقادته، بوصفهم أصحاب أكبر عملية سطو سياسي عرفها التاريخ الحديث، ومنفذي أبشع عمليات تطهير عرقي مُخطط وتهجير وتشتيت قسري عرفها التاريخ المعاصر، ومخترعي أكبر كذبة عرفها التاريخ البشري: "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض"، بكل ما صاحب كل ذلك، ولا يزال، من أحلام صهيونية، اطمأنت لأوهام أمنيات: "تحويل الشعب الفلسطيني لغبار الأرض"، و"الكبار يموتون والصغار ينسون"، وتوسدت عنجهية مقولات، (وللدقة خرافات)، عنصرية فوق تاريخية، أبرزها: "تميز عرق شعب الله المختار وتفوقه"، و"الجيش الصهيوني الذي لا يُقهر"، و"العربي يخضع للقوة"، "وما لا يتحقق بالقوة يتحقق بالمزيد من القوة". لكن، ماذا كانت النتيجة، وفقاً للتاريخ الواقعي للصراع؟
لقد صمد الشعب الفلسطيني، وظل موجوداً مكافحاً؛ لم يسلم أو يستسلم، وانبثق من تحت ركام نكبة 48، وهزيمة 67، واستأنف مسيرة ثورات وانتفاضات ما قبل النكبة، بإطلاق ثورة معاصرة مستمرة متعددة المحطات.
فمن "معركة الكرامة" إلى الأعمال الفدائية البطولية انطلاقاً من جنوب لبنان ومن داخل الوطن، إلى القتال والصمود الأسطوري في بيروت، إلى انتفاضة 87 الشعبية الكبرى، إلى هبة 96 وانتفاضة 2000 المسلحتين، إلى الصمود الأسطوري وإفشال حروب الإبادة الجماعية والتدمير الشامل على قطاع غزة، إلى هبات جماهيرية وأعمال فدائية لم تنقطع شهدتها الضفة والقدس و"مناطق 48" في السنوات الثلاث الأخيرة، وبلغت ذروتها في الفعل الانتفاضي الجاري منذ مطلع الشهر الماضي على كامل مساحة فلسطين التاريخية، بما يؤكد، مرة أخرى، وحدة هذا الشعب ووحدة أرضه وبنيته ونسيجه، ورفضه للاحتلال، وتوقه للعودة والحرية والاستقلال، وتشبثه بحقوقه الوطنية والتاريخية.
لذلك، وعليه، كيف لأحد أن يتوقع استسلام الشعب الفلسطيني الذي باتت تجمعه، رغم تشتته القسري، هوية وطنية كفاحية متجذرة، وذاكرة جمعية عصية على النسيان، وتوحده أهداف تحررية، وحقوق وطنية وتاريخية، شكلت، ولا تزال، نواظم كفاحه الوطني المديد ومحركه الأساس.
أما الإصرار الصهيوني على مسعى تفكيك بنية فلسطينيي الضفة وقطاع غزة، فمحض وهْمٍ، إذ كيف يكون ذلك وقد صمدوا حين كان تعدادهم نحو ثلاثة أرباع مليون بعد عدوان 67، بينما هم الآن 5 ملايين.
وبالمثل فإن الإصرار الصهيوني على "أسرلة" فلسطينيي "مناطق 48"، مجرد خيال، ذلك لأنهم صمدوا حين كان تعدادهم 150 ألف نسمة العام 48 فكيف لا يصمدون وقد أصبحوا الآن 1.5 مليون نسمة؟ وبالمثل، أيضاً، كيف لنحو 6 ملايين لاجئ فلسطيني أن يتخلوا عن حقهم في العودة، وهم الذين عمدوا تشبثهم به بدمائهم الغزيرة وتضحياتهم الجسيمة، على الرغم من، بل بفضل، 67 عاماً من مرارات القهر وحياة التشرد واللجوء.
وبالمحصلة كيف لأحد أن يتوقع استسلام الشعب الفلسطيني بأسره، وقد أصبح تعداده اليوم 13 مليون نسمة، بكل ما يولده ذلك من إرادة مقاومة؟ ناهيك عن أن 25 عاماً من مفاوضات مدريد - أوسلو، لم تحقق لحكومات إسرائيل المتعاقبة، ما سعت إليه، برعاية أميركية، من تفكيك واختزال للخارطة والحقوق الوطنية الفلسطينية، على الرغم مما نشأ بسبب هذا المسار التفاوضي العقيم، أساساً، ولأسباب داخلية، لا مجال هنا للخوض فيها، من انقسامات مدمرة، لكن ليس في أوساط الشعب الفلسطيني، بل في أوساط نخبه القيادية.
إن مشكلة حكومات إسرائيل المتعاقبة مع الشعب الفلسطيني، هي المشكلة ذاتها لكل المستعمرين، الذين يتبنون النظرية الخاطئة ذاتها: (بالقوة والقمع والبطش، وبالمزيد من القوة والقمع والبطش تستسلم الشعوب)، فيما هي، الشعوب التحررية، وفي طليعتها الشعب الفلسطيني، تنظر لتضحياتها، مهما تعاظمت، كضريبة حرية واستقلال وسيادة.
هكذا أثبتت تجربة كل الشعوب التي تعرضت للاستعمار، حيث قاتلت وانتصرت في نهاية المطاف، اتصالاً بوعيها العميق أن الاستعمار، أي استعمار، إن هو إلا مشروع للربح، ينهزم لا محالة، عندما يتحول إلى مشروع خاسر، وإلا كيف نفسر، مثلاً، هزيمة الشعب الفيتنامي للولايات المتحدة، وهي القوة العظمى في العالم، وهزيمة الشعب الجزائري لفرنسا، وهزيمة الشعب الهندي لبريطانيا، عندما كانت "الامبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس"؟ ولعل الاستخلاص الجوهري هنا هو أن الاحتلال الصهيوني، هو كأي احتلال أجنبي، (فما بالك وهو الاحتلال الاستيطاني العنصري الإحلالي الإقصائي)، لن يرحل إلا إذا تحول إلى مشروع خاسر، بشرياً وسياسياً ومادياً ومعنوياً وأخلاقياً.
لكن، في الحالات كافة، يبقى السؤال الأهم: كيف يبدو المشهد الإسرائيلي الآن، بعد مرور 98 عاماً على "وعد بلفور"، و67 عاماً على تحقيقه، (إنشاء إسرائيل)، بعملية تطهير عرقي بشعة، و48 عاماً على احتلال العام 67، وما صاحبه من نزوح قسري.
بالطبع لسنا أمام "إسرائيل واحة الديموقراطية الوحيدة في المنطقة"، فتلك كذبة صهيونية كبرى تواطأت معها، وساهمت في تسويقها، لمصلحة، حكومات الدول الاستعمارية - الإمبريالية "الغربية" بقيادة الولايات المتحدة.
وبالطبع، أيضاً، لسنا حتى أمام "دولة إسرائيل اليهودية الديموقراطية"، فتلك صفة انتحلها بن غوريون بالجمع بين العصي على الجمع: "اليهودية والديمقراطية"، و"الاحتلال والديموقراطية".
وبالطبع، أيضاً، لسنا أمام دولة إسرائيل القابلة، بالمعنيين التاريخي والواقعي، لأن تصبح "دولة يهودية صافية"، اتصالاً بالتعادل والتشابك السكاني بين التجمعات الاستيطانية اليهودية والتجمعات الفلسطينية في فلسطين التاريخية. وبالطبع، أيضا لسنا أمام دولة إسرائيل التي يستطيع جيشها "الذي لا يُقهر" تحقيق انتصارات مبهرة حاسمة واضحة لا لبس فيها. وبالطبع، أيضاً، لسنا أمام دولة إسرائيل التي تستطيع إخفاء جرائمها عن عيون شعوب العالم، بتغطية من راعيها الأميركي، وكل الدائرين في فلكه، فالعصر غير العصر، وشعوب العالم، بما فيها الشعوب "الغربية"، باتت ترى في إسرائيل المصدر الأول للخطر وزعزعة الأمن والاستقرار في العالم، هكذا أشار استطلاع للرأي في بلدان أوروبا الغربية.
لذلك، كله، من الطبيعي لدرجة البداهة أن تكتشف شعوب العالم صورة إسرائيل الحقيقية، صورتها ذاتها منذ نشأتها: إسرائيل العنصرية العدوانية التوسعية الإقصائية المارقة. بل، صورة إسرائيل الفاشية التي تجاوزت حالة دولة لجيش باغٍ أنشأها ويحكمها ويتحكم بها، إلى حالة دولة لجيش يتكئ على جيش ثانٍ، قوامه عصابات مستوطنين فالتة من كل عقال، بل، إلى حالة دولة يُسمح لمواطنيها اليهود، قانونياً، بحمل السلاح وإطلاق النار على كل عربي يشتبه أنه يحمل سكيناً، بل، وبلغ الأمر درجة إطلاق النار على يهود وأجانب لمجرد أن ملامح بشرتهم تحمل ملامح عربية.
كيف لا؟ طالما أننا أمام حالة دولة يثابر رئيس وأركان حكومتها، بل عصابتها، على قوننة تكريسها، وعلى مطلب الاعتراف بها، "دولة لليهود"، بل، و"غير محددة الحدود".
ما وضع العرب، ومنهم الفلسطينيون خصوصاً، والعالم بأسره، أمام سؤال ما العمل؟ مع نتائج "وعد بلفور" الاستعماري بعد 98 عاماً على إصداره.
ويزيد السؤال آنف الذكر تعقيداً، حين يخاطب رئيس حكومة المستوطنين، الفاشي نتنياهو، أعضاء "لجنة الخارجية والأمن" التابعة لـ"الكنيست" بالقول: "لا حلول سحرية لما يجري"، (يقصد انتفاضة الفلسطينيين الجارية)، و"سنعيش للأبد على حد السيف"، و"علينا أن نسيطر على كل شبر أرض يقع في مجال رؤيتنا"، وكل ذلك بعد أن أقدم نتنياهو، بخسة ووقاحة غير مسبوقتين، على تزوير التاريخ، حين أخبر أعضاء المؤتمر الصهيوني، باكتشافه الجديد، بالقول: إن هتلر لم يكن ينوي حرق اليهود، بل كان يريد طردهم، وأن المفتي الفلسطيني، أمين الحسيني، هو من نصحه بحرقهم، وكأن هتلر الذي أشعل فتيل الحرب العالمية الثانية، واحتل بولندا وفرنسا وغيرها، ووصل إلى مشارف موسكو، كان بحاجة لمشورة أحد ليمارس العنف، ويرتكب جرائم التطهير العرقي، سواء ضد اليهود، أو ضد الشيوعيين، أو ضد البولنديين مسيحيين وعلمانيين، أو ضد من لم يحالفه من الطليان واليابان، بل وضد كل بشر جابه عنصرية النازية وعنفها وخرافاتها.
إن عنصرية الصهيونية المتجلببة بخرافات "تفوق عرق شعب الله المختار"، وخرافة "الجيش الذي لا يُقهر"، التي بددتها صيرورة الصراع الواقعية، في معركة الكرامة 1968، وحرب أكتوبر 1973، وفي صمود بيروت الأسطوري 1982، وفي الانتفاضتين الأولى والثانية، وفي لبنان 2000 و2006، وفي قطاع غزة المحاصر 2008 و2012 و2014، وها هي تتبدد الآن، في المواجهة الجارية.
ويلخص الأمر هنا رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، حيث قال: "لو كان هذا الهلع قائما العام 48 لما قامت دولة إسرائيل". يعني، سوف يعترف قادة إسرائيل، تقدم الأمر أو تأخر، بالحقيقة التاريخية التي اعترف بها يوماً، رمز العسكرية الصهيونية، موشي دايان، حيث قال، نصاً، أمام طلبة جامعة حيفا: "عليكم أن تدركوا تماما أنه فوق هذه الأرض التي تتلقون فيها علمكم كان فلاحون فلسطينيون يزرعون ويحرثون ويبنون بيوتهم الطينية، وقد أخرجناهم بالقوة، وما زالوا يبنون قوتهم كي يعودوا".
علي جرادات
